فوز حمزة - أمي وذلك العشيق...

تلقاني السّمسار باستغراب قائلًا:
- لم أتوقعْ حضوركِ في الموعد. تعجبني المرأة المنضبطة!
قلت له وأنا ما أزال واقفة عند الباب بينما سحابة من قلق تكثفتْ بداخل رأسي:
- ليس لدي وقت، عليّ أنْ أعود إلى عملي بعد ساعة!
نهض بصورة مباغتة قائلًا:
- هيا إذن لنذهب، ونرى الشقة.
ثم نادى على الشاب، الذي كان ينظم أوراقًا أمامه أن ينتبه للمكتب في غيابه.
وهو يقود سيارته قال:
- لا أخفيكِ سرًا، كنتُ قلقًا من عدم حضوركِ، فتضيعين على نفسك شقة رائعة!
لم أردَّ عليه، فاستأنفَ حديثه وكأني غير موجودة:
- الناس في ازدياد، والأزمة تشتد والمباني كما هي، لا نعرف إلى ماذا ستؤول الأمور في الأعوام القادمة!
قلتُ وعيناي مصوبة على الطريق لأسجل في ذاكرتي خريطة الشارع في حال عودتي ثانية لوحدي:
- ما يهمني ألا يكون هناك كلاب، أو قطط، فأمي كما أخبرتك تعاني من فوبيا الحيوانات.
- لا تشغلي بالكِ بهذا الأمر، لقد تأكدتُ من خلو البناية من الحيوانات. للنساء أمورٌ غريبة!
هزّ رأسه وهو يقول جملته الأخيرة ثم ضحك ليصمت بعدها مستمعًا لأغنية في الرّاديو حتى وصلنا إلى شارع فرعي على جانبيه عمارات قديمة، ومحلات بقالة، وأخرى لبيع الألبسة، وثمة مقهى صغير عند الزاوية.
توقف أمام بناية لونها يميل إلى البني الفاتح، وشرفاتها صغيرة بعضها مليئة بأصص النباتات والزهور، والبعض الآخر تتدلى فيها حبال لنشر الغسيل.
قال وهو يشير إليّ بالنزول:
- للبناية بابان، الآخر يؤدي بك إلى حديقة الحي الخلفية. صدقيني، لولا أن مالكها صديقي لما عرفت بأمرها، متأكد أنها ستعجبكِ!
وأنا ما أزل واقفة أستطلع المكان، خرجتْ من باب البناية سيدة في أواسط الخمسينات من عمرها، تضع نظارات طبية، إطارها مذهب. توقفتْ قليلًا قبل قطعها الشارع منعطفة إلى اليمين.
شيء لا يشبه أي شيء هبط عليّ في تلك اللحظة، تولتني الدهشة واستبدتْ بي المفاجأة، امتلأ قلبي بضباب كثيف غطى عيني وكأني أقف بين الموت والحياة، تسّمرتُ في مكاني محدقة فيها حتى لاحظ السّمسار ذلك، فقال لي وهو يوزع نظراته بيني وبينها:
- هل تعرفين هذه السيدة؟!
أجبته في ذهول:
- تشبه امرأة أعرفها!
- على كل حال، جيرانكِ أُناس طيبون، كوني مطمئنة.
بكل ما أملك من دهشة بقيت أنظر إليها حتى غابتْ في زحمة الشارع.
شعرتُ بسريان الدم في أوصالي، وبتدفق العتمة من تلك الأوصال التي بدأتْ ترتعش من جلبة الأفكار المشتعلة بصمتٍ في رأسي. ها أنذا ثانية في مشهد ظننتُ أن سنوات من العلاج النفسي كافية لتسدل الستار عليه.
لم أسمع السّمسار وهو يدعوني للإسراع حتى انتبهت إليه وهو يغيب داخل البناية.
لاحظَ وأنا أتفقد الشقة بأني لم أكن على ما يرام، ظنَ أني لن أوافق، فبدأ يذكر محاسنها قائلًا:
- قد تكون حجرات النوم صغيرة قليلًا، لكن موقعها القريب من مركز المدينة يجعلها مميزة جدًا، لهذا هي مرتفعة الإيجار قليلًا، لا أنصحكَ بالتفكير طويلًا.
قاطعته وشعورٌ بالاضطراب يسيطر عليّ:
- جهز لي العقد بأقرب فرصة!
في نهاية الشهر انتقلنا إليها، كانت أمي هي الأسعد، بينما أختي الصغيرة عبّرتْ عن حزنها؛ لأنها تركت صديقاتها في الحي القديم وأكدتْ بما لا يقطع الشك، أن المدرسة الجديدة لن تنالَ رضاها أبدًا.
في زحمة العمل نسيت تلك السيدة حتى ظننتُ أن خيالات الماضي وكوابيسه ما زالتْ تلاحقني.
مر أسبوع قبل أن أصادفها ثانية عند باب المصعد. إذاً ما شاهدته لم يكن وهمًا. اقتربت منها بحرص ومع كل خطوة أشعر بثقل الكلمات على لساني.
بدأت أتفرس فيها قبل إلقاء السلام عليها. كنت أريد فرصة أخرى ألتقط فيها أنفاسي!
رحبتْ بيّ بحرارة قائلة: أنا أنتظرالفرصة المناسبة لأدعوكم إلى بيتي لشرب القهوة.
فكانت صبيحة الجمعة هو الموعد المقرر.
ابتسمتْ لي قبل أن تغيب داخل المصعد.
ما زال الجمال عالقًا بملامح وجهها برغم أنها بدتْ أكبر من عمرها. شيئان فيها أكدا ظنوني وجعلاني أقف على أرض راسخة، بريق عينيها الذي لم تطفئه السنين، ونبرة صوتها ما تزال ترن في أذني منذ آخر مرة سمعتها تتحدث.
كنت في الثامنة من عمري حين رأيتها من ثقب الباب عارية في أحضان صديق أبي، الذي كان يتردد علينا كثيرًا. كانت هذه المرة الأولى التي أعرف فيها ما يفعل رجل وامرأة على الفراش، هالني منظرهما فهربتُ إلى غرفتي. لا أتذكر ما حصل بعدها إلا أني حينما فتحتُ عينيَّ وجدت أبي جالسًا عند رأسي في المشفى داسًا يده المرتجفة بين خصلات شعري. حينما عدنا، لم نجدها في المنزل.
عند المساء، أخبرته بما رأيت، فخشيت فقدانه هو الآخر!
بقيت ذكرى المشهد الذي عجل بكهولتي راسية عند شواطئ ذاكرتي، ورؤيتها الآن سمحتْ للعواصف بالهبوب ثانية على تلك الشواطئ لتبعثر كل شيء.
أمسى أبي رجلًا آخر. حول البيت إلى سجن لا يسمح لي بالخروج منه إلا إلى المدرسة. لا يقبل كلمة من إنسان ويرفض استقبال الزائرين، متخبطًا في قراراته، لم يعد شيء يجمعني به سوى الخيبة!
أما أنا فقد حولني ثقب الباب إلى طفلة حكيمة كبرت قبل أوانها بينما سنواتها الأولى باتت باهتة كمريضة لا هي بالميتة، ولا هي بالمتشافية!
انتظرت يوم الجمعة، أعدُ الدقائق والثواني كي ألتقي امرأة جعلتني أتيقن أن الحياة لها عين واحدة. نهار ذلك اليوم كانت شمسه حامية أكثر مما ينبغي.
سألتني أمي ونحن واقفتان على بابها:
- سندعوها لزيارتنا في الجمعة القادمة، ما رأيك؟
هززتُ رأسي بصمت.
دخلتُ شقتها كغريق يبحث عن زورق نجاة وسط بحر مليء بأسماك القرش. أحضرت لنا السيدة ما وعدتنا به من فناجين القهوة مع قطع الكيك. وأنا أرتشف قهوتي سألتها عن الرجل المعلقة صورته على الحائط لأتخلص من الأفكار التي تدور في رأسي كدوران ريح في ليلة شتاء.
قالت دون أن تنظر إلى الصورة:
- إنه الرجل، الذي تركت العالم من أجله، لكنه...
قطعتْ حديثها بتنهيدة كأنها تذكرت شيئًا لا تريد منا معرفته.
وهي تودعنا عند الباب، حصل ما خشيت منه حين سألتني عن اسمي، تفرستْ في وجهي طويلًا حينما علمت أن اسمي سارة.
صوت أمي وهي تطلب منها ردّ الزيارة جعلها تتلعثم معلنة الموافقة بإشارة من رأسها، لكن ذلك لم يحصل، إذ لم نقابلها ثانية.
قد أخطئ في كل شيء، إلا في عبقها، كأنه أول لحظة عند فتح خزانة ثياب شتائية، ما زالتْ بقاياه عالقة في روحي.
