في غرفة مغلقة جلسنا معا كل يحكي عن تجربة الأسر لدى حماس، فتفيض وتكيل ألسننا بالمديح أو بوصفهم بما يليق بهم وهو مالن نستطيع البوح به بين الزاعمين بأنهم الدولة الوحيدة الديمقراطية في المنطقة، نحن لسنا دولة وإنما عصابة مخلقة من ثغور شتى، نعاني اضطراب الهوية نزعم أننا ننتمي إلى ياهوه وأرض الميعاد ومملكة داوود، بينما في الحقيقة نحن ننتمي إلى الشيطان، هل تعرفون معنى أن تسقط كل صوامع الزيف لنرى الحقيقة من المسافة صفر، وجها لوجه دون وسيط أو شارح يلوي عنقها لصالحه، كنت....
أهرع بين أحراش مصغرة أو هكذا أنا رأيتها وأنا لا أسمع سوى صوت أنفاسي المصحوبة بخوفي بعد أن فقدت أفراد كتيبتي الذين في لحظة فارقة أدركوا أن على كل منا النجاة بنفسه، هنا في غزة فقدت البوصلة، توقف عقلي عن التفكير، كيف السبيل إلى النجاة، الخوف يتضاعف ويستفحل داخلي، لا أسمع سوى صوت طلقات النار من جهات شتى، أسائل نفسي أين المفر، وكأن أقدامي تقودني إلى مجهول لا أعلمه وأنا لها مستسلمة، ها هو بيت أو بقايا بيت مهدم، أبث نفسي شيئا من الاطمئنان، بالقطع لا أحد هنا، السماء تعلوني معلنة اختراق الليل للنهار فيدمغه فإذا هو زاهق، والليل بمكونه يزيد من استفحال الخوف بداخلي، دخلت البيت المهدم بزيي العسكري، ألقيت بجسدي المنهكمن صراع دام منذ أن حللت هنا قرابة أسبوع وحتى اللحظة مضافا إلى بأس الحرب والجوع والعطش الذي داهمني بقوة ليزيد من مقومات وهني ويقوض قدرتي على الاحتمال، بت ليلتي مستسلمة لجملة من عوامل الخوف البشري الطبيعي، الصمت يعبيء فضائي المرئي مع غسق الليل البهيم، بكيت من الرعب بعد أن فشل النوم في احتوائي وانتزاعي من براثن الخوف والجوع والعطش، ماذا لو عثر علي بعض من أفراد المقاومة وهم يمشطون المكان، ماذا لو أخذوني أسيرة، أيعاملونني على أنني مجندة أسيرة، أم من السبايا طبقا لفكرهم كإرهابيين؟
ساعات الليل دثرتني ببطئها طاعنة أمني في مقتل فكانت أقسى ما تعرضت له في حياتي أنا الفتاة ذات الخمس والعشرين عاما، من تماثلني في العمر في أي بقعة من العالم لها حياتها التي تمتلكها بالكلية، تفعل بها ماتريد إلا إسرائيل فأنا جندية بالجيش للدفاع عنها ودحر الإرهابيينفي ذلك الوسط المعادي لها، الكارهون لنا وللإنسانية جمعاء، يكرهون كل ما هم دونهم، هم أجلاف، متخلفون يعيشون في مجتمعات متخلفة، جوييم، حيوانات بشرية تحقد علينا لأننا الأفضل والأميز في كل شيء وهذه هي مشيئة ياهوه، الجوييم خلقوا لأجل خدمتنا نحن شعب الله المختار، أبناء الله وأحبائه، هكذا تربيت وهذا ما تلقيته في البيتوالمدرسة والإعلام، والمعبد، كثيرا ما كنت أسأل نفسي لماذا أنا هنا، لماذا جاء جدي لأبي من أوكرانيا إلى هذه الأرض؟ ألكونها أرض الميعاد؟ أم لنقييم مملكة داوود على جبل صهيون؟ أم لأنها أرضنا المستحقة لنا، ولكن كان من الممكن أن ننتظر مسيحنا المخلص المؤيد من ياهوه ليقيم لنا مملكة داوود، ويبقى كل منا في بلده الأصلي حتى يعلن عن نفسه فنأتي إليه وحدانا وزرافات ننضم إليه جنودا في جيشه حتى نحرر أرضنا.
الآن أنا في خطر محدق، أين مسيا من هذا الخطر بل أين ياهوه نفسه لماذا يتركني وحيدة فريسة لأي مجهول محتمل، ألست واحدة من شعب الله المختار الذي قدر له أن يتواجد بين وحوش تريد أن تنقض عليه، ألست بنت ياهوه، رأسي تعبت من التفكير.
غفت عينيا قليلا من الوقت ما بين ساعة ونصف الساعة واستيقظت على صوت آذان الفجر من بعيد، بدا واهنا لغياب مكبرات الصوت ثم تصاعدت وتيرته عندما تعددت أصوات المؤذنين من على أسطح البيوت المهدمة لأن المساجد أيضا مهدمة والكهرباء مقطوعة فتناغمت أصوات المؤذنين في تحد أبلج، كنت منهكة القوى، ولن أخفيكم سرا أن صوت الآذان أحدث في الطمأنينة نوعا ما ولا أعرف السبب، كأن ياهوه يطمئنني أنه بجانبي ولن يتركني في الفلا، أمعنت النظر إلى السماء بلونها الرمادي الداكن وأخذت أرقب بزوغ الفجر، أتلمس في ضوئه طلبا لحل لما آلت إليه بعد أن أيقنت أنني لا يمكنني البقاء هنا، ومع تشبع الكون بضوء النهار الفج عدت لأواصل السير على غير هدى تلمسا لقبس ما يكون لي مشعل هداية استظل به في التيه الذي ضرب علي حتى وجدتني أمام بيت موصد، طرقت الباب بهدوء وحذر فتح لي صاحب البيت ففزع لرؤيته لي وأنا بزيي العسكري فدخلت عنوة دافعة الباب برفق وإصرار كهارب يريد أن يتخفى وامتد الفزع إلى زوجته وأبنائه الذين تنوعت صيحات التعبير عنه ما بين الصراخ والصياح والعويل وأيدي الصغير ذي الأربعة أعوام الذي أخذ يضربني بها ويدعم ذلك بسباب لم أفهمه، أخذت أطمئنهم وأهدئهم وأحاول إقناعهم أنني فقدت التواصل مع قادتي وضللت الطريق ولا أبغي بهم شر مطلقا غير البقاء معهم حتى حين وقد تخلصت من سلاحي فأصيبوا بالوجوم الحذر.
أنا لا أتحدث العربية وزوجته لا تفهم العبري ولا تستطيع التحدث بالإنجليزية ولكن زوجها حدثني بالإنجليزية فقال: ولكن وجودك هنا يعرضنا للخطر.
وقالت زوجته وأبنائها يحيطون بها: ونحن لا نريدك هنا، وترجم لي صاحب البيت ما يقولون وهذا ما تولاه عنهم طيلة إقامتي عندهم لمدة عشرة أيام.
أيقنت أنهم ما زالوا خائفين ولا يأمنون جانبي فعدت للتأكيد المشوب بالتوسل أنني لا أبغي بهم شر مطلقا، وأن حقيبتي في المدرعة التي لا أعرف أين مكانهاحتى سلاحي ألقيت به بعيدا لأني....
أحجمت عن القول بأنني صبأت بكل ما تربيت عليه وقولت في يأس لن تفهموني......
صمت مريب يحتمل كل ما استقيته عنهم وما استقوه عنا، ولكن يبدو أن المسافة صفر أحدثت فيهم كما أحدثت في أو هكذا تبدى لي.
قطعت وصال الصمت وقلت بتوسل: أرجوكم لا تخذلوني.
فقبلوا متحفظين، وجلين، أخذوا ينظرون إلي بريبة وعيونهم بها الكثير من الحزن على ابنهما الشاب ذو الثمانية عشرة عاماوالذي توفي في الحرب، والكثير من الخوف من تبعات حلولي بينهم وعدم قدرتهم على تقبلي وأنا من العدو الذي فقدوا ابنهما بباروده، ولكن لا يوجد في ملامحهم انكسار بل إصرار وتحدي لكل شيء حتى للظروف العصيبة التي يحيون فيه.
همس صاحب البيت لزوجته وأبنائه الأربعة بكلمات لم أفهمها بالطبع ولكن فهمت من تعاملهم معي تلطفهم المحتسب وبقاء الارتياب مشتعل الجوانح في عيونهم، دعوني للإفطار معهم، جلست معهم حول مائدة الطعام اللاثريد، طبقان صغيران من الفول مع رغيف صغير لكل فرد من الخبز صنعته سيدة المنزل، كنت جائعة أكلت بنهم شديد ولو أنهم أعطوني ثلاثة أرغفة أخرى لأكلتها حتى أشبع ولكنهم يقتصدون في كل شيء، وبعد الإفطار أتت لي بملابس كاملة من ملابسها وأدخلتني الحمام وباستخدام لغة الإشارة طلبت مني الاستحمام بخمسة لترات من الماء فقطوالذي يأتون به من أماكن بعيدة وعلموني كيفية الاستحمام بهذه الكمية القليلة من الماء، وهم لا يتحممون أكثر من مرة في الأسبوع في هذا الجو الحار نظرا لندرة الماء، وعلمتني سيدة المنزل أن أذيب بعض الملح في الماء صباحا ثم غسل مناطق التعرق الشهيرة في الجسم حتى لا أصاب بمرض ما في ظل ندرة المطهرات التي تحتاجها النساء خاصة ونضوب المستشفيات، وأشياء أخرى كثيرة بها يتغلبون على ظروفهم السيئة، بالفعل الحاجة أم الاختراع وهم أبهروني.
بعد الحموم نمت تسع ساعات متصلة، واستيقظت هادئة ودبيب الراحة يعمل في جسدي، أتلفت حولي فلم أجد أحدا، خرجت من الحجرة فلم أجد سوى صاحب البيت وزوجته، سألتهما عن الأبناء قال لي: أن أخاه جاء وأخذهم عنده، أيقنت حجم الخوف الذي يعانونه مني.
