محمد فيض خالد - بقالة بستان الصباح...

بلكنته الصعيدية الزاعقة حياني ، كان أول عهد اختلاطي به ، منذ البداية ارسل نفسه على سجيتها ، تعارفنا، وبدون مقدمات أخبرته بأني قدمت قريبا من مصر، رماني بابتسامة حلوة ، تمددت فوق قسمات وجهه الحنطي العريض ،اهتزت على إثرها غمازتين في خديه ،أجابني وهو يمنحني الباقي :" هذه قطعة الحلوى ، حلاوة الوصول بالسلامة "، شيعته مبتسما ، الدكتور " أحمد" هكذا اطلق عليه زبائنه ، خمسيني ، ربع الجسم ، قصير القامة، هادئ الطباع ، قليل الكلام دائم التفكير، هو صاحب البقالة الوحيدة المعروفة باسمه ، رغم أن يافطتها تحمل اسما مغايرا ، بقالة " بستان الصباح " ، صباحا يعمل كاختصاصي للأشعة بالمستشفى الأميري ، سألته ذات مساء :" متى قدمت؟" ، تنهد مشرئب العنق ، رمى بطرفه ناحية السماء ، غاب قليلا قبل أن يخرج تنهيدة حارة ،لحظتها شعرت بالحرج، تمنيت لو جعلت للساني لجاما من نار، تبسم وهو يواري وجهه بعيدا ولم يجب ، لم ارجع ثانية لسؤاله ، اكتفيت بكلام من سبقني ، لقد هرب من ثأر قديم ، لا ذنب له فيه ولا جريرة ، داهمته السنين في غربة بغيضة، في كل عام يستقدم زوجته وأبنائه ، هي ابنة عمه ، اكتفى مكرها بهذه الأيام.
بمرور الوقت ، توثقت الروابط بيننا ، يلتمس في صداقتي كل وسيلة ، يتعجب الرفاق لفرط حفاوته حين يلقاني ، يوسع لي ، يغرقني ببحر من التحيات لا ساحل له ، كان الرجل على قدر من الديانة ، مع صوت المؤذن يسابق الخطى للمسجد ،وكأنه يلتمس مخرجا لبؤسه ، خلاصا من الكابوس الثقيل الجاثم فوق صدره ، في جلسته لا تنفك عنه مرارة السخط ولذع الألم دقيقة ، فلا يكاد يبتسم حتى يغشاه البؤس ، حتى فكاهته باهتة لا طعم لها ، تتركه بعدها مبهوتا حائرا، يطبق شفتيه وكأنه يلح على جليسه ، أن يتركه ليخلو بنفسه ، كان الرجل من أولئك الذين وثقوا بأن نصيبهم من الحياة الكدر والحرمان ، اعتدت التردد عليه ، ففي نفسه سر يستحق أن اتتبعه ، هل هو الفضول ، أم التسلية والفراغ؟ ، لا أدري، ما إن اعود من عملي حتى أهرول إليه ، نصحني أكثر من مرة بعد أن تبدلت أحوالي غير الأحوال ، أن اعجل بالزواج ، كان الأمر وكأنما يدور برأسه ، مشغول به لدرجة ، لكن مثل هذه الأمور متروكة عندي للنصيب ، حدثته عن أحلامي المؤجلة ، أن يصبح لي بيتا تحيطه حديقة صغيرا ،عن شجيرات الريحان والبرتقال والليمون ،جمح به الصمت حد الشرود ، تندت أهدابه ، قال في تهالك:" كانت أمانيَّ يوما ، أن ابتني دارا تسع أسرتي ، الزوجة والأبناء ، أمي العجوز أخوتي الصغار، ولكن..." ، تلعثم قليلا، هرش رأسه وكأنه يستعيد وعيه الغائب ، أدركت أن الرجل بارع لدرجة في مصانعة الظروف ،يضحك لأجل الضحك ، ويبكي لأجل البكاء ، أخرج لي ذات مساء من جيبه صورة لفتاة بارعة الحسن ، فاتنة الطرف ساحرة الظرف ، قال بنبرة فخر :" ما رأيك في هذه العروس ، جميلة ، أليس كذلك؟ ، من بيت طيب ، اعرف عائلتها ، ولدت بالكويت وتعلمت ، هي الآن مدرسة بمدرسة حكومية ، راتبها وراتبك يضمنان لكما حياة هانئة " ، قلبت الصورة مرارا ، لكني لم اجبه ، لم أذمها أو أمدحها.
أرقت ليلتي ، قضيت ساعاتها، اتقلب على جمر التفكير ، في قرارة نفسي لا أجد لكلامه صدى في نفسي ،كانت الشمس تنحدر لمغربها متكاسلة ، تجرر ذيولها البرتقالية الدامية حين قصدته ، يجلس على كرسيه الخيزران كالعادة ، ما إن لمحني حتى هز رأسه في ترحاب، امتدت يده ناحية الترمس، صب كوبا من الشاي ، حرك ملعقة السكر ببطء ، لا تزال نفسه مفرقة في خواطرها ، بادلني نظرة ماكرة ، وكأنه يستعلم عن خبر الأمس ، تأخذ الكلمات على فمه روحا جديدا ، اعرف ما يريد ، قال بصوت مختنق:" ماذا عن موضوعنا؟" ، لم اطل الشرح ، لكن الرفض هو ما أعلنته صراحة ، اسلمه كلامي لهم متصل ، أصفر لونه ، أخرج هاتفه وفي اقتضاب أجاب محدثه على الطرف الآخر:" مفيش نصيب" ، في صعوبة انفردت تكشيرة وجهه ، اقبل علي يحدثني وكأن شيئا لم يكن ، اعرف سعة حيلته ، عبقرية تصرفه المذهلة ، في ثوان غير الموضوع ، صمت قليلا قبل أن يقول بصوت مشرق:" أتحبها؟!" ، اجبته دون التفات ": فوق ما تتخيل ، هي ابنة عمتي " ، لفنا سكون لدقائق ، قبل أن أطلب منه إذنا بالانصراف ، في المنزل عاودت التفكير ، أثار فضوله غضبي، تعنته في أمر زواجي ،وبخت نفسي ، عزمت على ألا أعود ثانية لمجلسه ،امتلأ رأسي باللهب ، لابد وأن يقف عند حده ، انشغلت يومي كله ، لم اذهب ناحية البقالة ، بعد قيلولة الظهيرة رن هاتفي ، على الطرف الآخر تأتى صوت أحدهم مخنوق العبرات :" قتلوا الدكتور " ، لم يتوقف الزلزال الذي احدثته المكالمة عن لطمي ، بردت أطرافي حد التجمد ، يعبئ مسامعي ضجيج مخيف ، حاولت القيام ، لكن قدمي خانتني ، ارتميت على الأرض مشلولا ، حاولت التشبث بالجدار لكني فشلت ، زحفت كدود الأرض حتى وصلت للباب ، استجمعت ما تبقى من قوتي ، انزلقت قدمي على السلم ، ارتطمت رأسي بالدرج ، في الخارج بدى الجو كئيبا ، يفيض بالزهق ، تعلق التراب بالجو ، اختلطت به طبقة ثقيلة من الرطوبة تخنق الأنفاس، قابلتني الوجوه ساهمة ، مغرقة في تساؤلها ، جلست قبالة البقالة المغلقة ، طالعت اليافطة لأول مرة ، انطفأ بريقها ، بهتت ألوانها ، تحولت حروفها لخربشة بغيضة ، تقشر الطلاء مزقا ، فاضت من حوافها فضلات الطيور، بدت الواجهة الزجاجية كالحة، جرب زجاجها واتسخ ، تناثرت الصناديق الفارغة في اهمال مستفز ، فتحت الثلاجات في الخارج بطونها ، كأن يدا طعنتها ،تهالكت على نفسي حتى رجعت للبيت ، أمام المدخل التحم معي " الحاج سعيد " النجار في حديث ممل ، فهمت منه بصعوبة ، انهم استطاعوا أخيرا الوصول إليه وقتله ، قدموا من مصر خصيصا لتنفيذ المهمة ، كان الدكتور يشعر بالموت ، اقتراب أجله ، أن أيامه باتت معدودات ،كرهت المكان ، بغضت منظر البقالة التي بدت كقبر مخيف ، مؤخرا زاحمني الرجل في رؤياي ،يقابلني بوجهه النحاسي المشرق ، يبتسم في صمت ، ثم يبتلعه الضباب ،منذ يومين زرت المنطقة ، تغيرت تماما ، أزيلت البقالة مع ما أزيل من بنايات ، لكن روح الدكتور الحلوة حاضرة تهف هناك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى