محمد فيض خالد - حِلم الجَعان...

صغيرا كانت أحلامي بسيطة ، لا تتعدى مخيلة طفل نشأ بين حنايا العوز ، تمددت فاستقرت بين جنبات دكان الأفندي لم تتخطاه، اعتلت أرففه العامرة أحيانا، لامست علب من كل صنف وحجم ولون ، يتراقص قلبي طربا لمرأى حبات الملبن ،اتشهاها ،ساعة يقبض عليها الرجل بين أصابعه ،أو حتى حين ينفض يده من بقايا مسحوقها الأبيض الحلو ، في هاته الفترة كان الفقر يلجم أيدينا ، إلا عن قطعة واحدة نحصل عليها في يومنا بالكاد ، كم توسلت في لطف استدر سخاء الرجل ،أن يقبض قبضا يسيرا من ذلك المسحوق ، فيغمسها فيه ، عاملني الأفندي بكرم زائد، تطربه تلك التوسلات ، فينزع ورقة من كراسة قديمة، يلفها بإحكام ، يمس قطعة الملبن مسا خفيفا، بداية ضاق صدري حرجا، لكني وطنت نفسي على تلك الأحلام أهدهدها ،حتى كان اليوم الذي اختصني فيه بالعطية الكبرى ، حيث جعل فتات علب الملبن من نصيبي ،بمرور الأيام انحرف مزاج تلك الأحلام، فجنحت في تطرف ، لتسلك مسلكا وعرا ، لا أعرف سببا لهذا الشطط غير الطمع الآدمي ، عندما يتحول الإنسان من ملاينة الأمل ، لمخادعة النفس.
رأيتني وأنا اهجم بوحشية على الدكان ،فأخلع بابه بضربة واحدة ،لم أجد بأسا من أن افرغ أرففه جميعا في حجري ، في ذلك الصباح أشرقت الشمس سريعا على غير عادتها، وكأنها تسخر من أحلامي ، مررت يدي فوق فمي سريعا ، انفض عنه بقايا الغبار الأبيض الحلو ، انقبض صدري ، مع تأرجح صوت الأفندي في الخارج، هذه وصلة عراكه الصباحي المعتادة، يلعن ويسب الشارع وأهله وكلابه ، التي تعودت قضاء حاجتها أمام عتبته.
مبكرا زحف الصلع فالتهم مقدمة رأسي ، بعد عام من غربتي ، لم يمهلني طويلا كغيري من البؤساء، تحولت جبهتي لأرض ملساء ، بلاطة حمراء يحوطها شعر أسود ناعم، لم يكن بالأمر الهين على فتى درج على أن يكرم شعره، كمظهر من مظاهر التأنق والجمال ، طالبت حلاقي الهندي على استحياء أن يجهز عليه ، أن يجعله في مستوى واحد فذلك أليق ،داومت على شراء دهانات الشعر ، ابقيها لأجل معلوم ، ريثما أهديها للأصدقاء ، لم تفسد سريرتي، ولم يداخل صدري يوما عوامل الحقد ، لم احسد أولئك الذين أبقت الأيام على شعورهم فوق هاماتهم لم تمس ، اضحك ملء شدقيَّ لحظة أقف مقابل المرآة ، أمرر يدي فوق ناصيتي الخالية ، لم يخطر ببالي يوما ، أن أصبح من أهل الصلع ، مؤخرا أصبحت ألعوبة في يد الأحلام ، تزيد من تسليتي في هذا المصاب ، رضيت منها بالوهم ، في عالم الأحلام يعود شعري هفهافا ، تتلاعب به نسمات الهواء، وكأن الله يرفق بي ، في وشوشة الأمل حتى وإن كان حلما..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى