محمد فيض خالد

كَغيرهَا من قُرى وعِزب الرِّيف تسمّت باسمِ وجيه من الوجَهاءِ ، " عزبة حسني " هي الأقربُ عن جميعِ الأسماءِ ، بعفويةٍ سألت ذاتَ أصيلٍ عمي عميد العائلة ، شيخ طاعن في السّنِّ ، ارتسمت فوقَ ملامحهِ الجَادة سيما الوقار والدِّيانة :" تُرى لمّا تسمّت بلدنا بهذا الاسم؟!"، نَظَرَ طوَيلا في الفَراغِ...
ما إن تخط الشّمس بصمتها فوقَ أديمِ الأرض الرّمادي ، فتلوّنه بصُفرتها ، تتلألأ أشجار الكافور بحلةٍ ذهبيةٍ زاهيةٍ ، حتّى تدبّ الحَركة بينَ جَنباتِ الغيطان ، تختلط وقتئذٍ أصوات عائلة " أبو العجول " شيبا وشبانا كُلّ في فلكٍ يسبحون ، يعقل وليدهم فنون الحياة مُبكِّرا ، فلا يجد أوان ذاكَ إلا البساط...
هَتَفَ قلبه وتراقص برؤيا الأعلام وتعانقها ، ومع دق الطُّبول ازدادَ طَربا ، امتلأت الدّروب برجالٍ في وجوههم سحر يستشف منه الظُّرف ، سُرعان ما ظهرت حولهم مراقص الفرح ، زاحمت البيوت مع رَائحةِ ( التَّقلية) أحاديث ليلة النبي ، اسَتشاطَ الجَمعُ حَماسا في عفويةٍ تَقافَزَ مع الرِّفاقِ ، اكتملَ المشهد...
هذا يومي الأول في المدرسةِ ، تراءى أمامي للوهلةِ الأولى ، داخلتني منه رهبة وإكبار وشكوك لا حدّ لها، يتطاير صوته الجهوري المُزعج ، لا يملّ من اعطاءِ التعليمات بصرامةٍ وغطرسةٍ : قف في الصّفِ .. من يُشاكس اطرده فورا ولا كتب له. تُقرّر هيئته في نفسي المخاوفَ بل وتنميها طوال الوقت ، حتى ابتسامته...
يُِحكى أنّ في مدينةٍ هادئةٍ في قَلبِ الصَّعيدِ النَّائي ، جَلَسَ " الخواجة ماركو" أمام دكانهِ الكبير ، يتأمّل الشُّعاع الباقي لهُ من شمس حياته ، حينَ لم يتبق له من متع دُنياه ؛ إلّا هذه الجلسة ، وابنته الفاتنة " ماريّا " قَدِمَ صاحبنا المدينة شابا مثريا واسع الثراء ، أقدمَ على تجارتهِ بنهمٍ ،...
لازال صدى صوت الأفندي يتردد في أذنيّ ، وقد تربّع فوق كرسيهِ الخيزران القديم ، يهرش كعب قدمهِ فرِحا نشوانا ، وهو يحكي لي حكايته المُعادة لعشراتِ المرّاتِ ، والتي استجلى منها حكمتهِ المشحونة بالتوريةِ : ماتَ العليل وماء اللّفت له دواء ، يغيب الأفندي في ضحكتهِ التي تناثرت نهنهتها فيما يُشبه البكاء...
قالوا إنّ أسلافه من أصولٍ أرمينية ، ودليلهم السّاذج حُمرة وجهه القاني التي تُشبه لونَ الطّربوش ، ولغده المُتدلى بنتوءات عريضة ، يفترش فوقَ رقبته الغليظة كضرع بقرة سمينة ، ناهيك عن خده الأثيل الأمرد، وزُرقة في عينيه تُشبه في نقاءها ماء التّرعة ساعة يبعثر الفجر رايته البيضاء ، ما إن يُذكَر اسم ”...
ظلّ لشهورٍ يُمنيّ نفسه بما هو آتٍ ، أيامًا قلائل تفصله عن صبوةِ نفسهِ، لقد اكتظت دروب القرية واغرقت أزقتها بالبيارقِ والرّاياتِ السّود والحُمر والخُضر ، والخلق في هيامٍ يتواثبون من حولها في تمايلٍ ونشوة ، وأعينهم تفيضُ بالفرحِ والحبور ، وفي نفسٍ واخد يُرددون : اللهم صلّ عليه.. استفزه الشوق...
تميّز " فؤاد " بسمرَتهِ الدَّاكنة ، وشاربه الكثّ حَادّ الحَواف ، وحاجبيه بشعرهما المتهدِّل ، ومشيته المتئدة التي تبرِز عظام صدرهِ ناتئة كالحِرابِ ، يسير متصفِّحا الوجوه يكاد يشكو رزءا من أرزاءِ الحياة ، الكُلِّ يقدِّر نباهته وذهنه المتّقد ، غير أنَّه وكما، يقال : سبع صنايع والبخت ضايع ، كوردٍ...
ما إن تشقّق الأرض عن شجيراتِ القُطن ، فتخرج ضاحكة للوجودِ تداعب وجه التربة ، يبزغ نجمه ، يُصبح مقصود الفلاحين ، حتى وإن كرِهوه، يجري اسمه على كُلّ لسانٍ ، فهو مورّد الأجرية من عمالِ " اللطعة" ، ورث المهنة عن أبيهِ ، الذي خدمَ الدوائرِ عُمرا. ظلّ على فقرهِ المتقع ، فكفّه المخروم...
لا يمرّ عليّ يوم دون أن اُطالع شبحه الفضيّ المُنساب يترامى عن بُعدٍ ، تتلألأ قطرات ماءه العذب ،و تنساب أمواجه الرقيقة في صفاءٍ ورونق ، يسرّ الناظرين ، كُنتُ صغيرا اشاهد من فوق سطح بيتنا القديم خياله ، اتسائل في دخيلةِ نفسي مُقشعرِا في وجل: تُرى إلى أين يتدفق هذا السّيل العرمرم ؟! . ما أشدّ...
يِحكى أنّ في مدينةٍ هادئةٍ في قَلبِ الصَّعيدِ النَّائي ، جَلَسَ ” الخواجة ماركو” أمام دكانهِ الكبير ، يتأمّل الشُّعاع الباقي لهُ من شمس حياته ، حينَ لم يتبق له من متع دُنياه ؛ إلّا هذه الجلسة ، وابنته الفاتنة ” ماريّا ” قَدِمَ صاحبنا المدينة شابا مثريا واسع الثراء ، أقدمَ على تجارتهِ بنهمٍ ،...
ورِثنا الحقَّ فيهِ ، كإرثِ أنسابنا وأقدارها ، صغيرا ألِفَ المشاقّ كمَا ألِف حليب أمه ، مُنذ كانَ غَضّا فتيّا يمرحُ خَلفها بينَ الحقولِ ، يتسمّع أنينها المضني تحتَ أحمالها فلا يكترث ، ساعتها لم يكن يعلم عن أمرِ مستقبلهِ وعذاباته شيئا ، حتى وعى الحقيقة المُرّة بلا ترتيب ، ذاتَ صباحٍ اُحتجِز عن...
وقفت قُبالة مرآتها تدقِّق نظرها في محاسنها الصّارخة ، تميل برأسِها تتجاوب وهمس فتنتها الذائبة بين ثيابِها الرَّخيصة ، تُضاحِك خيالها المُتَراءي في وهجٍّ ، سرعان ما تُريق كؤوس جمالها شهية تنطق بآياتِ الجلال ، ببطئ تتحسّس خصرها المفتول ، تستنطِق طراوته ، تنثني في ميوعةٍ ، فترسل لواحظها اللّينة...
تعوّدت الدّروبِ سحنته ، كما ألِفت الأزقة خياله الباهِت، اتحد بذراتها حتى صارَ جزءا منها ، ترِن ضحكاته السّمجة ليل نهار ، تتخللها كنعيقِ البوم ، أينما سَارَ تُساوره الظّنون والرِّيب ، دائم الشكاية من تصَاريفِ الأيام ، فهي لا تعرف سواه فقرا ومسغبة، يلهث مطرودا خَلفَ عبق الشاي المطبوخ ، يتسمّع...

هذا الملف

نصوص
68
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى