محمد فيض خالد - عم الشيخ سيد..

لازلت اتذكره جيدا، أتذكر وجهه الطافر بوسامته، غرة شعره تتراقص هفهافة ،قسمات وجهه الأبيض تغلفها ابتسامته الحلوة ،صوته واضح النبرات ،كان نغمه العذب كفيل لاجتذاب المارة ، لكن ونسهم سريعا ما يتلاشى وشجاره المستفز مع خاله " مسعود" ، حين يذكر ، معايرا ، كيف آواه وإخوته بعد رحيل والده ، مرت الأيام سراعا ، وتضاءلت كثير من الصور، حتى صوت غناءه المجلجل، وتمايله على وقع المزمار بالأفراح التي لم تخل من حضوره المبهج، فلا تنفضي ليلاه إلا ويتحف حضوره بوصلة تطريب ، يندفع على إثرها الصياح والتهليل ،الآن لم يعد لكل هذا وجود ،جرفت الأيام إرثها وطمرته تحت الركام ، غيبته في دهاليز الذكريات ، ليحل محله الشيخ " سيد " ، يخب في وقار سَمج .
ومع غبش الليل يصدح صوته بمصلى القرية بالقرآن نديا ، ومن بعده في " مندرته " وقتما يلتف الرفاق من حوله، يغرقونه بنظرات الإعجاب وفي نفس واحد :" الله..الله" ، هكذا مشت الأيام ، وآن لها أن تمشي ، إلى أن صحت القرية و حاله قد انتفش، جاءته الدنيا كغيره ، اطلت النعمة عليه بوجه بشوش ،ليتوقف معها ندب والدته وجعيرها ،تشتكي حظها التعيس، وخيبتها في ابنها العاطل ، الآن حُقّ لخاله أن يشرع رأسه ، يهتز متفاخرا بابن اخته حافظ كتاب الله ، الذي طار ذكره في الزمام ، لا ينفك يُذكِّر باستقامة حاله ، خصص له " سيد " نفحة يصيبه بها كل مساء، تطور الأمر ليصبح وكيلا عنه ، تولى مهام الاتفاق والتحصيل من الزبائن.
كانت " عزيزة " الأقدر على مشاغبة فؤاده ، وبث الوجد فيه ، مذ كانت تجلس أمام عتبة دارهم ، نجحت أحيرا في اصطياد الشيخ الوله فتزوج بها، انسلخ عن ماضيه ، لكن أذنه ظلت ملتصقه بجسد الراديو القديم ،وفي ونس يتعالى صياحه على فترات...الله عليكي يا ست..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...