لايزال صدى صوت الأفندي يتردد في أذنيّ ، وقد تربّع فوق كرسيهِ الخيزران القديم ، يهرش كعب قدمهِ فرِحا نشوانا ، وهو يحكي لي حكايته المُعادة لعشراتِ المرّاتِ ، والتي استجلى منها حكمتهِ المشحونة بالتوريةِ : ماتَ العليل وماء اللّفت له دواء ، يغيب الأفندي في ضحكتهِ التي تناثرت نهنهتها فيما يُشبه البكاء...
ما إن يؤذَّن للصّلاةِ ؛ حتى يتعكّر مِزاج الأفندي ، بعد أن شرعَ في إدارةِ يد " طولمبة" المياه التي تتوسط بيته العامر ، يُحرِك يدها في عصبيةٍ زائدة ، وقد احمرّ وجهه ، وانتفخت أوداجه ، يظلّ في برطمتهِ لدقائقٍ ، حتى بعد انتهاءِ الأذانِ..
يقبض كفه على حفنةٍ من الماء ، ينثرها فوقَ وجههِ...
تُشرِّقُ الشّمس في كُلّ صباحٍ على القريةِ ، وما أكثرَ إشراقها ، لا شيء يتغيّر تحتَ قبةِ السّماء ، في هاتهِ السّاعة ينهض القوم من مخادعِ أحلامهم الوردية، على عصا الخولي ، يدكّ ألواح أبوابهم القديمة التي شاخت ، بعدما رتعت من أثداءِ الفقرِ قرونَ طوال.
يجوب الدّروبَ ، وينعطف في الأزقةِ ، فوقَ حمارهِ...
ما إن يؤذَّن للصّلاةِ ؛ حتى يتعكّر مِزاج الأفندي ، بعد أن شرعَ في إدارةِ يد " طولمبة" المياه التي تتوسط بيته العامر ، يُحرِك يدها في عصبيةٍ زائدة ، وقد احمرّ وجهه ، وانتفخت أوداجه ، يظلّ في برطمتهِ لدقائقٍ ، حتى بعد انتهاءِ الأذانِ..
يقبض كفه على حفنةٍ من الماءِ ، وفي عفويةٍ ينثرها فوقَ وجههِ...
ما إن تشقّق الأرض عن شجيراتِ القُطن ، فتخرج ضاحكة للوجودِ تداعب وجه التربة ، يبزغ نجمه ، يُصبح مقصود الفلاحين ، حتى وإن كرِهوه، يجري اسمه على كُلّ لسانٍ ، فهو مورّد الأجرية من عمالِ "اللطعة" ، ورث المهنة عن أبيهِ ، الذي خدمَ الدوائرِ عُمرا.
ظلّ على فقرهِ المتقع ، فكفّه المخروم لا يسعفه ،...
عالم الأرواح عالمٌ غريب، يضجّ بما يُثيرُ العقول ، ويُحفِّز الخيال ، ويبعثُ على الدهشةِ ، يفق عنده المرء مدهوشا محتارا ، لا يمكنه أن يجزم برأيٍ البتّة ، يطيش العقل الذي لا يقنع بهذا المتّّسعِ الفضفاض أمامه ، يسرح ويجول في مشاهداتٍ الجزم بماهيتها ضربٌ من الجنونِ .
وفي الرِّيف ، وفي أيامهِ الخوالي...
ظللتُ أرقبُ القوافلَ العائدةَ من هذا الطريق عُمرا ليسَ باليسيرِ، حتى بعد أن كبرت ، أرى في وجوهِ الرِّفاقِ الذين سلكوا هذا الدّرب ، الجَسارة والإقدام ، وفي قلوبهم القوةَ والحزم اللذان حُرِم منهما كثير من أبناءِ جيلي وأنا منهم ، لم يكن لنا من نصيبٍ ، لنخوض غمار التجربة ، ظلّ النّاس في قريتنا...
أخيرا قطع المسافة التي تفصل ما بين قريته والطريق العمومي على خير ، وصلَ قريته مهبط رأسه ، أخذ نفسا عميقا بعد أن أطلّ بوجههِ من النافذةِ الأنيقة ، توقفَ بسيارتهِ الفارهة التي اشتراها مُؤخراًعلى مشارفِ القرية ...
مدّ يده وأمسكَ قطعةً من القماشِ المُعطّر ، مررها فوق جبهتهِ التي تلألأت فوقها حبات...