محمد فيض خالد

هناك في أعَالي التِّلالِ التي استقرّت أزمنةٍ طِوال لا يُعلم عددها إلاّ الله ووسط حقولِ الرِّمالِ الصُّفر القاسية ، يشخص عن بُعدٍ كَمعبدٍ من مَعَابدِ الآلهةِ العِظام ، مهيبا في قداستهِ ، شامخا في بناءهِ القديم ، يُغَلِّفه رونقٌ يا طالما انشرحت لمرآها الصّدور ، واغرورقت لجلالهِ العيون ،...
لم اتعلّق بشيءٍ في حَيَاتي كتَعلُقي باِلمدرسةِ ، أحببتها ومَنيّت النّفسَ بِها قَبلَ أن اعرِفَ ما الدّرَس وما الطَلب ، كنت في صِغري أُفضِل الجُلُوسَ في مَدخَلِ قريتنا ؛ لأرى أبناءَ البلد من طُلابِها وهُم في طريقهم إليها ، لا أعرِفُ مِن دُنيا الطَّلَب وحياةَ المدرسة إلا تِلك الدقائقَ ، اعتِبُ فيِ...
تَلحظه عينك لأولِ وهلةٍ ، عَجوزا يتبختر في زيهِ العَسكري الكالِح ، مُتباهيا بجَسدهِ الفَارِه الخَشن ، وملامحه الصَّارمة ، ووجهه البَاسِر الصّلد ، تَتهيّب طلّته العيون ، يرن صوته الجَهوري القَادِمُ من أغوارِ جُبٍّ سحيق ، في قَسوةِ الموتور ، مُحذِّرا أرباب الدّور الفقيرة ؛ من التمادي في السَّهرِ...
ما إن ينثر الصّباح نورهُ في الأُفق ، فتنفض القرية عَنْها أنفاس المَساء ، التي لا تزال تسري بين دروبَها الضّيقة ، حتّى تنبعث رياح رخية ، تتهادى من الحُقولِ القريبة ؛ مُعلِنة تشوّقها لزوارها الجُدد من أبناءِ الكدّ . تتناثر قطعان الماشية في فوضى فوقَ الجِسرِ ، ومن خلفها العِصيان تلهب ظهر المُتكاسِل...
هذا أوانُ امتلاء حقول البرسيم بتيجانِها البيض ، افَاحَت الرِّيحُ السّاخنة رائحة زهَراتها النّاضجة ، وتِلكَ أمارة نعرِفُ بِها أن نهايتها قد أزفت ، ما إن يخطو اللّيل خطوة جديدة نحو الصَّباح ، إلّا ويعبِّق الدَّرب رائحة لا اجهلها ، تتهادى رخيّة ، تتلاقى وغناء الكروان الطّروب ، المُلازِم لشجرةِ...
أخيرا بدأ الطّقس في التحسُّن ، وأخذت الدُّنيا تنفض عنها وهج النّهار المُحتدِم ، ما أطيب السّير وقت الأصايلِ ، حين تجد الرّاحة سابغة تستفزك للتنزهِ ، ها أنا اتخذ وجهتي _كعادتي_ صوب الحقولِ ، لكن شيئا من وطأةِ الهجير لا يزال قابضا على كُلّ شيء ، أجده في أنفاسي المكروبة تُغالِب الاجهاد ، وقدمي...
مضت الأيامُ كعادتها ، ناسخة ظِلال الرّبيع الهانئ ، ورونقه البديع ، مُؤذِنة ببوادرِ الصّيف المُضني ، حينئذٍ تَعوم القرية وسط أهراءِ التبِّن ،تتلاحق الحَمير تحمل أثقالا من " زكائب " القمح ، وتِلكَ لعمري من رَزَايا الدّهرِ التي تحِلّ بِنَا قريبا ، اعتدت كغيري من أبناءِ الطّينِ ؛ أن نحسب لهذهِ...
في بَواكيرِ شبابي ، كُنت انتظر مَقدِم الرّبيع ، انتظار القروي السّاذج ، اختلِف إلى الحقولِ ؛ خِلسة اترقّبُ الأُفق الممدّد فوقَ بساطها المموّج ، بخضرتهِ السُّندسية المخضلّة ، وكأنّني ارقب ميلاد الحياة ، تنتابني هزّة اندفع ساعتئذٍ اطالِعُ في اجلالٍ الفضاء الوليد ، حين تَشعّ فيهِ بوادر السّكينة...
يبدو قويّا كغصنٍ شامخ مؤرِق ، يَفوقُ أقرانه مُنذ كان صبيّا ، يتبع خطوات أمه ، شبّ وترعرع لا يعرف والده ، يخفق قلبه في جزعٍ ، كلّما تذكّر ، سُرعَان ما يتلهى في كِسرةِ الفطير التي تخرجها الوالدة من تحتِ خمارها ، ينزوي بجوارِ الحَائِط ، والحُزن يحزّ قلبه الغَضّ حَزّا ، يتنهد مِنْ صدرٍ ثقيل ، يلقي...
دقائقٌ ويطلّ اللّيلُ بجناحيهِ ، يُخيّمُ الظّلامُ المُوحِش مُقتَحِما سَماءَ قريتنا ، يُرسِلُ المساءُ سجوفه المُخيفة ، حينئذٍ تدبّ الحَياة في جَسدِ اللّيلِ المُسجّى بين طياتِ الأفق ، نشعر وكأنّ أغلالا آخذة بأعناقنا ، وقشعريرة تتمشى في أعصابنا المُهتزة ، ينقطع اللّعب ، لنطُالِع من الجانبِ الشَّرقي...
آتاهُ الله بسطةً في الجِسمِ ، وخمولا في العقلِ ، فرأسه الضّخم المكوّر فوقَ كتفيهِ العريضين المُكتنزين لحما ، لا يفرقه كثيرا عن هيئةِ الثّور ، وكأنّما الغباء المُستحكم استخلَصهُ لنفسهِ دونَ سواه ، وعلى قدرِ ذاكَ الغباء ، ينزحُ بهِ الطّمع كُلّ منزعٍ ، حتى ابتنى لنفسهِ قصورا من الجَشعِ ، مثلهُ...
فوقَ الرّصيفِ ، جَلَست تَجترّ همومها في صمتٍ كصمتِ الموتى ، ليست كأترابِها اللاتي تناثرن بين الطُرقاتِ ؛ يَعتَرضن المَارّة ، في سَخفٍ واِلحَاح ، من بعيدٍ تلتمعُ عيناها كقطرِ النّدى الوضّاء ، رغم اسمالها المُهلهلة ، تستجلي من الوهلةِ الأولى أنقاض نعمة عابرة ، وبصيص من كرامةٍ ذاهبة ، رأيتها لأولِ...
لم تكن مجَرد فتاة ريفية عادية ، ابنة لقرويٍ فقير ، امتهن صناعة الفَخَار ، يعيش وأبنائه مما يحصل بكدِّ يمينهِ، وعرق جبينهِ ، لا يملكُ من حطام دُنياه الخانقة ؛ غيرَ حمارهِ الهزيل ، وأسماله البالية المُلطّخة بالوحلِ ، يتلهّى عن أثقالِ الشّيخوخةِ والفقر بالأمانيّ ، أن يحفظَ الله صغاره ، فيجعل حظّهم...
لايمرّ عليّ يوم دون أن اُطالع شبحه الفضيّ المُنساب يترامى عن بُعدٍ ، تتلألأ قطرات ماءه العذب ،و تنساب أمواجه الرقيقة في صفاءٍ ورونق ، يسرّ الناظرين ، كُنتُ صغيرا اشاهد من فوق سطح بيتنا القديم خياله ، اتسائل في دخيلةِ نفسي مُقشعرِا في وجل: تُرى إلى أين يتدفق هذا السّيل العرمرم ؟! . ما أشدّ...
يُقسِمُ بأغلظِ الأيمان غير حانثٍ ، إنّه لا يستطيع المرور بينَ الأزقةِ ، بعد " المغربيةِ" من رائحةِ البخورِ ، الذي تتلاقى خيوطه فوق الرؤوس ، فتبدو كذيولِ الأفاعي ، جرّه شكٌ مظلم يتخبّط فيهِ لا يقوى على ردهِ ، يمسك برأسهِ الثائر بين كفيهِ، واليأس يضعضعه ، تثور في دمهِ حمى لا يجد دونها مَصرِفا ،...

هذا الملف

نصوص
125
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى