ظل عمرا يقنع بالقليل ، ويرضى بالتافه ، رغم أنه من أصل كريم ، وسليل عائلة وجيهة ، يمتد نسبها في الثراء ، ورث عن أبيه أرضا وأملاكا ودورا تناثرت في القرية ، يتذكر والده حين كان ينهره في جنون ، مرددا في غلظة :" ٍ المال هو الأصل ، والناس بدونه لا شيء "، يغيم وجهه في ابتسام مأزوم ، يعاود كر مسبحته...
سمعتها لأول وهلة من فم " عوضين " خولي الأنفار، تلهب حماستي كلماته المرصوصة في عناية ، حتى وإن جاءت مغلفة بالتزلف، ألقاه متربعا أمام دكان " عبدالمقصود حلاوة " ، رجل جلف ،غليظ الكبد، شحيح اليد، ما إن اقترب منه إلا ويبتسم ابتسامة غائمة يخرجها في تصنع، تلمع لها نابه المكسوة بتلبيسة الفضة ، في هيئة...
لا يزال لهيب الألم المتمشي في يدي يزعجني، يكاد وخزه يطير له عقلي ،على كل حال إلى الآن أداوم على مهامي اليومية المعهودة دونما مشاكل، لكني آخذ نفسي في أوقات بالتفكير في حلول عاجلة عن نهاية لهذه الأوجاع المتزايدة، التي تنهش مفاصلي بلا رحمة ، لم تفلح الوصفات الشعبية التي جربتها، اضطرتني الحالة تحاشي...
امسك موظف الجوازات بيد غليظة الختم ، دقه بغير اكتراث ، أومأ برأسه محييا في صمت ، انتظمت في مشيتي وسط حشد صاخب من البشر، انفتح أمامي بهو متسع ، انتصبت فيه قبة زجاجية تتلألأ في المنتصف بأضواء زاهية، تحجب خيوط شمسالظهيرة الغاضبة ، حتى شمس النهار تريد أن تهاجر يا أمي ،الوضع لا يطمئن ، فبرودة المكان...
في فناءٍ متسع براح ممتد تحيطه أسوارٌ عالية من اللَّبن ، وتحفّه أشجار الكافور العالية تحجب كُلّ شيء ، ترابط المدرسة الإعدادية في صفرة لافتة تلك وجهتي ، تبعد عن قريتنا مسافة طويلة ، بالجملة أذهلني كل شيء هناك ، ولكن ما شدني أكثر تصرف عامل المدرسة العجوز " أبوالعمدة " فعدم اكتراثه بالمسؤولين مبالغ...
كانت مشاعره العفوية كثيرا ما تُصيب من حوله بالذهولِ، فيكتفون منها بشيء من السُّخريةِ والتَّندرِ، فكلامه عن تَشاكسه مع عِجليّ النُّورج ، وجدالهما المستمر ، وخصامهما المحتدم ، وصراخ أخشاب المحراث حيِنَ يُقبِّل وجهَ الأرض بأسنانهِ الحِداد هي من قَبيلِ الخَبل.
وبمرور الوقت أدركوا أنَّ مَشاعره تَصدر...
منذ فترةٍ لم يُسمع صرير بابه، لكنَّ سُعاله اليابس متواصل لا ينقطع، من غبَشِة الفجر وحتى مقدم المساء ،وحدي من يعرف حكايته القديمة مع “روح” أو بالأحرى” الحاجة روح” هكذا يُطلق عليها بعدما أصبحت جدة، لكن من يراها لا يعتقد غير أنَّها أنثى في الثلاثين، فرونق الِهندام، ومَلاجة الوجه، وفتنة الشباب...
لم اتخيل يوما أن اتصادف ومسطول ، لا تزال مشاهد السِّينما عالقةٌ في مخيلتي السَّاذجة ، صَغيرا اقضي سَحابة نهاريّ أمام أفلام الأبيض والأسود، يستفزني منظر السَّكران المُستهتر في تَرنحّه ،تقلقني نظرات عينيه الزائغتين ، وشعره الأسود الغارق في بحورِ "الفازلين "مَسدولا فوقَ جَبهتهِ ،مَبعثرا في فتنٍة...
تذكَّر الآن أنَّ له أختا تكبره بأعوامٍ قَلائل ، سَاقَ القدر إليها رَجلا مُسّنا في عمرِ أبيها، لكنَّه طَيّب القلب، وفوق هذا وذاك موفور الثَّراء ، من صِنفِ الموسرين الذين تَربَّوا في العزِّ منذ نعومةِ أظفارهم ، أكرمها غَاية الإكرام ، وأغَدقَ عَليها من مَالِه ما عوَّضها فَارق السِّن ، وأنبتَ في...
اعتقدت أنَّ كُؤوس الحُبّ سَتصفو، وموائد الغرام ستظل قائمة لا تنفض، وأنَّ عهود العِشق والوفاء سَتبقى على حَالها لا تُمس، تَعاهدت هي و”حسن” صغار على الإخلاصِ حَتَّى نهايةِ العُمر ، لم يكتف منها بجَمالها الفتَّان ، ولا ذكاؤها المُتوقِّد ، وحِرصها على أن تُعمِّر بيته بخيراتٍ الدُّنيا تُعَاونه على...