د. محمد الهادي الطاهري - إبراهيم والكنز

مات إبراهيم وهو يعتقد جازما أنّ الكنز الكبير الذي عثر عليه في جرّة ملقاة في ركن من أركان متجره الصغير ولم يُفلح أحد من تجّار الآثار والمهرّبين في شرائه منه سيكون مفتاح السعادة لأبنائه من بعده. مات إبراهيم إذن وظلّ الكنز مرميّا في جرّته بعيدا عن العيون. ولمن لا يعرف إبراهيم فهو يا سادتي الأخ الأكبر لستّ بنات تزوّجن كلّهن رغم اعتراضه الشديد على الرجال الذين تقدّموا لخطبتهنّ، ولكنّ أباه رحمه اللّه كان رجلا يؤمن بالقسمة والنصيب ويعتقد أنّ لكلّ واحدة من بناته نصيبا قسمه الله لها فلا يحقّ له أن يعترض على شابّ جاء لخطبة هذه البنت أو تلك لأنّه في اعتقاده مبعوث من السماء إليها. أمّا إبراهيم فكان يعتقد أنّ للذكور فضلا على الإناث وأنّ للكبير سلطانا على الصغير، ولعلّ ذلك ما جعله يرضخ لما رآه الأب في تزويج بناته وأقنع نفسه بأن الرأي في النهاية للكبير وهو قياسا إلى الأب صغير فلا يجوز له أن يعترض البتّة. وبزواج أخواته لم يبق في المنزل رفقة أمّه وأبيه سواه. ورأت أمّه بعد خلوّ الدار من البنات أن تزوّجه لتكون لها في البيت بنت بدل بناتها تؤنسها و تملأ عليها الفراغ الحاصل بعد خروج البنات إلى منازلهنّ الجديدة. لم يكن إبراهيم يصنع في حياته شيئا، وكان أقصى جهد يبذله هو أن يقف مع أبيه في المتجر الصغير يمدّ له بين الفينة والأخرى يد المساعدة. وكان أبوه يمنعه من الاطلاع على خزينة المتجر خوفا عليه من غواية الشيطان، فقد تستهويه الدنانير المطروحة في الخزينة وتمتدّ يده إليها فيختلس منها ما يختلس وينفقه في ما لا ينفع. وعلى هذا النحو نشأ إبراهيم، فلمّا صارت له زوجة عرضت أمّه على أبيه أن يشركه معه في المتجر، ورأت أن يشارك أباه بقوّة عمله على أن يكون له الثّلث من المرابيح، فرضي الأب بذلك وصار إبراهيم بين عشيّة وضحاها زوجا وشريكا لأبيه في المتجر الصغير، ولكنّ ذلك لا يعني أنّه كان مسؤولا على زوجته وأبنائه، فقد كان الأب ينفق من ماله على زوجة ابنه وعلى أحفاده المتكاثرين عاما بعد عام، وكان إبراهيم على ما يقول يجلس في المتجر بين صلاتي المغرب والعشاء، وكان من فرط كسله لا يقوم للحريف إذا جاء متجره، وكان يدعوه أن يقضي حاجته بيده وأن يرمي ثمن ما أخذ في درج أخضر. فإذا انتهت صلاة العشاء ورأى أباه يعود من الجامع ترك المتجر ومضى في سبيل حاله. وكان الأب يدخل المتجر ويتفقّد الدرج فلا يجد فيه شيئا غير كجّات صفراء وخضراء فيأخذها فيرميها في جرّة صغيرة ظنّا منه أن ولده إبراهيم يلهو بها في غيابه. وكان يقول لإبراهيم: نصيبك محفوظ في الجرّة يا ولدي، فلا تمدّ يدك عليه ما دمت حيّا. فيقول له: أعدك بذلك. وكان أبوه يشكّ في ذلك ولكنّه لم يعمل على قطع الشكّ باليقين فظلّ ينفق على الأحفاد بسخاء وظل يكرم كنّته حتّى جاءه الأجل. وبموت الأب وتقاسم الورثة تركته لم يجد إبراهيم من ميراث أبيه شيئا كبيرا ولم ينل منه ما كان يمنّي به نفسه، فقد تبيّن أن المنزل الذي كانوا به ينزلون ملك يشترك فيه الأب الراحل مع إخوة له يقيمون بالعاصمة منذ أيّام الاستقلال الأولى، وأنّ عائدات المتجر أنفقت على أمّه وزوجته وأحفاده وأنّ الصندوق الكبير الذي كان يراه محكم الأقفال لم يكن به شيء سوى عقود منها عقد زواجه من كريمة وعقد زواج أبيه من أمّه فاطمة، وعقود زواج أخواته الست ووثائق أخرى إداريّة ومدرسيّة، حتّى أنّه عثر فيها على بطاقات نتائجه في المدرسة الابتدائيّة أيّام كان تلميذا مجتهدا قبل أن يترك المدرسة باختياره اعتقادا منه أنّ ثروة أبيه تكفيه ليعيش طول حياته عيشا رغيدا. وتذكّر وهو يقلّب تلك الأوراق كيف كان أبوه يجبره على الذهاب إلى المدرسة ويسوقه إليها سوق الدوابّ إلى الحظيرة وكيف كان يتسلّل من المدرسة ويندسّ في سوق القرية الصغيرة بين الباعة وما يعرضونه من صنوف الخضر والغلال، وكيف كان يُمضي يومه هناك ولا يعود إلى المنزل إلاّ بعد خروج أقرانه من المدرسة.
لم يرث إبراهيم إذن من تركة أبيه شيئا ذا بال، ولولا رأفة أعمامه بأرملة أخيهم وأحفاده وكنّته لما وجد مسكنا يأوي إليه. رغم ذلك لم يكن إبراهيم يصدّق أنّه بات محسوبا من الفقراء والمساكين وكان يعتقد أنّ لأبيه كنزا من تجارته يخفيه. وكثيرا ما كانت كريمة زوجته تردّه عن هذه الفكرة وتحثّه على العمل في ما بقي له من المتجر ولكنّه لم يقتنع بما كانت تقوله، وكان يجمع أطفاله حوله ويحدّثهم كلّ ليلة عن كنزه المفقود ثمّ ينام وينامون فيحلم ويحلمون ويصبحون فإذا هم على ما كانوا عليه. وظلّ إبراهيم سنوات عديدة يملأ دماغه وأدمغة أطفاله بذلك الوهم حتّى بات عاجزا عن الخروج من المنزل إلاّ قليلا. كان يقضّي لياليه في الحديث عن كنزه المفقود وكان الأطفال ينصتون إليه ويأخذهم النوم فينامون حوله على غير نظام ثم يغلبه النوم فينام بينهم كما تنام الدجاجة بين فراخها. فإذا جاء الصباح تنهض كريمة وتقف في المتجر ويظل إبراهيم نائما فلا يستيقظ إلاّ بعد صلاة العصر، عندها تدخل كريمة إلى المنزل لتعدّ العشاء ويخرج هو لينوب عنها في المتجر بقيّة اليوم كما كان يفعل أيام أبيه. وكان أقصى ما يمكن أن يبذله من جهد أن يجلس خلف المصرف وأن يدخّن سيجارة بعد أخرى وأن يشرب الشاي كأسا بعد كأس وأن يقول لمن جاء من الزبائن "تفضّل زن لنفسك ما تريد وضع ثمنه هناك في ذلك الدرج الأخضر". وتفطّن الزبائن إلى ذلك فانقطعوا عن زيارة المتجر حين تكون كريمة فيه، فإذا جاء دور إبراهيم بعد صلاة العصر توافدوا عليه، وكانوا يزنون ويكيلون بأيديهم وكان إبراهيم يكتفي بتلاوة شيء من سورة المطفّفين وكانوا يخرجون ولا يضعون في الدرج الأخضر شيئا من أثمان ما ابتاعوه. ولكنّ إبراهيم كان يسمع رنينا في الدرج كرنين النقود فيقول بصوت مسموع: "قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها" و كان الزبائن في الحقيقة يرمون في الدرج الأخضر كُجّات بدل النقود، وكانت الكجّات متنوّعة الأحجام والألوان، فإذا مضت صلاة العشاء واستعدّ إبراهيم لغلق المتجر وفتح الدرج الأخضر ليرى محاصيله بدت له الكجّات تحت ضوء المصباح برّاقة لمّاعة فيحسبها إبراهيم لؤلؤا أو زمرّدا فيحمد الله على النعمة ويقفل المتجر ويدخل المنزل وفي رأسه كنز عظيم. وكانت كريمة إذا جاءت المتجر صباحا تجد الدرج الأخضر يعجّ بالكجّات فتقول في نفسها: "هداك الله يا إبراهيم أمازلت كما عهدتك منذ الطفولة تهوى اللعب بالكجّات في ساحة المدرسة وتحت سورها وفي كلّ زقاق تمرّ به". ثم تسحب الكجّات من الدرج وتضعها في جرّة من الجرار الفارغة وتظلّ تنتظر زبائنها ولكنّهم لا يأتون. وتوالت الأيّام على هذا النحو حتّى فرغ المتجر من كلّ سلعة وامتلأت الجرّة بكل أنواع الكجّات.
ماذا ستفعل يا إبراهيم اليوم؟ متجرك بات فارغا، وكريمة زوجتك ترفض أن تخرج للعمل في منازل الأغنياء، وأطفالك مازالوا في سنّ المدارس لا يقدرون على عمل، وأنت؟ نعم، أنت تمتلك كنزا عظيما. هذه الجرّة المملوءة تنتظر أن تفتحها وتخرج ما فيها. يوم واحد وتصبح أغنى الأغنياء. ولكن، هل تثق في أحد تعرض عليه جرّتك؟ لا بأس. يفتحها الله. ومن الغد بادر إبراهيم إلى الجرّة فكسّرها وطرح ما فيها في قصعة كبيرة اعتادت كريمة أن تغسل فيها الثياب، وتعوّم فيها الأطفال، وتصنع فيها الكسكسي والمحمّصة. ها هي القصعة اليوم تمور بكجّات بعدما كانت تمور بالماء والصابون حينا وبالكسكسي والمحمّصة أحيانا. وها هو إبراهيم يعدّ كجّاته يحسبها الزمرّد والياقوت. وتذكّر أن كنزا كهذا لا ينفع حتّى يأتي بمطلسم ماهر يحسن التعاويذ الضرورية ليتحوّل الكنز من كنز بالقوّة إلى كنز بالفعل. وما عليه إذن إلاّ أن يبدأ رحلته في البحث عن مطلسم يملك التعويذة النافعة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...