محمد فيض خالد

ما إن تشقّق الأرض عن شجيراتِ القُطن ، فتخرج ضاحكة للوجودِ تداعب وجه التربة ، يبزغ نجمه ، يُصبح مقصود الفلاحين ، حتى وإن كرِهوه، يجري اسمه على كُلّ لسانٍ ، فهو مورّد الأجرية من عمالِ " اللطعة" ، ورث المهنة عن أبيهِ ، الذي خدمَ الدوائرِ عُمرا. ظلّ على فقرهِ المتقع ، فكفّه المخروم...
لا يمرّ عليّ يوم دون أن اُطالع شبحه الفضيّ المُنساب يترامى عن بُعدٍ ، تتلألأ قطرات ماءه العذب ،و تنساب أمواجه الرقيقة في صفاءٍ ورونق ، يسرّ الناظرين ، كُنتُ صغيرا اشاهد من فوق سطح بيتنا القديم خياله ، اتسائل في دخيلةِ نفسي مُقشعرِا في وجل: تُرى إلى أين يتدفق هذا السّيل العرمرم ؟! . ما أشدّ...
عهدناهُ يَتقلّب شتاء تَحت شَمس الظّهيرة الفاترة ، كفحلٍ من فحولِ القرية العِظام، موفور الصحةِ ، مستقيم البنيان ، يُرسِل أنفاسه المكتومة وقد زمَّ شفتيهِ ، تبدّى وكأنّما يستجدي أشعتها المتراخية ، وخيوطها المهتزة ؛ أن تنشب أظفارها بينَ حَنايا جسده المُترهل ، تعوّد هذه النّومة مُنذ كانَ في سنتهِ...
ورِثنا الحقَّ فيهِ ، كإرثِ أنسابنا وأقدارها ، صغيرا ألِفَ المشاقّ كمَا ألِف حليب أمه ، مُنذ كانَ غَضّا فتيّا يمرحُ خَلفها بينَ الحقولِ ، يتسمّع أنينها المضني تحتَ أحمالها فلا يكترث ، ساعتها لم يكن يعلم عن أمرِ مستقبلهِ وعذاباته شيئا ، حتى وعى الحقيقة المُرّة بلا ترتيب ، ذاتَ صباحٍ اُحتجِز عن...
وقفت قُبالة مرآتها تدقِّق نظرها في محاسنها الصّارخة ، تميل برأسِها تتجاوب وهمس فتنتها الذائبة بين ثيابِها الرَّخيصة ، تُضاحِك خيالها المُتَراءي في وهجٍّ ، سرعان ما تُريق كؤوس جمالها شهية تنطق بآياتِ الجلال ، ببطئ تتحسّس خصرها المفتول ، تستنطِق طراوته ، تنثني في ميوعةٍ ، فترسل لواحظها اللّينة...
تعوّدت الدّروبِ سحنته ، كما ألِفت الأزقة خياله الباهِت، اتحد بذراتها حتى صارَ جزءا منها ، ترِن ضحكاته السّمجة ليل نهار ، تتخللها كنعيقِ البوم ، أينما سَارَ تُساوره الظّنون والرِّيب ، دائم الشكاية من تصَاريفِ الأيام ، فهي لا تعرف سواه فقرا ومسغبة، يلهث مطرودا خَلفَ عبق الشاي المطبوخ ، يتسمّع...
عهدناهُ يَتقلّب شتاء تَحت شَمس الظّهيرة الفاترة ، كفحلٍ من فحولِ القرية العِظام، موفور الصحةِ ، مستقيم البنيان ، يُرسِل أنفاسه المكتومة وقد زمَّ شفتيهِ ، تبدّى وكأنّما يستجدي أشعتها المتراخية ، وخيوطها المهتزة ؛ أن تنشب أظفارها بينَ حَنايا جسده المُترهل ، تعوّد هذه النّومة مُنذ كانَ في سنتهِ...
ظَللّتُ لفترةٍ ليست باليَسيرةِ احسبه شريك الفلاحين كسرة خبزهم ، وَعيت ولا حَديثَ للنسوةِ أمام الفرنِ إلَّا عن " أبو السّعد" ومهارة يده، وصنعته التي جعلت منه نَجما ، قالوا لقد هَبَطَ قريتنا صَبيّا يحملُ فوقَ حمارهِ الهَزيل غرابيله ، تَتذكّر "مسعدة " بائعة الملوحة قصته كاملة : إنّ أمَه من قريتنا...
لا تزال أفكار الأمس ووساوسه تتلاعبُ برأسهِ ، لم يذق طعم النوم ، ولم يغمض له جِفن ، ظلّ وراء البابِ جالسا فوقَ دِكتهِ المُتهالكة ، يفرك ألواحها المهترئة فركا ، فيتعالى نواح خشبها المُزّعج ، يملأ جدران بيته الطينيّ المُتهاوي ، اسلمَ نفسه لطرفهِ يُقلِّبه في ما حوله ، في سقفهِ وجريده الأسود الذي...
هناك في أعَالي التِّلالِ التي استقرّت أزمنةٍ طِوال لا يُعلم عددها إلاّ الله ووسط حقولِ الرِّمالِ الصُّفر القاسية ، يشخص عن بُعدٍ كَمعبدٍ من مَعَابدِ الآلهةِ العِظام ، مهيبا في قداستهِ ، شامخا في بناءهِ القديم ، يُغَلِّفه رونقٌ يا طالما انشرحت لمرآها الصّدور ، واغرورقت لجلالهِ العيون ،...
لم اتعلّق بشيءٍ في حَيَاتي كتَعلُقي باِلمدرسةِ ، أحببتها ومَنيّت النّفسَ بِها قَبلَ أن اعرِفَ ما الدّرَس وما الطَلب ، كنت في صِغري أُفضِل الجُلُوسَ في مَدخَلِ قريتنا ؛ لأرى أبناءَ البلد من طُلابِها وهُم في طريقهم إليها ، لا أعرِفُ مِن دُنيا الطَّلَب وحياةَ المدرسة إلا تِلك الدقائقَ ، اعتِبُ فيِ...
تَلحظه عينك لأولِ وهلةٍ ، عَجوزا يتبختر في زيهِ العَسكري الكالِح ، مُتباهيا بجَسدهِ الفَارِه الخَشن ، وملامحه الصَّارمة ، ووجهه البَاسِر الصّلد ، تَتهيّب طلّته العيون ، يرن صوته الجَهوري القَادِمُ من أغوارِ جُبٍّ سحيق ، في قَسوةِ الموتور ، مُحذِّرا أرباب الدّور الفقيرة ؛ من التمادي في السَّهرِ...
ما إن ينثر الصّباح نورهُ في الأُفق ، فتنفض القرية عَنْها أنفاس المَساء ، التي لا تزال تسري بين دروبَها الضّيقة ، حتّى تنبعث رياح رخية ، تتهادى من الحُقولِ القريبة ؛ مُعلِنة تشوّقها لزوارها الجُدد من أبناءِ الكدّ . تتناثر قطعان الماشية في فوضى فوقَ الجِسرِ ، ومن خلفها العِصيان تلهب ظهر المُتكاسِل...
هذا أوانُ امتلاء حقول البرسيم بتيجانِها البيض ، افَاحَت الرِّيحُ السّاخنة رائحة زهَراتها النّاضجة ، وتِلكَ أمارة نعرِفُ بِها أن نهايتها قد أزفت ، ما إن يخطو اللّيل خطوة جديدة نحو الصَّباح ، إلّا ويعبِّق الدَّرب رائحة لا اجهلها ، تتهادى رخيّة ، تتلاقى وغناء الكروان الطّروب ، المُلازِم لشجرةِ...
أخيرا بدأ الطّقس في التحسُّن ، وأخذت الدُّنيا تنفض عنها وهج النّهار المُحتدِم ، ما أطيب السّير وقت الأصايلِ ، حين تجد الرّاحة سابغة تستفزك للتنزهِ ، ها أنا اتخذ وجهتي _كعادتي_ صوب الحقولِ ، لكن شيئا من وطأةِ الهجير لا يزال قابضا على كُلّ شيء ، أجده في أنفاسي المكروبة تُغالِب الاجهاد ، وقدمي...

هذا الملف

نصوص
59
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى