اتفقنا سويا على تأجيِل موعد الزفاف لخمس أشهر، طلبت مهلة، تنقصنا بعض الكماليات، ومن الأليق تجهيزها، وافقت على مَضضٍ، جاء حديثها الأخير على استحياء، لكنه حياء بنات الريف المستحب، في حديثها القصير اشعر وكأنني نُقلِت فجأة للفردوس، خمس دقائق كافية للسلام، وسماع صوتها الذي يشبه وشوشة الأمل، تمت خطبتنا...
في لقائنا الأول، ابتسمَ إليَّ كَأنَّه يُطمئنني، امتلأ وجهه الأبيض الُمشرب بحُمرةٍ بفرحٍ متراقص ، زادَ من أُلفته، اشعر وكأنَّما أعرفه منذ زمنٍ، مَدَّ يده مُسلِّما في تَلطُّفٍ زائد، لا أعرف غيره في المكان، بعد عباراتِ التِّرحَاب المتلاحقة، اكتسى وجهه بالجديةِ، قائلا:” هل فطرت؟”، عندها تلعثمت، قبل...
لم تدر “سيدة” أن أبواب السماء مشرعة للمساكين، وأن أيادي المحسنين مأمورة بتأدية نصيبها لنجدة أمثالها، مات “عبدالكريم” وترك لها قبضة من اللحم، وحياة مثقلة بالفقر، وتلك تركة المجهد، عاش زوجها أجيرا ؛ لقمته في ظل فأسه، وهكذا عاش أسلافه في هزال، قنعوا من دنياهم بشربة ماء، وكسرة خبز، وكومة من طين وقش...
ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك
السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد،
تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت
قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه
قدماي أبرم الشوارع ،...
في لقائنا الأول، ابتسمَ إليَّ كَأنَّه يُطمئنني، امتلأ وجهه الأبيض الُمشرب بحُمرةٍ بفرحٍ متراقص ، زادَ من أُلفته ،اشعر وكأنَّما أعرفه منذ زمنٍ ، مَدَّ يده مُسلِّما في تَلطُّفٍ زائد، لا أعرف غيره في المكان ، بعد عباراتِ التِّرحَاب المتلاحقة ، اكتسى وجهه بالجديةِ ، قائلا:" هل فطرت؟" ، عندها تلعثمت...
هذا يومي الأول ، حضرت مبكرا ، وتلك عادة أصيلة لا يأتها غير أبناء الريف ، فتكشف جغرافية المكان ما يشغلني مع البدايات ، بدت المكاتب مقفرة، شاخصة كأشباح نائمة في ضوء خافت، هدوء تام يلف المكان غير حثيث قادم من فتحات التكييف، أزيز لطيف يضخ برودة تلسع جلدي، دقائق وتوافد عمال النظافة في زيهم البرتقالي...
ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد، تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه قدماي أبرم الشوارع ،...
صغيرا كانت أحلامي بسيطة ، لا تتعدى مخيلة طفل نشأ بين حنايا العوز ، تمددت فاستقرت بين جنبات دكان الأفندي لم تتخطاه، اعتلت أرففه العامرة أحيانا، لامست علب من كل صنف وحجم ولون ، يتراقص قلبي طربا لمرأى حبات الملبن ،اتشهاها ،ساعة يقبض عليها الرجل بين أصابعه ،أو حتى حين ينفض يده من بقايا مسحوقها...
بلكنته الصعيدية الزاعقة حياني ، كان أول عهد اختلاطي به ، منذ البداية ارسل نفسه على سجيتها ، تعارفنا، وبدون مقدمات أخبرته بأني قدمت قريبا من مصر، رماني بابتسامة حلوة ، تمددت فوق قسمات وجهه الحنطي العريض ،اهتزت على إثرها غمازتين في خديه ،أجابني وهو يمنحني الباقي :" هذه قطعة الحلوى ، حلاوة الوصول...
الجو اليوم لا يطاق ، الرطوبة تخنق الأنفاس، وتحجب جنين الشمس البرتقالي المتخلق من خلفها بقسوة ،رائحتها تغمر الهواء في لزوجة وعطن منفرين ، في بداية مقدمي للبلد كنت انزعج لهباتها، اتململ أكثر شيء للماء المنسكب دون مناسبة يغرق جسدي ، لكن ومع مرور الوقت اعتدت عليها ، هذا الصباح ركبت الأتوبيس رقم 18...
اجتمع أكثر من رجل في مندرة الحج " سعفان" كبير عائلة "المرازقة" ،امتلأ بهم الكنب، أما " سعدية " فجلست ملتصقة بالجدار، افترشت الأرض مغمومة، لم يبق لها غير فتات الأمل ،قد اعتمدت يدها تسند رأسها المثقل بالهموم التي تخوض أوحالها، توزعت العيون " رمضان الدكش "ابنها الوحيد، ساد صمت خانق، لكن ورغم جدية...
ظَلَّ عمره يُكابر ، لا يَعترف بَفارقِ السِّنِ بينهما ، هو شابٌ يَافعٌ على أعتابِ الجَامعِة، وهي فتاةٌ غَضَّةٌ لم تُوِّدع سنواتها العشر، ابنة عمه ذلَك الرجل الصَّامت الذي قالَ يوما في حَسم ٍعلى مَلأٍ من الأقاربِ:" هي له وهو لها لن يُفرقهما إلا الموت" ، لا يقبل الرجل رأيا ولا يتراجع عن قَرارٍ ،...
تستقر جلستها أغلب الوقت فوق الدكة القديمة إلى يمين الباب الرئيس، وبيدها فرع صفصاف رخو، تهش به كلاب الشارع ودواجن الجيران، يتحاشاها الصغير ويرهبها الكبير، كلمتها كالسيف لاترد مسلطة فوق الرقاب ، ومشورتها واجبة النفاذ في أمور البيت والغيط" حفيظة " امرأة قاسية ركبت في شخصها شخوصا عديدة، أغلقت عليها...
لم أجد شبيها له في سمرته، تشعر حين تراه ، وكأنه خليط بين السمرة والزراق، مزجا في لمعة أضفت على وجهه مسحة من البساطة والوقار، في هدوء ينزل حمل البطيخ في غرارة كبيرة تدلت من فوق ظهر حمار ضخم ، يستقر في وقفته مطمئنا كصاحبه، على رأس الدرب مكانه منذ أعوام ،لا أذكرها تحديدا يذكرني بها المعلم " نصحي"...