(لم يكن الليل في بيتنا يضارع ليالي البيوت التي تجاورنا.
كان يهبط بثقله المعتم كأنما يحمل نعشا لا يرى ويضعه في غرفة أمي التي تشبه إلى حد بعيد مركبا غارقا في قاع المحيط.
كانت أمي تطلق في نومها صوتا غريبا جدا لا يمت بسبب للأصوات التي نعرفها نحن أبناء العالم الفيزيقي.
صوت يثير الرعب والهلع كأن الريح تعوي داخل حنجرة منسية تحت الأرض أو كأن مدينة بأكملها تعول من بين ضلوعها.
تناهى إلى سمعي هذا الصوت أول مرة، لم يكن نومي أنذاك عميقا.
سمعته بكل حواسي دفعة واحدة كما لو أن الزمن توقف لينصت مثلي.
رأيت الهواء يرتجف والظلال تذوب مثل مكعبات الثلج.
سمعت أمي تهمس بشيء لا يترجم إلى لغة البشر.
في الصباح ،كنت أظن أن إعصار من الحمى أو الجنون ضرب قلعة رأسي.
لكن الصوت عاد في الليلة التالية..
ثم عاد مجددا..ثمثم تكرر حتى صار طقسا ليليا.
لم أعد وحدي في خضم هذا الجنون.
صار أخي يتحدث في نومه ويصرخ بنفس النغمة الملعونة ،نفس التنهد الذي ينتهي ببكاء حاد لا يصدر عن كائن بشري.
ثم تلبسني أنا.
صرت مثلهما أصدر نفس الصوت الغريب وأنا متموضع بين حدي اليقظة والنوم.
حاولنا أن نقف على حقيقة هذه الحقيقة الماورائية الغامضة لم نجد حلا مقنعا ولا تفسيرا منطقيا .
توالت الأيام وأروحنا متلفعة بالرعب والجنون يلوح بمنديله الأسود أمام أعيننا المنكسرة.
هكذا تسلل هذا الصوت الغريب إلى جدران البيت فشرعت تصدر طنينا خفيا كما لو أنها مهددة بالسقوط في قلب الهاوية.
ثم إنتقل هذا الصوت المفزع إلى جيراننا.إنها لعنة الصوت الغامض المخيف الذي انطلق من حنجرة أمي إلى سكان المدينة .
كلنا يصرخ في الليل بصوت لا ينتمي إلى عالمنا الفيزيقي.
كذلك حيواناتنا الأليفة أصابتها عدوى هذا الصوت المقزز.
لم أكن أتخيل أن المدينة التي نشأت فيها ستغدو بهذه السرعة قطعة من جحيم بارد.
كانت شوارعنا تعج بالحياة والحركة ونعومة العلاقات البشرية
وتبادل التحايا.
أما الآن فقد صار كل شيء مغرورقا بالصمت كأن أحدا قد خنق الحا بقفاز غير مرئي.
في تلك الليلة ،وهي الليلة السابعة بعد أن بدأ الصوت يستشري ويتكاثر كالأوبئة سنعت طرقات خفيفة على نافذتي.
نهضت مقتربا بحذر إذ رأيت طفلا غريبا بثياب مظلمة واقفا يتنظر إلي بعينين لا يشبهان أعين الأطفال.
كانت عيناه فارغتين لا بياض فيهما.عينان من الليل ذاته.
ثم فتح فمه وأصدر ذلك الصوت،
إنه الصوت التي تطلقه أمي في الليل لكن بصوت طفل.
أحسست بالأرض تميد بي.
ورأيت الغرفة تتنفس.
كل ما في البيت كان يرتجف معي:المصباح، الستائر، الكتب، سقف الغرفة،حتى المرآة اهتزت كأنها تبتلع انعكاسي.
صرخت ،لكن صوتي ظل حبيس ظلمات الروح.
كان الصوت وحده هو المسيطر.
صوت واحد يتكرر،بصيغ مختلفة،من أفواه كثيرة،بأعمار متفاوتة،لكنه يحتفظ بجوهره الرهيب: شيء ما يهمس من عالم آخر.
منذ تلك الليلة لم أعد أعرف من أنا.
هل أنا الوريث الشرعي لذلك الصوت؟
هل أنا من يسمعه..أم أنا الصوت نفسه وقد اكتسب جسدا بشريا؟
لم نعد أميز بين النوم واليقظة.
صرنا نستيقظ على همهمات تأتي من بين الشقوق.
الجدران لم تعد صماء كما عهدناها..
بل صارت تنبض مثل كائن حي.
تتنفس ببطء، وتصدر بين حين وآخر أنينا مبحوحا،كأن أحدا ينام داخل الحائط.
لم أعد أقترب من الجدار.
كنت أشعر بحرارته ترتفع كلما دنوت كما لو أن شيئا يطبخ خلف الطلاء.
في الليل ،كنت أسمع خربشة، ثم نقرة،فشهقة،ثم صوت خطوات متلعثمة تمشي فوق السقف.
وحين أصعد لهتك سجف المجهول
لا أجد أحدا.
كنت أقول لنفسي : إنه الوهم..حمى الصوت التي أصابت المدينة .
لكنني ذات مساء ،أمسكت بأمر لا يمكن إنكاره:
خرجت خصلة شعر من الجدار.
نعم خصلة شعر داكن،طويلة ،رطبة، تتدلى ببطء من موضع مرتفع من الحائط.
إقتربت مرتعدا..لم ألمسها..
لكنها كانت تنمو.ثم رأيت عينين نصف مفتوحتين تنظران من بين التشققات ،مطوقتين بسائل شفاف لا لون له، ولا رائحة.
حين تذوقته لاحقا، كان يشبه طعم الحنظل.
في تلك الليلة ،أدركت أن بيتنا لم يعد مسكنا بل صار كائنا غريبا.
وأنا داخله.
حين بلغ الرعب ذروته ولم نعد نملك تفسيرا لما يجري ،دلني أحدهم إلى رجل يعيش في أقصى المدينة،لا يسكن بيتا ،بل كوخا حجريا مائلا بين شجرات الزيتون المسنة.
قال الناس:إنه كاهن.
وقال آخرون :إنه مشعوذ.
بيد أن الجميع إتفقوا على أنه أعمى.
أممت كوخه وحدي في ظهيرة معتمة والشمس تلفظ جثتها في الأفق.
وجدته جالسا على حصير من جلد الماعز، واضعا يديه على ركبتيه،ووجهه إلى الجدار.
لم يلتفت،لم يسألني من أنا.
قال فقط:
"الصوت يسكنك وها أنت تسكنه"
إرتعدت مفاصلي.
لم أنبس ببنت شفة ولم أصف له شيئا.
_"أمك كانت المفتاح ...وكانت الضحية".
خطوت خطوة مقتضبة،فرفع يده فجأة كأنه يحذرني،ثم أخرج من جيبه قطعة مرآة مكسورة.
ناولني إياها قائلا: "سترى ما لا يرى حين تنظر بها إلى الجدار الذي لا يكف عن الأنين"
ثم همس بصوت يشبه اصطفاق جناحين منكسرين:
-"لا ترفع عينيك وتحدق فيه
فإن رأيت وجهك هلكت".
عدت في المساء قابضا على قطعة المرآة المكسورة كما لو أنها سلاح بيدي.
كان البيت ساكنا أكثر من المعتاد..
حتى الهمسات توقفت،والنبض داخل الجدران أرخى سدوله.
لم أجد بدا من رفع المرآة المكسورة باتجاه الحائط.
كان الضوء شاحبا، لم أكن أبحث عن إجابات شافية بل عن نهاية.
فجأة رأيت في المرآة ما لم أره من قبل.
الجدران تتلوى،السقف يقطر دما أسود،الأرضية تنشق عن ألسنة، والمرآة ذاتها ترتجف بين أصابعي كأنها تحترق من الداخل.
ثم رأيت وجوه الجيران،أخي وأمي،،كذلك وجهي أنا..
وجوه مشوهة تبتسم بأسنان لا تنتهي وتطلق أصواتا مزعجة مربكة.
صوت واحد يخرج من ألف فم،من الجدران، من السقف، من داخلي.
كنت أرتجف كمن وضع في قبر وهو مازال على قيد الحياة.
ثم سمعت الكاهن الأعمى يهمس في أذني.
"المرآة ليست نافذتك بل قبرك."
أفلت المرآة من يدي...لكنها لم تتوقف عن عكس صور مرعبة جدا.
وحتى اللحظة ،مازلت أراها مكسورة في الزاوية..
تعكس شيئا واحد فقط:
وجهي..لكنه متجمد لا حراك به.
كان يهبط بثقله المعتم كأنما يحمل نعشا لا يرى ويضعه في غرفة أمي التي تشبه إلى حد بعيد مركبا غارقا في قاع المحيط.
كانت أمي تطلق في نومها صوتا غريبا جدا لا يمت بسبب للأصوات التي نعرفها نحن أبناء العالم الفيزيقي.
صوت يثير الرعب والهلع كأن الريح تعوي داخل حنجرة منسية تحت الأرض أو كأن مدينة بأكملها تعول من بين ضلوعها.
تناهى إلى سمعي هذا الصوت أول مرة، لم يكن نومي أنذاك عميقا.
سمعته بكل حواسي دفعة واحدة كما لو أن الزمن توقف لينصت مثلي.
رأيت الهواء يرتجف والظلال تذوب مثل مكعبات الثلج.
سمعت أمي تهمس بشيء لا يترجم إلى لغة البشر.
في الصباح ،كنت أظن أن إعصار من الحمى أو الجنون ضرب قلعة رأسي.
لكن الصوت عاد في الليلة التالية..
ثم عاد مجددا..ثمثم تكرر حتى صار طقسا ليليا.
لم أعد وحدي في خضم هذا الجنون.
صار أخي يتحدث في نومه ويصرخ بنفس النغمة الملعونة ،نفس التنهد الذي ينتهي ببكاء حاد لا يصدر عن كائن بشري.
ثم تلبسني أنا.
صرت مثلهما أصدر نفس الصوت الغريب وأنا متموضع بين حدي اليقظة والنوم.
حاولنا أن نقف على حقيقة هذه الحقيقة الماورائية الغامضة لم نجد حلا مقنعا ولا تفسيرا منطقيا .
توالت الأيام وأروحنا متلفعة بالرعب والجنون يلوح بمنديله الأسود أمام أعيننا المنكسرة.
هكذا تسلل هذا الصوت الغريب إلى جدران البيت فشرعت تصدر طنينا خفيا كما لو أنها مهددة بالسقوط في قلب الهاوية.
ثم إنتقل هذا الصوت المفزع إلى جيراننا.إنها لعنة الصوت الغامض المخيف الذي انطلق من حنجرة أمي إلى سكان المدينة .
كلنا يصرخ في الليل بصوت لا ينتمي إلى عالمنا الفيزيقي.
كذلك حيواناتنا الأليفة أصابتها عدوى هذا الصوت المقزز.
لم أكن أتخيل أن المدينة التي نشأت فيها ستغدو بهذه السرعة قطعة من جحيم بارد.
كانت شوارعنا تعج بالحياة والحركة ونعومة العلاقات البشرية
وتبادل التحايا.
أما الآن فقد صار كل شيء مغرورقا بالصمت كأن أحدا قد خنق الحا بقفاز غير مرئي.
في تلك الليلة ،وهي الليلة السابعة بعد أن بدأ الصوت يستشري ويتكاثر كالأوبئة سنعت طرقات خفيفة على نافذتي.
نهضت مقتربا بحذر إذ رأيت طفلا غريبا بثياب مظلمة واقفا يتنظر إلي بعينين لا يشبهان أعين الأطفال.
كانت عيناه فارغتين لا بياض فيهما.عينان من الليل ذاته.
ثم فتح فمه وأصدر ذلك الصوت،
إنه الصوت التي تطلقه أمي في الليل لكن بصوت طفل.
أحسست بالأرض تميد بي.
ورأيت الغرفة تتنفس.
كل ما في البيت كان يرتجف معي:المصباح، الستائر، الكتب، سقف الغرفة،حتى المرآة اهتزت كأنها تبتلع انعكاسي.
صرخت ،لكن صوتي ظل حبيس ظلمات الروح.
كان الصوت وحده هو المسيطر.
صوت واحد يتكرر،بصيغ مختلفة،من أفواه كثيرة،بأعمار متفاوتة،لكنه يحتفظ بجوهره الرهيب: شيء ما يهمس من عالم آخر.
منذ تلك الليلة لم أعد أعرف من أنا.
هل أنا الوريث الشرعي لذلك الصوت؟
هل أنا من يسمعه..أم أنا الصوت نفسه وقد اكتسب جسدا بشريا؟
لم نعد أميز بين النوم واليقظة.
صرنا نستيقظ على همهمات تأتي من بين الشقوق.
الجدران لم تعد صماء كما عهدناها..
بل صارت تنبض مثل كائن حي.
تتنفس ببطء، وتصدر بين حين وآخر أنينا مبحوحا،كأن أحدا ينام داخل الحائط.
لم أعد أقترب من الجدار.
كنت أشعر بحرارته ترتفع كلما دنوت كما لو أن شيئا يطبخ خلف الطلاء.
في الليل ،كنت أسمع خربشة، ثم نقرة،فشهقة،ثم صوت خطوات متلعثمة تمشي فوق السقف.
وحين أصعد لهتك سجف المجهول
لا أجد أحدا.
كنت أقول لنفسي : إنه الوهم..حمى الصوت التي أصابت المدينة .
لكنني ذات مساء ،أمسكت بأمر لا يمكن إنكاره:
خرجت خصلة شعر من الجدار.
نعم خصلة شعر داكن،طويلة ،رطبة، تتدلى ببطء من موضع مرتفع من الحائط.
إقتربت مرتعدا..لم ألمسها..
لكنها كانت تنمو.ثم رأيت عينين نصف مفتوحتين تنظران من بين التشققات ،مطوقتين بسائل شفاف لا لون له، ولا رائحة.
حين تذوقته لاحقا، كان يشبه طعم الحنظل.
في تلك الليلة ،أدركت أن بيتنا لم يعد مسكنا بل صار كائنا غريبا.
وأنا داخله.
حين بلغ الرعب ذروته ولم نعد نملك تفسيرا لما يجري ،دلني أحدهم إلى رجل يعيش في أقصى المدينة،لا يسكن بيتا ،بل كوخا حجريا مائلا بين شجرات الزيتون المسنة.
قال الناس:إنه كاهن.
وقال آخرون :إنه مشعوذ.
بيد أن الجميع إتفقوا على أنه أعمى.
أممت كوخه وحدي في ظهيرة معتمة والشمس تلفظ جثتها في الأفق.
وجدته جالسا على حصير من جلد الماعز، واضعا يديه على ركبتيه،ووجهه إلى الجدار.
لم يلتفت،لم يسألني من أنا.
قال فقط:
"الصوت يسكنك وها أنت تسكنه"
إرتعدت مفاصلي.
لم أنبس ببنت شفة ولم أصف له شيئا.
_"أمك كانت المفتاح ...وكانت الضحية".
خطوت خطوة مقتضبة،فرفع يده فجأة كأنه يحذرني،ثم أخرج من جيبه قطعة مرآة مكسورة.
ناولني إياها قائلا: "سترى ما لا يرى حين تنظر بها إلى الجدار الذي لا يكف عن الأنين"
ثم همس بصوت يشبه اصطفاق جناحين منكسرين:
-"لا ترفع عينيك وتحدق فيه
فإن رأيت وجهك هلكت".
عدت في المساء قابضا على قطعة المرآة المكسورة كما لو أنها سلاح بيدي.
كان البيت ساكنا أكثر من المعتاد..
حتى الهمسات توقفت،والنبض داخل الجدران أرخى سدوله.
لم أجد بدا من رفع المرآة المكسورة باتجاه الحائط.
كان الضوء شاحبا، لم أكن أبحث عن إجابات شافية بل عن نهاية.
فجأة رأيت في المرآة ما لم أره من قبل.
الجدران تتلوى،السقف يقطر دما أسود،الأرضية تنشق عن ألسنة، والمرآة ذاتها ترتجف بين أصابعي كأنها تحترق من الداخل.
ثم رأيت وجوه الجيران،أخي وأمي،،كذلك وجهي أنا..
وجوه مشوهة تبتسم بأسنان لا تنتهي وتطلق أصواتا مزعجة مربكة.
صوت واحد يخرج من ألف فم،من الجدران، من السقف، من داخلي.
كنت أرتجف كمن وضع في قبر وهو مازال على قيد الحياة.
ثم سمعت الكاهن الأعمى يهمس في أذني.
"المرآة ليست نافذتك بل قبرك."
أفلت المرآة من يدي...لكنها لم تتوقف عن عكس صور مرعبة جدا.
وحتى اللحظة ،مازلت أراها مكسورة في الزاوية..
تعكس شيئا واحد فقط:
وجهي..لكنه متجمد لا حراك به.