محمد مزيد - معنى الحياة...

أعرف رساما ، كان ينام جائعا في ايام الحصار ، لم يشارك في مهزلة رسم " الرئيس " عاش طوال حياته على الكفاف، عفيف النفس، ذا كبرياء عال. الرسام في هذه الايام ، صار يرسم اي شيء ليتجسد الى حقيقة واقعة ، مثلا رسم دجاجة ، فخرجت من الكنفاس ( قماش اللوحة ) لتقأقئ، شواها لاطفال اخيه الأسير، رسم بقرة ، فخرجت له من القماش بقرة فاقع لونها بين الابيض والاسود والاصفر ، ربطها في الحديقة كي يشرب اطفال اخيه الثلاثة من حليبها ، الرسام الذي اعرفه لايحب العنف، جاء لصوص الليل ، فسرقوا البقرة ، لم يحزن ولم يصرخ على الجيران الذي لابد كان قد تواطأ احدهم مع اللصوص لسرقتها ، في صباح اليوم التالي رسم بندقية فيها منظار حراري يكشف اللصوص على بعد خمسين مترا ونصبها على السطح لترسل له اشعتها وهو جالس في مرسمه التي هي غرفته ، واخذ يرسم بقرات ثلاث فملأ حديقة داره بها ، ولما جاء اللصوص في الليل ، اكتشفوا ان عدسة البندقية توجه لهم اشعتها الليزرية ، فتراجعوا .. وفي اليوم التالي ، فوجئ الناس بوجود البقرات الثلاث في مكانها وتجمعوا لمعرفة سبب عزوف اللصوص عن سرقته كما فعلوا بالامس ، وقالوا له انهم يعتقدون بانه يمتلك نورا من السماء .. اخبرهم انه مجرد رسام لاشأن له بالغموض والاسرار السماوية، .. وقعوا عند قدميه، وتوسلوا وتباركوا به وطالبوه ان يرسم لهم حاجيات ما تنقص اليه بيوتهم من اثاث بسبب بيعها في ايام الحصار، وبعضهم طالبه ان يرسم له دجاجة بياضة واخرون طالبوه ان يرسم لهم ورقة واحدة من فئة المئة دولار الخضراء ، فيما وقف احد الشبان ، وبعد ان انصرف كل الناس عنه، طلب منه ان يرسم له امرأة جميلة لكي يتزوجها ويستريح من ليالي فقدان الحنين ..ضحك الرسام بانطلاق ، هو نفسه يريد امرأة تدفئ له لياليه الحزينة وتعوض له الحنين المفقود ، بعد زواج حبيبته ذات يوم من قبل ضابط صغير السن كانت لديه سيارة برازيلي ، وبينما هو يقلب بالاصباغ ويعبث باقمشة اللوحات في مرسمه ، كانت ثمة لوحة غير مكتملة ، لوجه فتاة جميلة، أطلت برأسها من اللوحة وقالت له لم لا تكمل بقية اجزاء جسدي لاكون ملكك الى الابد، رمى الرسام الفرشاة ، وبعثر اللوحات ، لابد ان ما قاله الناس عنه بارتباطه بقوى في السماء قد يكون صحيحا.
الى هنا ، القصة التي تقرأونها الان عن الرسام ، دخلت في مشاغل تخييلية، وبسبب انفعال الرسام على حبيبته التي غدرت به لتتزوج من ضابط احمق بليد ، مزق اللوحة ، وقال لنفسه " وداعا للحب " المهم عندي اولاد اخي الاسير، اريدهم ان يشبعوا من الحليب، ويلبسوا احسن الملابس ، فرسم لهم ملابس جديدة، كما لو انها من ارقى محلات سان جيرمان الفرنسية ، ورسم لزوجة اخيه ملابس حلوة ايضا .. وعندما خرج الى عتبة البيت ، وجد الناس تتجمهر يتدافعون كل واحد منه يطلب منه ما رغب ان يرسمه لهم .. فرسم الدجاج واخذ يوزعه عليهم ، ورسم الاثاث وقام بتوزيعه عليهم .. ورسم فتاة جميلة ساحرة فاخذها الشاب وتزوجها ، ولما انفضوا فرحين ، بقي هناك شيخ كبير السن ينظر اليه، بمودة وحب ، اقترب منه وطلب منه طلبا غريبا" لم لا ترسم لي معنى الحياة يا ولدي ؟ " .. ضحك الرسام ، رمى فرشاته ، واوراقه ، واصباغه .. في الفضاء ، وخرج من البيت وهو يضحك من عقل الرجل كبير السن الذي كان يريده ان يرسم له معنى الحياة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...