مضتْ أيام عديدة أترقب رؤيتها صدفة دون جدوى، لكن أمي أخبرتني أن جارتنا ترقد في المشفى، وليس لديها أقارب، لهذا علينا القيام بالواجب قدر استطاعتنا.
ذهبتُ لزيارتها وحين رأيتها يعلو وجهها إصفرار الموت المتربص بجبروت جسدها، شعرت بمؤشر الميزان يقف عند المنتصف. سرعان ما أبعدتُ مشاعري المخجلة، التي صورتني كحديقة خاوية وقت الشتاء!
الكلمات ملأت صدري بعد علمي أنها مصابة بمرض عضال جعلها على موعد قريب مع الموت!
حزنها الأكبر أنها ستغادر الحياة وحيدة.
وهي تحدق بيّ قالت:
- كما نبذت الجميع نبذتني الحياة!
استغربت كيف أخبرتني بكل هذه الأشياء، لعله الموت الذي يحرص على قلب الصور، وتبدل الألوان!
جلست عند حافة السرير أراقب أنفاسها الضعيفة، أستعيد مع نفسي ذكريات ما زالتْ تهزني بينما الصّمت وحده يهذي!
الكلمات أنزوتْ بعيدًا تنتظر الحصاد.
أردت الهرب، وتركها وحيدة ثأرًا لطفولتي، لكن منظر الأسلاك المحيطة بها كانت كالجدران العالية، حالتْ بيني وبين تنفيذ ما فكرت به. صراع مرير نشأ داخلي لحظتها، وحاجة خبيثة خطرتْ لي من جراء شريط الذكريات، الذي التفَ بقوة حول رقبتي.
فكرت في إيقاف الأجهزة التي تربطها بالحياة لأشاهد الموت ينتزع الروح منها، لكن بلحظة تجلٍ، شعرت بانتصار إنسانيتي على كل شيء برغم أن وجه أبي الحزين لن تستطيع أية ممحاة تغيير معالمه .. عيناه، التي سكنهما الإنكسار والخيبة لآخر يوم في حياته، يغشاني البكاء حين أتذكرهما. في تلك اللحظة، وأنا أرى الموت في كل ثانية يطفئ خلية من خلاياها، كان الواجب هو ما يملي عليّ فعله وليس شيء آخر.
سأمضي اليوم وغدًا كما مضيت في الأمس، لكن بذكرياتٍ وصورٍ جديدة علّها تعيد إليّ شيئًا من ذلك التوازن النفسي، الذي فقدته في مرحلة ما كنت الأحوج إليه!
فتحتُ النافذة. بدأت بطرد ذبابات الحقد فعالمنا صغير لا يسع المعارك التي نخوضها مع أنفسنا!
اتصلت بأمي لأخبرها كم أحبها؟!
في تلك اللحظة تمنيت لو أختبئ تحت جناحيها أتدفأ.
قلت لها، وثمة دمعتان انحدرتا على خديَّ:
- أمي .. لأجلي كوني مستيقظة حين أعود!
استفاقت السيدة من غيبوبتها بعد مغيب الشمس، وعلامات الموت ترسم ببطء إشارات جديدة على وجهها، وهي توصيني خيرًا بأمي .. أجبتها:
- ليستْ أمي،أنها زوجة أبي التي ربتني وتمسكتْ بيّ حتى بعد وفاته. النور الذي أنار حياتي منبعه قلبها النقي وروحها الطّاهرة!
وبصوت واهن سألتني:
- وأمكِ .. هل توفيت؟
وأنا أحدق عبر النافذة، وثمة دمعتان عالقتان في محجري أجبتها:
- أمي تركتني، وأنا في العاشرة من عمري لتهرب مع عشيقها!
هنا شهقت سيدة ذلك العبق الذي ظل طوال أعوام عالقًا بذاكرتي قبل أنفاسي، فكانت شهقتها الحد الفاصل ما بين الحياة والموت وكأنَّ الله أرادني حضور هذه اللحظة وذلك الفاصل، وكانت لي شهقة الحد الفاصل ما بين الحياة، والحياة.

أحدث المراجعات

جميل. الربط بين مشهدين الأول للأم الحقيقيةالتي رحلت بعدما تركت ذكرى صادمة ومشاعر تعيسة والثاني للأم التي رعت واحتضنت فكانت خير أم بديلة.
جميل مشهد النهاية. جميل بناء النص ولغته. تحياتي للكاتبة
التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...