محمد فيض خالد

هذا يومي الأول ، حضرت مبكرا ، وتلك عادة أصيلة لا يأتها غير أبناء الريف ، فتكشف جغرافية المكان ما يشغلني مع البدايات ، بدت المكاتب مقفرة، شاخصة كأشباح نائمة في ضوء خافت، هدوء تام يلف المكان غير حثيث قادم من فتحات التكييف، أزيز لطيف يضخ برودة تلسع جلدي، دقائق وتوافد عمال النظافة في زيهم البرتقالي...
ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد، تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه قدماي أبرم الشوارع ،...
صغيرا كانت أحلامي بسيطة ، لا تتعدى مخيلة طفل نشأ بين حنايا العوز ، تمددت فاستقرت بين جنبات دكان الأفندي لم تتخطاه، اعتلت أرففه العامرة أحيانا، لامست علب من كل صنف وحجم ولون ، يتراقص قلبي طربا لمرأى حبات الملبن ،اتشهاها ،ساعة يقبض عليها الرجل بين أصابعه ،أو حتى حين ينفض يده من بقايا مسحوقها...
بلكنته الصعيدية الزاعقة حياني ، كان أول عهد اختلاطي به ، منذ البداية ارسل نفسه على سجيتها ، تعارفنا، وبدون مقدمات أخبرته بأني قدمت قريبا من مصر، رماني بابتسامة حلوة ، تمددت فوق قسمات وجهه الحنطي العريض ،اهتزت على إثرها غمازتين في خديه ،أجابني وهو يمنحني الباقي :" هذه قطعة الحلوى ، حلاوة الوصول...
الجو اليوم لا يطاق ، الرطوبة تخنق الأنفاس، وتحجب جنين الشمس البرتقالي المتخلق من خلفها بقسوة ،رائحتها تغمر الهواء في لزوجة وعطن منفرين ، في بداية مقدمي للبلد كنت انزعج لهباتها، اتململ أكثر شيء للماء المنسكب دون مناسبة يغرق جسدي ، لكن ومع مرور الوقت اعتدت عليها ، هذا الصباح ركبت الأتوبيس رقم 18...
اجتمع أكثر من رجل في مندرة الحج " سعفان" كبير عائلة "المرازقة" ،امتلأ بهم الكنب، أما " سعدية " فجلست ملتصقة بالجدار، افترشت الأرض مغمومة، لم يبق لها غير فتات الأمل ،قد اعتمدت يدها تسند رأسها المثقل بالهموم التي تخوض أوحالها، توزعت العيون " رمضان الدكش "ابنها الوحيد، ساد صمت خانق، لكن ورغم جدية...
لازلت اتذكره جيدا، أتذكر وجهه الطافر بوسامته، غرة شعره تتراقص هفهافة ،قسمات وجهه الأبيض تغلفها ابتسامته الحلوة ،صوته واضح النبرات ،كان نغمه العذب كفيل لاجتذاب المارة ، لكن ونسهم سريعا ما يتلاشى وشجاره المستفز مع خاله " مسعود" ، حين يذكر ، معايرا ، كيف آواه وإخوته بعد رحيل والده ، مرت الأيام...
ظَلَّ عمره يُكابر ، لا يَعترف بَفارقِ السِّنِ بينهما ، هو شابٌ يَافعٌ على أعتابِ الجَامعِة، وهي فتاةٌ غَضَّةٌ لم تُوِّدع سنواتها العشر، ابنة عمه ذلَك الرجل الصَّامت الذي قالَ يوما في حَسم ٍعلى مَلأٍ من الأقاربِ:" هي له وهو لها لن يُفرقهما إلا الموت" ، لا يقبل الرجل رأيا ولا يتراجع عن قَرارٍ ،...
تستقر جلستها أغلب الوقت فوق الدكة القديمة إلى يمين الباب الرئيس، وبيدها فرع صفصاف رخو، تهش به كلاب الشارع ودواجن الجيران، يتحاشاها الصغير ويرهبها الكبير، كلمتها كالسيف لاترد مسلطة فوق الرقاب ، ومشورتها واجبة النفاذ في أمور البيت والغيط" حفيظة " امرأة قاسية ركبت في شخصها شخوصا عديدة، أغلقت عليها...
لم أجد شبيها له في سمرته، تشعر حين تراه ، وكأنه خليط بين السمرة والزراق، مزجا في لمعة أضفت على وجهه مسحة من البساطة والوقار، في هدوء ينزل حمل البطيخ في غرارة كبيرة تدلت من فوق ظهر حمار ضخم ، يستقر في وقفته مطمئنا كصاحبه، على رأس الدرب مكانه منذ أعوام ،لا أذكرها تحديدا يذكرني بها المعلم " نصحي"...
تَراهُ حِين يَنتزع خاتمه النّحاسي اللاَمع من جيبِ الصّديري ، يَنفخُ فيِه بقوٍة، ريَثما يغرقه من رغوةِ فمه، يغرسه في وجِه الَختَّامة ،ثم يَدسّه في الورقِة ، يَفركها في نَشوةٍ طَويلة ،يَتلاعب حَاجباه قليلا ، يُصرِّحُ بعدها في جرأٍة وهو يَفركُ كَفّه كَمتسولٍ عتيد :" الحلاوة يا حلاوة "، يَحكّ طَرف...
ظل عمرا يقنع بالقليل ، ويرضى بالتافه ، رغم أنه من أصل كريم ، وسليل عائلة وجيهة ، يمتد نسبها في الثراء ، ورث عن أبيه أرضا وأملاكا ودورا تناثرت في القرية ، يتذكر والده حين كان ينهره في جنون ، مرددا في غلظة :" ٍ المال هو الأصل ، والناس بدونه لا شيء "، يغيم وجهه في ابتسام مأزوم ، يعاود كر مسبحته...
سمعتها لأول وهلة من فم " عوضين " خولي الأنفار، تلهب حماستي كلماته المرصوصة في عناية ، حتى وإن جاءت مغلفة بالتزلف، ألقاه متربعا أمام دكان " عبدالمقصود حلاوة " ، رجل جلف ،غليظ الكبد، شحيح اليد، ما إن اقترب منه إلا ويبتسم ابتسامة غائمة يخرجها في تصنع، تلمع لها نابه المكسوة بتلبيسة الفضة ، في هيئة...
لا يزال لهيب الألم المتمشي في يدي يزعجني، يكاد وخزه يطير له عقلي ،على كل حال إلى الآن أداوم على مهامي اليومية المعهودة دونما مشاكل، لكني آخذ نفسي في أوقات بالتفكير في حلول عاجلة عن نهاية لهذه الأوجاع المتزايدة، التي تنهش مفاصلي بلا رحمة ، لم تفلح الوصفات الشعبية التي جربتها، اضطرتني الحالة تحاشي...
امسك موظف الجوازات بيد غليظة الختم ، دقه بغير اكتراث ، أومأ برأسه محييا في صمت ، انتظمت في مشيتي وسط حشد صاخب من البشر، انفتح أمامي بهو متسع ، انتصبت فيه قبة زجاجية تتلألأ في المنتصف بأضواء زاهية، تحجب خيوط شمسالظهيرة الغاضبة ، حتى شمس النهار تريد أن تهاجر يا أمي ،الوضع لا يطمئن ، فبرودة المكان...

هذا الملف

نصوص
120
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى