شريف محيي الدين إبراهيم - وداعا يا صلاح...

لم يكن صلاح إلا طفلا صغيرا، ولكننا كنا نحسبه كبيرا!!

جعل اعجابنا به يزداد يوما بعد يوم، وهو يحصد الدرجات النهائية في جميع الامتحانات، حتى في مادة الرسم فلم تكن كراسته المدرسية العريضة، إلا عبارة عن لوحات فنية رائعة.
بعد مضى عدة أسابيع صار صلاح قدوتنا جميعا، فهو لم يكن مجرد تلميذ متفوق!!
فهو ليس الأول فقط دراسيا، بل هو نموذج للإنسان المرح الطيب،المتعاون، مع امتلاكه لكاريزما قيادية فطرية ...
في وقت الفسحة، أو بعد إنتهاء اليوم الدراسي يتحلق حوله بعض التلاميذ ليقوم بشرح ما استغلق عليهم فهمه، ويوجههم لكيفية حل بعض المسائل الحسابية وغيره من المواد الدراسية وهو سعيد مبتسم لقدرته على مساعدة زملائه وإزالة بعض غموض اللوغاريتمات العلمية .
كانت أمي تتشاجر معي دائما وهي تطالبني بأن أحتل المركز الأول على الصف، فهي لا يعجبها تقلبي الدائم بين المركز الثاني و الثالث!!
_لماذا لا تكون الأول؟!
_صلاح هو الأول.
_هو ليس أفضل منك.
وكنت أنظر إليها بدهشة شديدة، ثم أصرخ بها :
_صلاح خارج المنافسة.

في إحدى الحصص الدراسية المملة تعالت أصوات التلاميذ وحدثت شبه فوضى.
لم ينتق المدرس من الفصل كله سوي صلاح، وقام بضربه واهانته بكلمات كان وقعها علينا شديد القسوة.
جعل يسخر من ملابسه الرخيصة، وشكله القبيح وكأنه يعايره بفقره.
في هذه اللحظة بدا لنا وكأننا نشاهد صلاح لأول مرة من الخارج فهو مجرد طفل صغير ضعيف، قصير القامة شديد السمار، نحيف بدرجة مرضية وكأنه يعاني من سوء التغذية .
نحن كأطفال كنا نرى صلاح الحقيقي، صلاح العبقري الجميل، الطيب.
الواقع إننا كنا نراه من الداخل، نرى روحه وشكله الحقيقي، وكم كانت صدمتنا حين جعلنا ذلك المدرس سليط اللسان نشاهده من الخارج...

لم يحضر صلاح ثانية إلى المدرسة!!

تغيب وانقطع عن الدراسة.
وعندما سألت عنه أحد جيرانه، من زملاء الفصل، قال في أسى :
إنه يعمل الآن في أحد الورش، كصبي ميكانيكي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...