مازالت نظرات الارتياب دفاقة تجاهي، لا يأمنون جانبي وهذا ما دفعهم لاستبعاد أبنائهم، وهذا آلمني كثيرا أن الهوة بيننا واسعة إلى هذا الحد، ثم دعتني سيدة المنزل الصموتة ذات النظرات البواحة للغذاء وكان عبارة عن بطاطس مهروسة مع قليل من الملح وشرائح الفلفل الأخضر دون خبز أو أرز، أكلت دون بلوغ الشبع وهما مثلي بالطبع، ثم قام صاحب البيت وعمل شاي أحمر مغلي بملعقة سكر واحدة في كل كوب وهذا هو المسموح به فقط، كوب واحد يوميا.
جلسا أمامي بنظراتهما الثاقبة لي، هما يؤديان الصلوات كاملة، أحدهما يقوم ليصلي ويبقى الآخر مراقبا لي طول الوقت حتى إذا انتهى قام الآخر ليصلي، المهم ألا يتركاني وحدي فارتيابهما بي لا تخطئه العين، أما أنا برغم أنني أترقب المجهول وبرغم خلو جعبتي من أي خطط بشأن ما أنا فيه ولكنني أنعم بسلام نفسي لا حد له ولا حدود، هذا البيت له روح أضفت علي حالة من السكينة والاطمئنان لا مثيل لها، للأماكن روح كما البشر، والبيت بقاطنيه وهذه الأسرة منحتني ما لم تستطع دولتي أن تمنحني إياه، فقط ارتيابهم بي هو ما يصيبني بوخز في صدري، وشرخا في سويداء قلبي، فكيف أذيب هذا الحاجز بيني وبينهم، تبا لصناعه، كم استقيت من تعاليم مثل إقتلوهم بلا رحمة والأطفال أكثر من الكبار لأن هؤلاء هم محاربينا في المستقبل.
ما يخرج من القلب يدخل القلب سريعا بوصلات ناقلة شفيفة وأنا على يقيت أن مابي سيصلهم وسنذيب معا الحاجز الذي اصطنع على عين الشيطان وأوليائه، بدأت أنا بالكلام عن نفسي بحميمية تجاههم، أنا المحبة لتواجدي بينهم لدرجة توقف تفكيري عما ما ينبغي أن أفعله فيما بعد، بل أنا أرغب ولو توقف الزمن عند تلك الأيام فلا يتقدم ولا يتبدل ولا يتغير، الحب لغة عالمية لا تحتاج إلى تلقين أو تدريب وأنا أحببتهم وأحببت هذا البيت، بعد أن ذقت معهم حميمية الجوع وألق الخوف ودفيء الظروف الصعبة التي تورث توحد المشاعر، وكانوا بحق أحرص علي مني على نفسي، استشعرت ذلك قبل البوح الصريح.
أنا أعمل في أحد البنوك، درست إدارة أعمال وأنتما كما أرى أنكما على درجة غير قليلة من التعلم أيضا؟
قال الزوج: أنا مدرس رياضيات تخرجت من جامعة عين شمس بمصر ثم يشير بيده إلى زوجته ويقول: وزوجتي أخصائية اجتماعية، نعمل في مدرسة واحدة وكما تعلمين كل شيء متوقف الآن.
وكيف تعيشان وأبنائكما؟
عندي تروسيكل أقوم بتوزيع عليه ما يتاح لي، أو أنقل عليه ما يطلب مني نظير أموال زهيدة، هي ما لدى الغزاويين الآن.
شكرتهم على حسن الضيافة التي فرضتها عليهم وحرصت على الحميمية في التعامل بيني وبينهما، وبدأت أقوم بمساعدة سيدة المنزل وأفعل مالم أفعله في حياتي، شيئا فشيئا بدأ الجليد في الذوبان رغما عن كل المتآمرين والمزيفين والذين يتقيئون الكذب الصراح بلا خجل.
فهذا البيت بطراز حديث ولكن لا يمكن لصاحبته استعمال غسالتها الأوتوماتيك نظرا لانقطاع الكهرباء شبه الدائم والماء الذي يخرج صاحب البيت وأبنائه لمليء القليل الذي يكفيهم بالكاد مع أخذ الكثير من الاحتياطات، فغسلت ملابسي بيدي كما يفعلون وقمت بتنظيف البيت معهم، وإعداد طعامهم اللاثريد معهم، سريعا ذاب الجليد وسقطت الحواجز التي اصطنعها شياطين الإنس والجنوصدقوا حميميتي تجاههم وانقشع الارتياب في خلال يومين وأتوا بعدها بأبنائهم ليعيشوا بالبيت، كنت أعيش الخوف مثلهم عند سماع دوي طلقات الرصاص.
استشعرت كل ما يشعرون به وعشت ظروفهم بكل قسوتها وشاركتهم أعمالهم المنزلية بطريقة بدائية تماما، فسيدة هذا البيت تصنع الصابون من الزيت المتبقي من القلي وهذا الصابون يستخدمونه في كل شيء فليس لديهم رفاهية لما هو أكثر من ذلك، على ردائته ولكنه يحقق المأمول، ولديها بوتجاز حديث ولكن لا يمكنهم استخدامه نظرا لعدم وجود أنابيب الغاز، فقاموا بصنع فرن بدائي في شرفة البيت ويقوم أطفالها وزوجها في غدوهم ورواحهم بالإتيان ببقايا الخشب من البيوت المهدمة والاحتفاظ بها لحين استخدامه، هي تبتدع من أقل الإمكانات ما يمكنهم أن يأكلوه، هي تصنع الخبز بالبيت لتوقف المخابز، وأنا معها أفعل ما تفعل أقوم بتقطيع كرات العجين وفردها وتسويتها في فرنها بالشرفة، وفي المساء تصنع فطيرة صغيرة قطرها خمسة عشر سنتيمترات محشوة بالعجوة ليحصل كل من بالبيت على شريحة صغيرة في العشاء، كان البيت كخلية نحل وهم سريعي التأقلم مع ما استجد عليهم والذي تسببنا فيه، ذابت الفواصل التي كانت توجعني وتواشجنا بحب حقيقي محا كل ما تربيت عليه، كلما تفكرت في أمري وأنني لابد أن أخرج من هذا البيت حتى لا أتسبب لهم في أذى من نوع ما، تألمت وشاب سلامي النفسي الذي غاب عني كثيرا كدر لا يعلم مداه إلا الله، حتى مفرداتي أثروا فيها فلم أعد أقول ياهوه وإنما الله.
هم مسلمون متدينون، صاحب البيت وزوجته يستيقظان قبل الفجر بساعة تقريبا ليقيما الليل وبعد صلاة الفجر يتشاركون في صنع أرغفة تكفي يومين مع التسبيح لله لدرجة أنني حفظت تسبيحهم.
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده عدد ما كان وما هو كائن وما سيكون إلى يوم الدين.
بينما هم يعظمون الله دائما وأبدا تذكرت بعضا مما أتلوه في صلواتي كأن أقول:
أفق يارب من غفلتك فقد أخزيتنا أمام الأمم الأخرى، لكم شعرت بالخجل من نفسي.
مازلت مبهورة بفعلهم، تقوم سيدة المنزل بصهر الشمع وصبه في علبتين للكانز بعد نزع الثغر وتضع في منتصفها فتلة دبارة سميكة ليتجمد الشمع ويصبح ممسكا بهذا الفتيل وفي المساء يقومون بوضع واحدة بالحمام والأخرى في منتصف البيت ليستظل الكل بنورها.
هذه الكيانات وريثة هم قضيتهم وعدالتها التي يحاولون طمسهالكي تموت، هكذا أيقنت ومن هذه القناعة ذات مساء ونحن جالسون معا نرقب ما يحدث بالخارج سألت صاحب البيت سؤالا فارقا في حياتي:
ماذا ستفعلون بنا عندما تستردون أرضكم؟
فقال بنفس الهدوء والثقة:
كما فعلنا بك عندما لوذت بنا وقت الخطر وأنت من الجيش الذي قتل ابننا.
بكيت وانحنيت بكليتي أقبل يديه بينما هو ينتزعها مني.
تبكي وهي تقول ما كل هذا النبل؟!
ثم تستطرد
لم أعد جندية في الجيش ولا أصلح وإنما إنسانة تشعر بما يشعرون به ومما زكى ونمى هذا الشعور عندي عندما سمعت طلقات الرصاص تقترب منا آثرت أن أخرج من عندهم كي لا أسبب لهم المشاكل فأبوا قائلين "أنت الآن منا ولن نتركك للهلاك" ولم يتركوني إلا عندما اطمأنوا إلى أشخاص ثقات ساعدوني حتى عدت إلى البيت، ولكني الآن نقيض لما كنت عليه قبل إقامتي بينهم والتي زرعت في يقين أنني نشأت وعشت في مروج الكذب والزيف المصطنع بغير حنكة من كيانات تظن أنها من الحصانة والمنعة ما يجعلها في مأمن من مقارعتهم بالحجة، سقطت هالة الكذب الصراح وسقط معها ذوي الكروش المنتفخة وذوي الجيوب المنتفخة، وذوي الوجوه البلاستيكية، والكيانات المستنسخة وكل إبداعهم الأشر، وكل من يقبر في نفسه مآرب أخرى لا يفصح عنها.
بعد أن نشأت على حقيقة دامغة، ألا وهي إما نحن وإما هم، بينما أنا عشت معهم، أنا وهم، أصبح لدي قناعة أننا سنعيش نحن وهم رغم ديباجات الشياطين في كل مكان، نحن تعني الصالحون، مسيا الذي يأتي سيرا فوق جثث الضحايا لا أريده، ياهوه ليس بحاجة لفعل الشياطين.
ذات مرة سألتهم لماذا قبلتوني بينكم وأنا من الجيش الذي ينكل بكم؟
قال لي: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ"
ولكني لم أسمع كلام الله.
كل ما نفعله هو من كلام الله وتعاليمه.
الآن لا أستطيع العيش هنا، هذه فلسطين وفقط، سأغادر إلى أي مكان آخر، أحب وأتزوج وأنجب أطفالا أعلمهم الحب بكل أشكاله، وقد أعود إلى هذه الأرض مع أطفالي لزيارة تلك العائلة التي أعادة صياغتي من حيث لا تدري، طوفان نوح كان فارقا في حياة البشرية، وطوفان الأقصى كذلك، الذي فجره ياهوه بيد أصحاب الأرض الحقيقيين ليعيد الحق لأصحابه، ليصوب ما فعله جدي الأوكراني، طوفان سيغرق كل أشر كما طوفان نوح، لم أعد قابلة للحياة على هذه البقعة من الأرض بعد أن بثت في هذه العائلة كل صنوف الرقي والإنسانية التي كنت أجهلها قبل المجيء إليهم، علموني كيف أكون إنسان، علموني كيف أحب الآخر، مهما تشنج المتآمرون وانتفخت عروقهم وهم يفصحون عن خبث خبيئتهم، والدنس القابع في طويتهم. مهما امتلكوا من مقومات تؤيد باطلهم.
أهرع بين أحراش مصغرة أو هكذا أنا رأيتها وأنا لا أسمع سوى صوت أنفاسي المصحوبة بخوفي بعد أن فقدت أفراد كتيبتي الذين في لحظة فارقة أدركوا أن على كل منا النجاة بنفسه، هنا في غزة فقدت البوصلة، توقف عقلي عن التفكير، كيف السبيل إلى النجاة، الخوف يتضاعف ويستفحل داخلي، لا أسمع سوى صوت طلقات النار من جهات شتى، أسائل نفسي أين المفر، وكأن أقدامي تقودني إلى مجهول لا أعلمه وأنا لها مستسلمة، ها هو بيت أو بقايا بيت مهدم، أبث نفسي شيئا من الاطمئنان، بالقطع لا أحد هنا، السماء تعلوني معلنة اختراق الليل للنهار فيدمغه فإذا هو زاهق، والليل بمكونه يزيد من استفحال الخوف بداخلي، دخلت البيت المهدم بزيي العسكري، ألقيت بجسدي المنهكمن صراع دام منذ أن حللت هنا قرابة أسبوع وحتى اللحظة مضافا إلى بأس الحرب والجوع والعطش الذي داهمني بقوة ليزيد من مقومات وهني ويقوض قدرتي على الاحتمال، بت ليلتي مستسلمة لجملة من عوامل الخوف البشري الطبيعي، الصمت يعبيء فضائي المرئي مع غسق الليل البهيم، بكيت من الرعب بعد أن فشل النوم في احتوائي وانتزاعي من براثن الخوف والجوع والعطش، ماذا لو عثر علي بعض من أفراد المقاومة وهم يمشطون المكان، ماذا لو أخذوني أسيرة، أيعاملونني على أنني مجندة أسيرة، أم من السبايا طبقا لفكرهم كإرهابيين؟
ساعات الليل دثرتني ببطئها طاعنة أمني في مقتل فكانت أقسى ما تعرضت له في حياتي أنا الفتاة ذات الخمس والعشرين عاما، من تماثلني في العمر في أي بقعة من العالم لها حياتها التي تمتلكها بالكلية، تفعل بها ماتريد إلا إسرائيل فأنا جندية بالجيش للدفاع عنها ودحر الإرهابيينفي ذلك الوسط المعادي لها، الكارهون لنا وللإنسانية جمعاء، يكرهون كل ما هم دونهم، هم أجلاف، متخلفون يعيشون في مجتمعات متخلفة، جوييم، حيوانات بشرية تحقد علينا لأننا الأفضل والأميز في كل شيء وهذه هي مشيئة ياهوه، الجوييم خلقوا لأجل خدمتنا نحن شعب الله المختار، أبناء الله وأحبائه، هكذا تربيت وهذا ما تلقيته في البيتوالمدرسة والإعلام، والمعبد، كثيرا ما كنت أسأل نفسي لماذا أنا هنا، لماذا جاء جدي لأبي من أوكرانيا إلى هذه الأرض؟ ألكونها أرض الميعاد؟ أم لنقييم مملكة داوود على جبل صهيون؟ أم لأنها أرضنا المستحقة لنا، ولكن كان من الممكن أن ننتظر مسيحنا المخلص المؤيد من ياهوه ليقيم لنا مملكة داوود، ويبقى كل منا في بلده الأصلي حتى يعلن عن نفسه فنأتي إليه وحدانا وزرافات ننضم إليه جنودا في جيشه حتى نحرر أرضنا.
الآن أنا في خطر محدق، أين مسيا من هذا الخطر بل أين ياهوه نفسه لماذا يتركني وحيدة فريسة لأي مجهول محتمل، ألست واحدة من شعب الله المختار الذي قدر له أن يتواجد بين وحوش تريد أن تنقض عليه، ألست بنت ياهوه، رأسي تعبت من التفكير.
غفت عينيا قليلا من الوقت ما بين ساعة ونصف الساعة واستيقظت على صوت آذان الفجر من بعيد، بدا واهنا لغياب مكبرات الصوت ثم تصاعدت وتيرته عندما تعددت أصوات المؤذنين من على أسطح البيوت المهدمة لأن المساجد أيضا مهدمة والكهرباء مقطوعة فتناغمت أصوات المؤذنين في تحد أبلج، كنت منهكة القوى، ولن أخفيكم سرا أن صوت الآذان أحدث في الطمأنينة نوعا ما ولا أعرف السبب، كأن ياهوه يطمئنني أنه بجانبي ولن يتركني في الفلا، أمعنت النظر إلى السماء بلونها الرمادي الداكن وأخذت أرقب بزوغ الفجر، أتلمس في ضوئه طلبا لحل لما آلت إليه بعد أن أيقنت أنني لا يمكنني البقاء هنا، ومع تشبع الكون بضوء النهار الفج عدت لأواصل السير على غير هدى تلمسا لقبس ما يكون لي مشعل هداية استظل به في التيه الذي ضرب علي حتى وجدتني أمام بيت موصد، طرقت الباب بهدوء وحذر فتح لي صاحب البيت ففزع لرؤيته لي وأنا بزيي العسكري فدخلت عنوة دافعة الباب برفق وإصرار كهارب يريد أن يتخفى وامتد الفزع إلى زوجته وأبنائه الذين تنوعت صيحات التعبير عنه ما بين الصراخ والصياح والعويل وأيدي الصغير ذي الأربعة أعوام الذي أخذ يضربني بها ويدعم ذلك بسباب لم أفهمه، أخذت أطمئنهم وأهدئهم وأحاول إقناعهم أنني فقدت التواصل مع قادتي وضللت الطريق ولا أبغي بهم شر مطلقا غير البقاء معهم حتى حين وقد تخلصت من سلاحي فأصيبوا بالوجوم الحذر.
أنا لا أتحدث العربية وزوجته لا تفهم العبري ولا تستطيع التحدث بالإنجليزية ولكن زوجها حدثني بالإنجليزية فقال: ولكن وجودك هنا يعرضنا للخطر.
وقالت زوجته وأبنائها يحيطون بها: ونحن لا نريدك هنا، وترجم لي صاحب البيت ما يقولون وهذا ما تولاه عنهم طيلة إقامتي عندهم لمدة عشرة أيام.
أيقنت أنهم ما زالوا خائفين ولا يأمنون جانبي فعدت للتأكيد المشوب بالتوسل أنني لا أبغي بهم شر مطلقا، وأن حقيبتي في المدرعة التي لا أعرف أين مكانهاحتى سلاحي ألقيت به بعيدا لأني....
أحجمت عن القول بأنني صبأت بكل ما تربيت عليه وقولت في يأس لن تفهموني......
صمت مريب يحتمل كل ما استقيته عنهم وما استقوه عنا، ولكن يبدو أن المسافة صفر أحدثت فيهم كما أحدثت في أو هكذا تبدى لي.
قطعت وصال الصمت وقلت بتوسل: أرجوكم لا تخذلوني.
فقبلوا متحفظين، وجلين، أخذوا ينظرون إلي بريبة وعيونهم بها الكثير من الحزن على ابنهما الشاب ذو الثمانية عشرة عاماوالذي توفي في الحرب، والكثير من الخوف من تبعات حلولي بينهم وعدم قدرتهم على تقبلي وأنا من العدو الذي فقدوا ابنهما بباروده، ولكن لا يوجد في ملامحهم انكسار بل إصرار وتحدي لكل شيء حتى للظروف العصيبة التي يحيون فيه.
همس صاحب البيت لزوجته وأبنائه الأربعة بكلمات لم أفهمها بالطبع ولكن فهمت من تعاملهم معي تلطفهم المحتسب وبقاء الارتياب مشتعل الجوانح في عيونهم، دعوني للإفطار معهم، جلست معهم حول مائدة الطعام اللاثريد، طبقان صغيران من الفول مع رغيف صغير لكل فرد من الخبز صنعته سيدة المنزل، كنت جائعة أكلت بنهم شديد ولو أنهم أعطوني ثلاثة أرغفة أخرى لأكلتها حتى أشبع ولكنهم يقتصدون في كل شيء، وبعد الإفطار أتت لي بملابس كاملة من ملابسها وأدخلتني الحمام وباستخدام لغة الإشارة طلبت مني الاستحمام بخمسة لترات من الماء فقطوالذي يأتون به من أماكن بعيدة وعلموني كيفية الاستحمام بهذه الكمية القليلة من الماء، وهم لا يتحممون أكثر من مرة في الأسبوع في هذا الجو الحار نظرا لندرة الماء، وعلمتني سيدة المنزل أن أذيب بعض الملح في الماء صباحا ثم غسل مناطق التعرق الشهيرة في الجسم حتى لا أصاب بمرض ما في ظل ندرة المطهرات التي تحتاجها النساء خاصة ونضوب المستشفيات، وأشياء أخرى كثيرة بها يتغلبون على ظروفهم السيئة، بالفعل الحاجة أم الاختراع وهم أبهروني.
بعد الحموم نمت تسع ساعات متصلة، واستيقظت هادئة ودبيب الراحة يعمل في جسدي، أتلفت حولي فلم أجد أحدا، خرجت من الحجرة فلم أجد سوى صاحب البيت وزوجته، سألتهما عن الأبناء قال لي: أن أخاه جاء وأخذهم عنده، أيقنت حجم الخوف الذي يعانونه مني.
مازالت نظرات الارتياب دفاقة تجاهي، لا يأمنون جانبي وهذا ما دفعهم لاستبعاد أبنائهم، وهذا آلمني كثيرا أن الهوة بيننا واسعة إلى هذا الحد، ثم دعتني سيدة المنزل الصموتة ذات النظرات البواحة للغذاء وكان عبارة عن بطاطس مهروسة مع قليل من الملح وشرائح الفلفل الأخضر دون خبز أو أرز، أكلت دون بلوغ الشبع وهما مثلي بالطبع، ثم قام صاحب البيت وعمل شاي أحمر مغلي بملعقة سكر واحدة في كل كوب وهذا هو المسموح به فقط، كوب واحد يوميا.
جلسا أمامي بنظراتهما الثاقبة لي، هما يؤديان الصلوات كاملة، أحدهما يقوم ليصلي ويبقى الآخر مراقبا لي طول الوقت حتى إذا انتهى قام الآخر ليصلي، المهم ألا يتركاني وحدي فارتيابهما بي لا تخطئه العين، أما أنا برغم أنني أترقب المجهول وبرغم خلو جعبتي من أي خطط بشأن ما أنا فيه ولكنني أنعم بسلام نفسي لا حد له ولا حدود، هذا البيت له روح أضفت علي حالة من السكينة والاطمئنان لا مثيل لها، للأماكن روح كما البشر، والبيت بقاطنيه وهذه الأسرة منحتني ما لم تستطع دولتي أن تمنحني إياه، فقط ارتيابهم بي هو ما يصيبني بوخز في صدري، وشرخا في سويداء قلبي، فكيف أذيب هذا الحاجز بيني وبينهم، تبا لصناعه، كم استقيت من تعاليم مثل إقتلوهم بلا رحمة والأطفال أكثر من الكبار لأن هؤلاء هم محاربينا في المستقبل.
ما يخرج من القلب يدخل القلب سريعا بوصلات ناقلة شفيفة وأنا على يقيت أن مابي سيصلهم وسنذيب معا الحاجز الذي اصطنع على عين الشيطان وأوليائه، بدأت أنا بالكلام عن نفسي بحميمية تجاههم، أنا المحبة لتواجدي بينهم لدرجة توقف تفكيري عما ما ينبغي أن أفعله فيما بعد، بل أنا أرغب ولو توقف الزمن عند تلك الأيام فلا يتقدم ولا يتبدل ولا يتغير، الحب لغة عالمية لا تحتاج إلى تلقين أو تدريب وأنا أحببتهم وأحببت هذا البيت، بعد أن ذقت معهم حميمية الجوع وألق الخوف ودفيء الظروف الصعبة التي تورث توحد المشاعر، وكانوا بحق أحرص علي مني على نفسي، استشعرت ذلك قبل البوح الصريح.
أنا أعمل في أحد البنوك، درست إدارة أعمال وأنتما كما أرى أنكما على درجة غير قليلة من التعلم أيضا؟
قال الزوج: أنا مدرس رياضيات تخرجت من جامعة عين شمس بمصر ثم يشير بيده إلى زوجته ويقول: وزوجتي أخصائية اجتماعية، نعمل في مدرسة واحدة وكما تعلمين كل شيء متوقف الآن.
وكيف تعيشان وأبنائكما؟
عندي تروسيكل أقوم بتوزيع عليه ما يتاح لي، أو أنقل عليه ما يطلب مني نظير أموال زهيدة، هي ما لدى الغزاويين الآن.
شكرتهم على حسن الضيافة التي فرضتها عليهم وحرصت على الحميمية في التعامل بيني وبينهما، وبدأت أقوم بمساعدة سيدة المنزل وأفعل مالم أفعله في حياتي، شيئا فشيئا بدأ الجليد في الذوبان رغما عن كل المتآمرين والمزيفين والذين يتقيئون الكذب الصراح بلا خجل.
فهذا البيت بطراز حديث ولكن لا يمكن لصاحبته استعمال غسالتها الأوتوماتيك نظرا لانقطاع الكهرباء شبه الدائم والماء الذي يخرج صاحب البيت وأبنائه لمليء القليل الذي يكفيهم بالكاد مع أخذ الكثير من الاحتياطات، فغسلت ملابسي بيدي كما يفعلون وقمت بتنظيف البيت معهم، وإعداد طعامهم اللاثريد معهم، سريعا ذاب الجليد وسقطت الحواجز التي اصطنعها شياطين الإنس والجنوصدقوا حميميتي تجاههم وانقشع الارتياب في خلال يومين وأتوا بعدها بأبنائهم ليعيشوا بالبيت، كنت أعيش الخوف مثلهم عند سماع دوي طلقات الرصاص.
استشعرت كل ما يشعرون به وعشت ظروفهم بكل قسوتها وشاركتهم أعمالهم المنزلية بطريقة بدائية تماما، فسيدة هذا البيت تصنع الصابون من الزيت المتبقي من القلي وهذا الصابون يستخدمونه في كل شيء فليس لديهم رفاهية لما هو أكثر من ذلك، على ردائته ولكنه يحقق المأمول، ولديها بوتجاز حديث ولكن لا يمكنهم استخدامه نظرا لعدم وجود أنابيب الغاز، فقاموا بصنع فرن بدائي في شرفة البيت ويقوم أطفالها وزوجها في غدوهم ورواحهم بالإتيان ببقايا الخشب من البيوت المهدمة والاحتفاظ بها لحين استخدامه، هي تبتدع من أقل الإمكانات ما يمكنهم أن يأكلوه، هي تصنع الخبز بالبيت لتوقف المخابز، وأنا معها أفعل ما تفعل أقوم بتقطيع كرات العجين وفردها وتسويتها في فرنها بالشرفة، وفي المساء تصنع فطيرة صغيرة قطرها خمسة عشر سنتيمترات محشوة بالعجوة ليحصل كل من بالبيت على شريحة صغيرة في العشاء، كان البيت كخلية نحل وهم سريعي التأقلم مع ما استجد عليهم والذي تسببنا فيه، ذابت الفواصل التي كانت توجعني وتواشجنا بحب حقيقي محا كل ما تربيت عليه، كلما تفكرت في أمري وأنني لابد أن أخرج من هذا البيت حتى لا أتسبب لهم في أذى من نوع ما، تألمت وشاب سلامي النفسي الذي غاب عني كثيرا كدر لا يعلم مداه إلا الله، حتى مفرداتي أثروا فيها فلم أعد أقول ياهوه وإنما الله.
هم مسلمون متدينون، صاحب البيت وزوجته يستيقظان قبل الفجر بساعة تقريبا ليقيما الليل وبعد صلاة الفجر يتشاركون في صنع أرغفة تكفي يومين مع التسبيح لله لدرجة أنني حفظت تسبيحهم.
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده عدد ما كان وما هو كائن وما سيكون إلى يوم الدين.
بينما هم يعظمون الله دائما وأبدا تذكرت بعضا مما أتلوه في صلواتي كأن أقول:
أفق يارب من غفلتك فقد أخزيتنا أمام الأمم الأخرى، لكم شعرت بالخجل من نفسي.
مازلت مبهورة بفعلهم، تقوم سيدة المنزل بصهر الشمع وصبه في علبتين للكانز بعد نزع الثغر وتضع في منتصفها فتلة دبارة سميكة ليتجمد الشمع ويصبح ممسكا بهذا الفتيل وفي المساء يقومون بوضع واحدة بالحمام والأخرى في منتصف البيت ليستظل الكل بنورها.
هذه الكيانات وريثة هم قضيتهم وعدالتها التي يحاولون طمسهالكي تموت، هكذا أيقنت ومن هذه القناعة ذات مساء ونحن جالسون معا نرقب ما يحدث بالخارج سألت صاحب البيت سؤالا فارقا في حياتي:
ماذا ستفعلون بنا عندما تستردون أرضكم؟
فقال بنفس الهدوء والثقة:
كما فعلنا بك عندما لوذت بنا وقت الخطر وأنت من الجيش الذي قتل ابننا.
بكيت وانحنيت بكليتي أقبل يديه بينما هو ينتزعها مني.
تبكي وهي تقول ما كل هذا النبل؟!
ثم تستطرد
لم أعد جندية في الجيش ولا أصلح وإنما إنسانة تشعر بما يشعرون به ومما زكى ونمى هذا الشعور عندي عندما سمعت طلقات الرصاص تقترب منا آثرت أن أخرج من عندهم كي لا أسبب لهم المشاكل فأبوا قائلين "أنت الآن منا ولن نتركك للهلاك" ولم يتركوني إلا عندما اطمأنوا إلى أشخاص ثقات ساعدوني حتى عدت إلى البيت، ولكني الآن نقيض لما كنت عليه قبل إقامتي بينهم والتي زرعت في يقين أنني نشأت وعشت في مروج الكذب والزيف المصطنع بغير حنكة من كيانات تظن أنها من الحصانة والمنعة ما يجعلها في مأمن من مقارعتهم بالحجة، سقطت هالة الكذب الصراح وسقط معها ذوي الكروش المنتفخة وذوي الجيوب المنتفخة، وذوي الوجوه البلاستيكية، والكيانات المستنسخة وكل إبداعهم الأشر، وكل من يقبر في نفسه مآرب أخرى لا يفصح عنها.
بعد أن نشأت على حقيقة دامغة، ألا وهي إما نحن وإما هم، بينما أنا عشت معهم، أنا وهم، أصبح لدي قناعة أننا سنعيش نحن وهم رغم ديباجات الشياطين في كل مكان، نحن تعني الصالحون، مسيا الذي يأتي سيرا فوق جثث الضحايا لا أريده، ياهوه ليس بحاجة لفعل الشياطين.
ذات مرة سألتهم لماذا قبلتوني بينكم وأنا من الجيش الذي ينكل بكم؟
قال لي: "وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ"
ولكني لم أسمع كلام الله.
كل ما نفعله هو من كلام الله وتعاليمه.
الآن لا أستطيع العيش هنا، هذه فلسطين وفقط، سأغادر إلى أي مكان آخر، أحب وأتزوج وأنجب أطفالا أعلمهم الحب بكل أشكاله، وقد أعود إلى هذه الأرض مع أطفالي لزيارة تلك العائلة التي أعادة صياغتي من حيث لا تدري، طوفان نوح كان فارقا في حياة البشرية، وطوفان الأقصى كذلك، الذي فجره ياهوه بيد أصحاب الأرض الحقيقيين ليعيد الحق لأصحابه، ليصوب ما فعله جدي الأوكراني، طوفان سيغرق كل أشر كما طوفان نوح، لم أعد قابلة للحياة على هذه البقعة من الأرض بعد أن بثت في هذه العائلة كل صنوف الرقي والإنسانية التي كنت أجهلها قبل المجيء إليهم، علموني كيف أكون إنسان، علموني كيف أحب الآخر، مهما تشنج المتآمرون وانتفخت عروقهم وهم يفصحون عن خبث خبيئتهم، والدنس القابع في طويتهم. مهما امتلكوا من مقومات تؤيد باطلهم.