محمد فيض خالد - الآن وقد علمت...

ما إن تنقضي صلاة الجمعة وينتشر الناس في الأرض، إلا ويطاردني ذلك السؤال الملح في تبجح منذ شهر؛ عن الخليط البرتقالي وأكياسه تملأ كل يد، تغافلت تغافل المضطر، فقد أوكلت أمره للأيام ،مر شهر بالتمام منذ وطأت قدمي هذا السكن ، هنا استقر بي المقام بعد عناء بحث مضني، اهترأت منه قدماي أبرم الشوارع ، وللحقيقة فصاحب البيت رجل طيب، دمث الخلق، لكن عيبه الوحيد، تلك الضوضاء التي تشب نيرانها ليل نهار، ضجيج أولاده المنفلت ، لا تخل ساعة من عراك ، ناهيك على وصلات ردح مسائية ، بطلتها زوجته سليطة اللسان، لا تزال تطوف بمخيلتي ذكرى أسبوع كئيب أمضيته في ضيافة أحد الأقرباء، جلف بخيل، استوطن منذ سنين غرفة فوق سطح بيت ريفي متواضع ملاصق للمدينة، اكتراه بقروش زهيدة من فلاحة عجوز ، طال عليه الأمد ، حتى ألف الأهالي سحنته، ما إن يذكر اسمه " الشيخ رمضان فرج " إلا وترميك العيون بشرر ، هو سمسار، ودلال ، وعرضحالجي ،لا أذكر بالتحديد متى قدم لأسيوط طالبا في جامعتها الأزهرية ، لكن ما اعرفه أنه رضي بمعيشته ، فاستمرئ الرسوب حتى خرج من ذاكرة القرية ، بيد أنه أفلح في ترضية والده بحيلة شيطانية ، اكره الرجل عليها إكراها، جنيهات يدفعها إليه مكرها على حين فترة ، لتتبدد في نفس الأب المسكين آمالا ظل يهدهدها لسنوات ؛ منى نفسه أن يرجع بالشهادة ويصبح واعظا للمركز كما حلم ، يتندر " الشيخ رمضان" في جلسات أنسه، وسط شلته على وقع تلك الأحلام ، تتعالى قهقهته ، يكركر الجوزة ، يدفع أنفاسه في ثورة ، تلفه سحب دخان كثيفة خانقة ، يهلل بصوت عال : " واعظ المركز حتة واحدة ، مدد يا شيخ رمضان ".
نشبت بيني وبين صاحب البيت صداقة توطدت أواصرها بمرور الأيام ، الحاج " رجب المنفلوطي" طيب المعشر، حاضر الفكاهة ، يغيب في ضحكة طويلة يحمر لها وجهه الأبيض المشرب بحمرة ،ورثت ابنته الوسطى " سعاد " تلك الملامح البريئة ، لا أعرف كيف تسللت إلى قلبي ،ربما اغرتها صداقتي المتينة مع والدها ، لا انكر كلفي الشديد بها، ينتابني الارباك حين رؤيتها ،لحظة تتلاقى العيون ، فيتصل الصمت ، ليمتلئ قلبي من بعدها بالرضا والابتهاج ، تخطفني مشيتها ، وهي تخطر خفيفة رشيقة كفراشة ، تسير وكأنها تمشي في الهواء.
