شريف محيي الدين إبراهيم - المعلم هارون...

يا صديقي كونك مهندس، أو طبيب ، أو حتى كاتب كبير، فإن هذا لا يعطيك الحق بأن تصب جام غضبك على المعلم هارون!!
أنت تعلمت ووصلت لأعلى الدرجات العلمية، سهرت وتعبت، وتعب معك أهلك، حتى تصل إلى مكانتك تلك العلمية، أو الوظيفية.
أعلم ذلك، وأعلم أيضا أن ما تحصل عليه من دخل شهري، أقل حتى من ما يتحصله المعلم هارون في يوم واحد، من أرباح تجارته، أو شغله في العقارات والسمسرة.
أعلم كل هذا، ولكنها ليست مشكلة المعلم هارون...
صدقني إنها مشكلتك أنت وحدك!
***

هذا رجل ضلالي...
هكذا قال والدي الأستاذ توفيق المحامي ، إلا أن أمي أبلة عنايات مدرسة الثانوي، قالت له :
ما يسري عليك يسري على الجميع.
توفيق : الكل يخافه، ويخشي بطش رجاله.
أبلة عنايات : هناك عقد بيننا وبينه لماذا لا يلتزم بالقانون؟
توفيق : هو لا يلتزم سوي بقانونه، هو، ويفرضه على الجميع.
عنايات : كل سكان الشقق قبلوا بالزيادة
ماعداك أنت.
توفيق : أنا لن أرضخ له حتى لو وقفت في وجهه وحدي.
***
وضع المعلم هارون ما معه من حلوى في صينية المسجد.
بعد صلاة المغرب كنا لا نغادر المسجد ،نبقى إلى ما بعد صلاة العشاء، بينما هو يجلس معنا، وشيخ الجامع يقرأ أدعية وأذكار نرددها معه ثم يعطي كل واحد منا قطعة حلوى كبيرة،تشجيعا للصبية على حضورهم جميع الصلوات.
يمتلك المعلم هارون الكثير من العقارات ،والمحلات في حينا الشعبي، وهو الذي تبرع بالدور الأرضي من عمارته لجعله مسجدا كبيرا، يتجمع فيه كل سكان الحي لأداء صلواتهم.
قال لي جدي المهندس عبدالتواب:
إنه في الأصل مجرد فلاح معدم من إحدي قري محافظات مصر ،كان يبيع البيض والجبن، والسمنة الفلاحي، يحمل بضاعته في قفة كبيرة فوق رأسه يدور بها في الشوارع.
ثم صمت قليلا وكأنه يتحرج من قول شيئا ما، غير أنه أردف بعد قليل في تعجب : سبحان مغير الأحوال!!
***
اشتكاه أبي ، إلى محمد بك جارنا ومأمور قسم حينا، قال له : إن المعلم هارون ورجاله يعترضون طريقه، مطالبينه برفع قيمة الإيجار.
إلا أن محمد بك أخبره أنه شخصيا دفع تلك الزيادة، و طلب عقد جلسة ودية معه.
تجمعنا في بيت جدي،المهندس عبدالتواب..... المعلم هارون، ومحمد بك ، وأبي ، وبعض من جيراننا المقربين.
عندما تدخلت في الحديث، نظر إلى أبي معاتبا، نظرا لحداثة سني، إلا أن المعلم هارون أصر أن يعطيني فرصة للحديث، قال لأبي: لابد أن نستمع إليه،حداثة سنه لا تمنعه أن يتحدث ،ولا تجعلنا نحجر على رأيه، ونستخف به، إن أولادنا لديهم فطرة سليمة ورؤية جديدة ربما نحن لا نراها، وهم أدري منا في أمور كثيرة...
هم أبناء عصرهم.
تعجبت من طريقة تفكيره،بدا لي أنه متفتح الفكر ، يستمع إلى الصغير قبل الكبير، ويتفاعل مع كل الأعمار السنية.
إن مظهره في جلابيته البلدي، وتلك الكوفيه الصوف الكبيرة لا يوحي بهذا على الإطلاق،
أولاده تلقوا تعليما عاليا ، منهم المهندس، والطبيب، والمدرسة.
زوجته سيدة ،جميلة ،رشيقة ، ترتدي ملابس حديثة، يبدو من مظهرها أنها على قدر كبير من التعليم، ، وهو لم يجلس يوما واحدا على مقعد في مدرسة أو حتى على حصيرة كتاب.
هو بالكاد يفك الخط!!
أوضح المعلم هارون موقفه، قال :
إن ما يطلبه من زيادة هو عين العدل، وأن أسعار كل السلع قد ارتفعت، وقيمة الجنيه الآن تقل كثيرا عن قيمته زمن كتابة العقد.
قال أبي في حدة : أنا ملتزم ببنود العقد المبرم منذ عدة سنوات.
إلا أن محمد بك طلب من أبي شراء ود المعلم هارون.
وهمس جدي المهندس عبدالتواب في أذن أبي : أنت ليس لك قبل بالمعلم هارون،أو رجاله، هذا رجل مفتري، خاف على ابنك، و زوجتك.
و قالت أمي أبلة عنايات، في عفوية : يمكننا أن نصل إلى حل وسط، يرضى الجميع
***
قال الناس في الحي من أين له بكل هذه الأموال؟!
أشاعوا أنه يتاجر في المخدرات....
وعندما يتحدث أحد الأشخاص مستنكرا كل هذه التهم الملقاة على عاتق الرجل، كان يقابل بتهكم شديد، حتى المسجد الذي تبرع به قالوا أنه ليس خالصا لوجه الله ، و أنه فعل ذلك بغرض المنفعة، كي يعفي العقار كله من الضرائب.
***

بعد مرور سنوات طويلة....
، وبعد أن غادرت المنطقة وسكنت في حي آخر، رأيته في المنام، وهو يوزع الحلوى على كل سكان المنطقة.
كان يرتدي جلبابا أنيقا، واسعا جميلا ، ووجهه يشع بنور عجيب.
وعندما أعطاني قطعة حلوى هممت أن أصافحة إلا أنه أشار إلى مودعا.
عندما أستيقظت كان طعم الحلوى الجميل لازال في فمي، طعم رائع لم أتذوقه من قبل طيلة حياتي.
عاد بي الزمن، وتذكرت كيف كان يفتح المسجد، ويؤذن لكل الصلاوات على مدار حياته كلها، إلا فيما ندر.
وتذكرت ما كان يشاع عنه، وكيف أن
مستأجرو شققه من المتعثرين، كثيرا ما كان يتنازل لهم عن جزء كبير من الإيجار مساعدة منه لهم.
***
بعد عدة أيام ذهبت إلى بيتي القديم في الحي الشعبي.
سمعت الآذان ولكن بصوت آخر لا أعرفه،
سألت عن المعلم هارون ، إلا أنهم قالوا لي إنه قد توفي...
وعلمت أنه مات في فجر نفس اليوم الذي رأيته فيه وهو يوزع الحلوى على كل سكان الحي !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...