محمد جبر حسن - من ألف ليلة...

في كل مرة عندما كنت ألوذ في حضن أمي، تعرف هي بنباهتها ما أريد، وكأن قلبها مرآة تعكس همومي الصغيرة، تضع يدها على رأسي وتمسد شعري بحنية، فأشعر وكأن أصابعها تزرع أمانًا لا ينمو في غير هذا المكان، ثم تبدأ بسرد الحكايات، تلك الحكايات التي لو خطّتها يد كاتب لفاقت في سحرها ألف ليلة وليلة، لكنها تبقى حبيسة صوتها الحنون، كأنما خُلقت لتُسمع لا لتُقرأ.
في هذه الليلة حكت لي أمي عن والدها الفلاح، ذلك الرجل الذي لم أرَهُ يومًا، لكن سيرته تسكن جدران البيت وكأنها وشم لا يزول، قالت وهي تحدق في نقطة بعيدة لا أعرفها:
كان أبي في فترة العشرينات من ذاك الزمن- القرن الماضي- يعمل فلاحًا حاله حال الرجال الذين نبتوا مع الطين، يتصبب العرق من جباههم وهم يعملون في تلك الأرض، الأرض التي لا تزال رائحتها تحت أظافره حتى وهو في قبره، الأرض التي امتزج طينها بدماء الفلاحين الذين كانوا يزرعونها كما يزرعون أبناءهم.
تسكت أمي قليلًا ثم تعود، وكأن الذكرى تسحبها من بين يديّ:
أبي الذي اعرفه كان يعتز بثلاثة أشياء كأنهن جزء من روحه، المنجل والمسحاة والفالة، ثلاث بنات لم تنجبهن جدتي ولكنهن عاشرن يده أكثر مما كان يعانق وجوهنا، لكل واحدة منهن حكاية لا تشبه الأخرى، كأنهن شخصيات في حكاية قديمة لا تنتهي فصولها.
ترتخي يد أمي قليلًا، كأنما انكسر شيء في صوتها وهي تكمل:
المسحاة لتقليب الأرض وزرعها، والمنجل للحصاد، والفالة لصيد السمك.. آه.. كم كان طعم ذلك السمك مختلفًا، كنا نشعر أن نكهته ليست في لحمه، بل في اليد التي اصطادته.
ثم ضحكت ضحكة خفيفة وقالت:
جدك كان يستخدم المنجل أحيانًا للدفاع عن نفسه من الخنازير المتوحشة التي كانت تظهر قرب الأهوار، كانت الخنازير تعرف أن الرجال هناك لا يحملون بنادق، لكنهم يحملون قلوبًا لا تخاف.
لكنها سرعان ما تعود إلى وجهها الجدي:
في يوم من الأيام أرادت ثلة من جنود الإنكليز الاعتداء على ابنة أحد الشيوخ، وكما تعرف، لم يكن أحد يجرؤ على الاقتراب من بنات الشيوخ، حينها تصدى جدك والرجال لهم وحدثت معركة، كانت الأرض يومها تشرب الدماء بدل الماء، اختفت فالة جدك في تلك المعركة، ومعها فالات إخوته وأبناء عمومته، مات الكثير منهم، ورغم ذلك لم يحزن جدك على الفالة.. كان يقول دائمًا: أنا أعرف مصير فالتي وأين استقرت.
تأخذ أمي نفسًا عميقًا ثم تكمل وكأنها تستعيد حكاية أخرى:
أما المسحاة.. فهي تحمل ذكرى أُخرى لا تقل حزنًا، في بداية الأربعينات انكسرت مسحاة جدك عندما كان يردم حافات الشطوط التي فاضت بعدما انهارت السدود، رأيت كيف كانت يده تمتد كأنه يود لو يوقف الماء بيديه، لكن الماء لم يكن يسمع دعاءه.. ماتت الزروع وغرقت المواشي، حتى دجاجات جدتك، لم تبقَ سوى الأرض عارية كما لو أن الفيض غسّلها من جذورها..
تسكت للحظة ثم تبتسم ابتسامة غريبة لا أستطيع فك شيفرتها:
لكن المنجل.. آه، ذاك المنجل لم يخذلنا يومًا.. عندما مات جدك و كبر خالك وقرر أن يترك الأرض ويرحل إلى بغداد، لم يأخذ شيئًا سوى ذلك المنجل، كان يقول إنه يحمل رائحة يد أبي..
لم تمضِ إلّا سنوات قليلة حتى ثار الجيش وقُتل المَلك واستلم العسكر أُمور البلاد، عندها اخرج خالك المنجل وظل يهتف به في المظاهرات المؤيدة لحركة الجيش، لكن الاجهزة الأمنية القت القبض على خالك وصادرت منه المنجل خوفاً أن يحصد رقاب الناس.. حسبما قالوا.

انتهت.


من المجموعة القصصية
الساعة الثانية بعد منتصف القلق
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...