شريف محيي الدين إبراهيم - عين صغيرة، ولكنها ترى

لم يكن سامر يعرف متى بدأ الأمر تحديدًا، لكنه يتذكّر أول مرة لمعت عيناه في عينيها، وهو يتهجّى قصيدة للمتنبي.
ميس رهف، معلمة اللغة العربية، كانت تُلقي الكلمات كما لو أنها تنبع من مجرى سري، تسقي أرواحًا جافّة وتعيد للغة وهجها الأول.
في تلك اللحظة، شعر أن شيئًا دافئًا انفجر بداخله، كأن قلبه خُلق من جديد.
لكنّ الأمر لم يبدأ من هنا.
بدأ حين خرج إلى الدنيا وهو يصرخ، بينما كانت أمه تسلّمه الحياة وتودّعها في آنٍ واحد.
ماتت أثناء الولادة، والدماء لم تُمسح عن جسده بعد، حين بدأت الهمسات: "نذير شؤم... قتل أمه بقدومه."
أبوه، مذهولًا، لم يقوَ حتى على لمسه.
أهله غرقوا في شجار مع الطبيب، بعضهم صرخ، بعضهم لطم، ثم تركوه هناك، في المستشفى، ملفوفًا في قماشة، لا يعرف صدرًا ولا حضنًا.

بعد ساعاتٍ طويلة، عادت خالته، وأخذته.
قالت لزوجها:
ــ يومين بس، لحد ما أبوه يفوق من الصدمة.
لكن زوج خالته كان رجلاً قاسيًا، جافّ القلب، بخيلًا حتى مع أولاده.
نظر إلى الطفل وقال:
ــ ده حيشقينا. مش مسؤوليتنا.
في الليل، كان بكاء سامر يملأ البيت، يوقظه من نومه، يشقّ الصمت كندبة قديمة.
وفي الصباح، كانت خالته تبكي، ترجوه:
ــ بس يوم كمان... لجل خاطر أختي.
ويمرّ اليوم، ثم الثاني، ثم سنة كاملة.
وما حدث بعد ذلك بدا كمعجزة صغيرة في عالم لا يؤمن بالمعجزات.
ذلك الرجل القاسي تغيّر.
أحب سامر، لا بل تعلّق به أكثر من أولاده. صار يحتضنه دون أن يقول كلمة، ينظر إليه وكأن فيه شيئًا يخصّه، أو يشبهه كما لم يشبهه أحد.
مما أثار تعجب الجميع.
وعندما مات، اكتشفوا أنه كتب في وصيته أن سامر له مثل أولاده، في البيت والأرض وكل ما ترك.
ولم تمرّ شهور حتى لحقت به خالته، وتركته وحده... مرة أخرى.

لكن سامر لم يعد كما كان.
كان قد نضج في حضن الألم، وخرج منه طفلًا طيّبًا، حنونًا، متفوّقًا، محبوبًا من كل من حوله.
حتى أولئك الذين تشاءموا منه يومًا...
نسوا كل شيء، وصاروا يفاخرون به.
ولكن سامر ظل يتأرجح في فراغٍ صامت، بلا أمّ حقيقيّة، ولا بديلة.
لا رائحة صدر، لا يد تحتضن، لا ذاكرة حقيقية تقيه برد الوحدة.
كبر وجرحه ينمو في صمتٍ مُهذّب، كأن قلبه ملفوف بشاشٍ أبيض، لا يمسّه أحد.
حتى جاء يوم حصة ميس رهف.
وجهها، دفء صوتها، حضورها، أيقظوا ذاكرته الخامدة.
امتدّت بينه وبينها خيوط غير مرئيّة، كأنها طوق نجاة ألقاه القدر في لحظة غرق.
صار يراقبها، يحفظ صوتها، يرتّب يومه على جدول حصصها، ويختبئ خلف أعذار الدراسة ليظلّ قريبًا.
كانت نظرة منها تُضيء ليله، وكان غيابها كسوفًا داخليًا.

ثم ظهرت ريم.
لم تمشِ إلى المقعد، بل كأنها خرجت من حُلمٍ ناعمٍ كان يسكن عينيه، أو من طيفٍ نسي أنه رآه ذات ليلةٍ بين النوم واليقظة.
جلست خلفه بهدوء، لا صوت لخطواتها، كأن الأرض تمهد لها طريقًا من الصمت.
كانت ترسم وجوهًا مجهولة.
سقطت ورقة، ناولها إيّاها.
على الورقة، وجه امرأة... عيناها كعيني ميس رهف، لكنها تبتسم بحزن.
ــ دي مين؟
نظرت إليه بنظرة شاردة، كأنها تراه لأول مرة، ثم همست:
ــ مش عارفة... يمكن واحدة بنشوفها ومش بنشوفها.
ــ تقصدي إيه؟
قالت بصوتٍ أشبه بذكريات:
ــ في ناس وجودهم كبير جوا دماغنا، بس مش حقيقي زي ما بنفتكر.
إحنا اللي بنكبّرهم... عشان إحنا صغيرين جوا نفسنا.
كأن جدارًا داخله تشقّق.
لم يفهم كل كلماتها، لكن شيئًا قد انكسر... أو انفتح.
في البيت، لاحظ والده يوسف صمته الجديد.
ــ لسه شايفها في نومك؟
ــ أوقات.
ــ ولسه قلبك بيتعب؟
ــ أقل شوية...
قال يوسف:
ــ الجرح اللي جوه قلبك مش هيتعالج بحدّ... لازم تبص فيه بنفسك.
في تلك الليلة، انسكب.
حكى عن كل شيء.
عن أمٍ ماتت قبل أن تراه.
عن مستشفى بلا دفء.
عن بكاءٍ ليليّ.
عن رجلٍ قاسٍ تحوّل.
عن موتٍ مفاجئ.
عن حضنٍ غاب حين بدأ في التعود عليه.
انقطع سامر لأيامٍ عن المدرسة، ثم عاد إلى الفصل.

جلس، استمع، كتب، ثم التفت إلى ريم.
كانت ترسم وجهًا جديدًا.
ــ مين ده؟
ــ شكلك وانت بتفكر.
ــ شكلي؟
ــ آه، لما بتسرح في اللي جواك.
نظر في عينيها، كأنها مرآة جديدة...
لا تعكس ماضيه، بل بداخله هو.
ابتسم. ابتسامة خفيفة،
لأوّل مرة، شعر بأنه لا يبحث عن أحد.
يكفي... أن يكون هو.
لكن في تلك اللحظة، دخلت ميس رهف إلى الفصل، وكأنها كانت هناك طوال الوقت، لا تراه، لكنها موجودة.
كان حضورها طيفًا، كأنها الضوء الذي يرسم الحواف لكنه لا يقترب.
سار بعينيه نحوها، وأدرك أنه كان يشعر فيها بمفرداته الداخلية، بأعماقه، بكينونته، فيها كان يكتشف نفسه أكثر وأكثر.
وفي لحظة صمت، لمعت عينه.
لا من حزن، ولا من افتقاد، بل من حضورٍ جديد...
وعينٌ لم تَعُد معصوبة.
أما ريم، فقد أصبحت أكثر من مجرد طيف.
بل صارت جزءًا من تكوّنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...