على غير موعد ولأول مرة ، ألح الرجل علي في رفق؛ أن ارافقه بعد صلاة الجمعة لتناول الغداء ، شجعتني نظرته المشبعة برغوة الود ، قدرا كانت " سعاد " في استقبالنا عند الباب ، على استحياء لمعت عيناها، ألقت بهما مرحبة، لم انتبه من قبل لصفائهما ، لخضرتهما الزاهية كمرج متلألئ ، تحولت بوجهها المحمرة جانبا ، لتغرق شفتيها بلعابها في ارتباك، دفع الوالد إليها بكيس برتقالي من تلك الأكياس، على الفور باغتنا صوت الزوجة من الداخل في لكنة صعيدية جافة ، تغلفه خشونة لا تليق بأنثى ، لترفع عقيرتها دون تورع بالسباب ، تلعنهم وتلعن أسلافهم بأقذع الألفاظ، زاغت عينا الرجل ، طفق يلوح بيد مشمئزا، يدمدم بصوت خافت مشروخ :" يا لطيف يا رب" ، في غرفة جلوس جانبية استقرت جلستنا ، عبثا حاول الرجل إخفاء كآبته وسط دخان سيجارته المتناثر ، غام في تفكير طويل متناسيا جليسه ، بعد برهة أفاق من ثباته مرحبا في بشاشة طفل برئ ،تكشف الغرفة العتيقة أمامي عن لوحة كئيبة، براويز خشبية حشرت فيها صور متربة بالأبيض والأسود ، ازدحمت بها الجدران ، نساء أغرقت عيونهن بالكحل ،يتمدد في وجه أبيض استدار من تحت غطاء رأس شفاف ، وجوه رجال ممصوصة بنظرات متعالية برزت شواربهم مدببة الحواف كالحراب ، تلهيت قليلا في فك طلاسم لوحة كبيرة توسطت الحائط، زينتها آيات قرآنية وأدعية ،كتبت بخط متداخل على هيئة أوراق شجر ، وحبات الفاكهة ،لا اعرف كم من الوقت قضيت على تلك الحالة من الاستغراق ،انتزعني صراخ طفل صغير، جاء مسرعا ، التصق بجانب الباب ، قائلا في إيجاز:" الغدا جاهز" ،هرش الرجل ركبته واعتدل في بشاشة ، انحرف ناحية الجدار التقط الطبلية ، ثوان وامتلأ خشبها بأطباق شهية ، تصاعد بخارها في سلوك منتظمة كأروع ما يكون، تربع الجميع في تحفز، تسابقت الأيدي متصارعة تحصد وتلقي ، تطحن الأفواه في نهم مخيف ،عاود الرجل ترحابه بحروف مبهمة ، بعد أن حشر فمه بالطعام ، هززت رأسي في رضا، فشلت أن اخلع عن نفسي وقارها المفتعل لمجاراة من حولي، اتابع الأيدي ترتفع وتنخفض في حمية، تمزق ،وتغرق ، وتحشر، قرب صاحبنا طبقا صغيرا، يزهو بصفرة ملفتة ،اغرقت الوجوه ابتسامة مطمئنة ، حركوا رؤوسهم في احتفاء، اقتلعت لقمة ، دسستها في بطن الصحن ، وألقيتها في فمي سريعا ، لحظتها أضاءت الدنيا في عيني ببرق خاطف ،توقفت أسناني عن المضغ ،لتلتصق اللقمة بسقف حنكي ،حاولت زحزحتها، احراجها ،لكني فشلت ، قرب الرجل رأسه مني ، قائلا في انشراح:" مية الملوحة تفتح النفس ، دي شفا ، أكلتنا كل جمعة " ، رفت روحي كطائر حبيس ،امتلأت خياشيمي بزفرة نتنة ،آثرت الصمت، حاولت افتعال الوقار، لماذا يعاودني الآن هذا الشعور السخيف ، أن الرجل قد مكر بي ، التفت الأبالسة من حولي توسوس بوقاحة ،أن اطلق ساقي للريح ،انزع نفسي من هذه الورطة ، بعد قليل انفتلوا من حولي تباعا ،وهم يرددون :" أنت مش غريب" ، أخيرا تنفست الصعداء، شعرت ببرد الراحة، أخرجت اللقمة وألقيت بها من الشباك.
تلاحقت أكواب الشاي تعبق برائحة النعناع ،بدت الأحاديث باهتة من حولي، بعد هنيهة طلبت الإذن بالانصراف شاكرا كرم الضيافة ،وفي رأسي أزيز لا يحتمل ، يتأرجح الطبق الملعون بخليطه البرتقالي بلا توقف ، لكني بدأت استرد حظا من رشدي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى