محمد فيض خالد

مُنذ خَطّت قَدمي فاغبرّت بهذه البلاد ، وأنا أرى عَجَبا عُجَابَا ، في البِدءِ شَقَّ الأمرُ ريثما اعتاده ، استدعى إيقاظي في سَاعاتٍ اللّيلِ وبواكير نهاري ، قديما عوّدت نفسي ألَّا انتَزعها من الفراشِ قبل أن آخذ قِسطَا من الرَّاحةِ كَافيا ، وإني والله لفي عَجب ؛ إذ كَيفَ الانصياع لهذه الأمور...
أطالِعُ بعينٍ تتَحاشى أن تَصطدِم بجهامةٍ غَلَّفت تقَاسيم وجهه الأسمر الفاحِم ، يَشرخُ في عُنفوانٍ مُفتَعل الفَراغ ، مُتأبِّطَا دفاتره ، مُمسِّكَا بيدهِ حقيبةً جِلدية متوسطة القيمة ، تَدلُ هَيئته في هِندامٍ مُتكلِف ، أنّهُ من أربَابِ المِهن المرموقة ، عَلِمتُ لاحِقَا اسمه "عبده " من أبناءِ...
في ممرٍّ ضيق ترَاصّت موائد الطّّبخ ، تهدِرُ فوقها آنيةٍ مُختلفة الأحجام ، بشعة المنظر ، تَهبّ منها روائح نافذة حريفة ، نكهات باردة وحارة ، دسمة وقليلة الدَّسم ، بين آنٍ وآخر تَقتحمُ هدأت المكان " طشّة" عنيفة ، تعبق ما حولها ، ينُبئك أزيزها المكتوم ، أنّ صاحبها من أمهرِ الطُّهاة ، فهذه الجَرأة...
لم تكن الرصاصة التي اُطلِقت من مجهولٍ على زوجها ؛ فأردتهُ قتيلا بينَ حَشايا الحقولِ ، غيرَ البدايةِ التي خطّت لعائلتها الصّغيرة هذا المصير البائس ، واستباحت طمأنينتها وهي الآمنة ، ما ادّخرَ " عبدالشهيد " من حطامِ الدُّنيا ، إلّا بندقيته الهندي ، التي حرّزتها النيابة بعدَ الواقعةِ، ورواسبَ من...
في وقتٍ لم أكُن فيهِ غَيرَ قِطعةٍ من اللَّحمِ، لُفت في أقماطِها ، تتقاذفها الأيدي في تأففٍ، وتتبعها العيون في اشمئزازٍ، قالت "كريمة"الدَّاية ، مع أولى صرخاتي :" تتربّى في عِز أبوها "، قذفتني مُكرَهة لجدتي ، التي غَامت الدُّنيا في وجهها ، لتَضعتني فِي غَصّةٍ بجِوارِ أمي التي كانت في سكرةِ ،...
ما أقسى تَصاريف الأيّام ، ها أنا ذا انصرِف عن طريقي الذي سَلكتهُ خمسة أعوامٍ ، تَتردّد في صدري مشاعرَ الكُره، اجدني بمفازةٍ من العذابِ في وجهةٍ اطويها ، اُطالِع مطلع كُلّ صباحٍ طريقي ؛ من عينينِ تجولُ بهما أطياف الدَّمع ، لا يَعرِفُ ما أُكَابِدُ غيرَ حقيبة كتبي ، التي اُتخِمت بحملِ بعيرٍ، كتب...
ارتعشت الابتسامةُ خَجلة على شَفتيهِ السُّمر، اَمسكَ "المدراة" في يدهِ يُقلِّبها في خُيلاءٍ، بَدت كَالعَروسِ المَجلوة ساعة زفافها، في زفرةٍ موجعة نَفَثَ الدُّخان كثيفا، حَكّ أنفه في عنفٍ، كمن ينتشل نفسه من أحضانِ الذِّكرى ، ألقى ببصره يمرح قليلا في سكونِ الفضاء الملتهب بحرقةِ الشّمس، هزّ رأسه...
مرّت الأيّام يقطر في إثرها عمره ، يتألق في عينيهِ بريق الأمل ، يُطالِع شبحهُ حينَ يتراءى فوقَ ماءِ التّرعة ، يغرفُ غرفة بيدهِ يلَطمُ بها وجهه النّاحل عابثا، تمتزج قطراتها بدموعهِ المنسابة ، يُساورهُ شعور الكَمد ، لا يجد دون نيران صدره مَصرِفا ، حين يشخص بصره قبالة ذراري من حولهِ من أبناءِ عمومته...
لا يَزالُ لوقعِ رَحيلهِ لوعَة يأسف عليها أهل القرية جميعا ، تتجدّد شُجونها غمّا، كلّما تناثرت "كيزان"طلع ذكور النّخيل ، يملأ غبارها الغيطان ، في مثل هذه الأثناء ، وبينما الوجودُ يُراقِبُ في كمدٍ ظِلال المَغيب ، ماسِحا بكفهِ رؤوس النَّخيل ، اقبلَ " بركات السِّكي" يُنوحُ نواح الثّكلى، ويندبُ حظّه...
راحَ يطوي خطواته المُثقلة تحت قطراتِ الطّلِّ ، تعوّدَ الخروج في هاتهِ السّاعة المتأخرة من اللّيلِ ، يقضي ساعات طوال بجوارِ " الغفر" في الخُصِّ ، هناك على مشارفِ القريةِ ،حيثُ نوبات حراستهم، لا يعود من مكمنهِ ، إلا مع غَبشِ الفجرِ ، لا يَملّ من النّظرِ إلى البنادقِ المُعلّقة في جذعِ الصفصافةِ...
ارتعشت الابتسامةُ خَجلة على شَفتيهِ السُّمر، اَمسكَ " المدراة" في يدهِ يُقلِّبها في خُيلاءٍ ، بَدت كَالعَروسِ المَجلوة ساعة زفافها، في زفرةٍ موجعة نَفَثَ الدُّخان كثيفا، حَكّ أنفه في عنفٍ، كمن ينتشل نفسه من أحضانِ الذِّكرى ، ألقى ببصره يمرح قليلا في سكونِ الفضاء الملتهب بحرقةِ الشّمس، هزّ رأسه...
يُغَازل البيوت بَصيصٌ من الضّوءِ الأحمر الجرئ، يُعانِق جَريد النّخيل ، تُسبِّحُ الطبيعة في خُشوعٍ مألوف ؛ ريثما تتفلّت من رَقدَتها ، تلك صورة ترتسم مطلع كُلّ نهارٍ مُنذ أذِنَ البارئ لهذا المكان أن يعمُرَ بأهلهِ، قرية مطمئنة ياتيها رِزقها رغدا على ضفافِ بحرِ يوسف ، أهلها لا يدرون عن دُنياهم إلّا...
هَا هي تُبدي الشِّكاية والتَّأفف، تُبَرطِم بنبرةٍ مُستفزة، تضرب الحَائط بكفها اليابس ، ترمق زوجها المُتَربعُ فوقَ حشيةِ اللَّيف ، غائبا وسط سُحبِ الدُّخان، يفرج عن غَابةِ الجوزة الغائبة بين شفتيهِ ، يطلق دفقات الدخان ، سُرعان ما يعيدها سيرتها الأولى كرضيعٍ قبضَ ثدي أمه ، تقول وعيونها تنضحُ...
تَراخت شَفتَاهُ امتعاضا وقَد احَكَمَ طرف ( البوصة) في فَمهِ الواسع، هَزّ رأسه القَانِعُ ، يُطلِق دفقات دُخَانه الكَثيف ، بَذلَ جَهدا يُخفي انفعالا مكبوتا ، هَيّجه كلام أمه ، تثرثرُ دونَ انقطاع :" خَلصت باكو المعسل ، ابوك هيقطع رقبتك"، أشَاحَ بوجههِ غَيرَ مُكتَرِثٍ بتوبيخَها ، ليَغيبَ ثاَنيةً في...
بَاتَ اخشى ما أخشاه؛ وطأة أصَابعها القَاسية، تَغرزها في جِلدي، تُمرِّرها بغلظةٍ حَول رقبتي المُلتهبة، اشعر بانسحابِ روحي لحظتئذ،تَهرس اللَّوزتين هَرسا مُؤلِما تَحتَ شَلالِ الزّيت الغامق ، تُغرِقُ في هَوجٍ كُلّ شيءٍ حتّى ملابسي، يَتسرَّبُ فوقَ جلدي خيط بارد ، يَتَشبّعُ بهِ جسدي الذي انتَفضَ تَحتَ...

هذا الملف

نصوص
94
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى