محمد فيض خالد - الهلفوت.. مشاهد ريفية

تعوّدت الدّروبِ سحنته ، كما ألِفت الأزقة خياله الباهِت، اتحد بذراتها حتى صارَ جزءا منها ، ترِن ضحكاته السّمجة ليل نهار ، تتخللها كنعيقِ البوم ، أينما سَارَ تُساوره الظّنون والرِّيب ، دائم الشكاية من تصَاريفِ الأيام ، فهي لا تعرف سواه فقرا ومسغبة، يلهث مطرودا خَلفَ عبق الشاي المطبوخ ، يتسمّع صهللة كؤوسهِ ، و يطرب لنغم أجراسها، فكأنّها خلبت لبّه ، وسلبت فؤاده .
أدمنها هي والدخان معا ، حتى ظنّ لمن يعرفه ، كأنّما خلطت بدمهِ ، وتمشّت في عروقهِ ، يعرض نفسه على النّاسِ بصفاقةٍ وصلف ، تماما كما يعرض على مجالسهم ، محاسن كلامه ، ووصفه الرشيق الساحر ، وحديثه الخَلاب ، يتفنن في ضروبِ الاضحاك والتفكيهِ ، والتي هي بالهزلِ اشبه منها بالجدِّ ، في احتيالٍ ومكر ، لا يتقي مأثما ، ولا يهاب مُنكرا ؛ يَلوغ ُفي أحاديثِ السَّفاهةِ بلا وازعٍ ، وكأنّه ذئبٌ هبطَ على حظيرةِ ماشية ، لا يُفرِّقُ بين أحدٍ ولو كان أولي قربى ، ما غادرَ مسبّة من مسابِ القرية إلا أحصاها ، يسبك زخرف القول فيسكبه في أذنِ مستمعيهِ نشوةً وصبابة ، تُصافِح رنات صوته، مسامع الكبير والصّغير رغما عنهم ، ينفطر قلبه لرؤيةِ براد الشاي ، وعلب الدخان ، فبعدِ الشّاي لابد من المخمخةِ ، وتلك لا تتأتى بغير سيجارة ، يشعلها في نشوةٍ وهيام ، يُطلقُ وابل دخانها الأبيض من فمهِ مسترخيا ، يُجاهد نوازع نفسه الجيّاشة ، رويدا رويدا ينفض عن نفسهِ كُلّ رزانةٍ ووقار ، حينها يبلغ الاهتياج بهِ مبلغه ، يندفع على عمايةٍ في الحكي ، يغربل القرية بيتا بيتا ، ينفض عنها أسرارها ، ويكشف ما خفي فيها ، يُردّد بصوتٍ متقطعٍ محموم ، عيوب الخلق في ارتياحٍ غريب ، ووجهه هادئ القسمات ، يتنقّلُ في وجوهِ جُلسائهِ ، تومض من تحَتِ جفونهِ المتراخية في انشراحٍ يلهب مشاعرهم ، ويزيد في حماستهم ، وإن كان في قرارةِ نفسهِ يحتقر فيهم هذا الانكباب ، ولكن ما باليدِ حيلة .
باتت أحاديثه مضغة الأفواه في ليالي السّمر ، ينتظره كُلّ باحثٍ عن الطُّرفةِ ، وكُلّ مُتسمّعٍ لفضيحةٍ ، يقصد جمهوره الذي انتظره بشغفٍ ، وحِمية الفضول يأكله ، فما إن يعتلي ظهرَ المصطبة ؛ حتى تتفتح في وجههِ مغاليق الكلام .
ينجذب الجميع في حضرة صاحبنا ، طواعية تتسلّل الأنامل في تراخي ، لتنجذب علب الصّفيح الصدئة من مكامنها ، بين طياتِ الثيابِ ، تُلقي إليهِ ما ادخرت ، تشيعه العيون حسرة وندامة ، فهم أحرص عليها من صيارفة اليهود ، غير أنّ أحاديثِ الغواية التي اعتادوها منه ؛ تجرفهم في تيارها ، فما استطاعوا معها صبرا ، وما استطاعوا دونها مصرفا .
يظلّ الناس في غمرةٍ من أقاصيصه التي لا تنتهي ، يتلاقون في بهجةٍ وائتناسٍ ، تجلجل ضحكاتهم ، وتختلط اصواتهم .
وبعد سويعاتٍ يتراخى الحديث ، وتتباطئ وتيرته ، تتثاقل الأفواه الواسعة فتعجز عن الكلامِ، يلقون بأبصارهم ناحية السّماءِ في تخاذلٍ ، تغشاهم سكرات النوم ، تتعالى أصوات البعض بالتثاؤبِ في نغمٍ متفاوت ، يمسكُ الرجل عندها عن أحاديثهِ ، ويطبق شفتيهِ على آخرِ أنفاسٍ في سيجارته "البلمونت " ، يُرسل دخانها في استسلامٍ ، كما استسلمت من قبل " لمبات" الجاز لأيدي النساء في البيوتِ ، معلنة انتهاء ليلة أخرى من ليالي القرية .



تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى