د. محمد الهادي الطاهري - في المقهي القديم...

لم أزر هذا المقهى منذ عشر ين سنة أو أكثر. هو في طريقي إلى وسط المدينة، أمر أمامه كل يوم مرتين أو أكثر ولا أفكر في ارتياده. كيف لي ان أزوره ولم يبق من جلسائي فيه أحد . كان قبل عشر سنوات أو أكثر مجمعا نلتقي فيه كل مساء لنلعب الورق. كنا أول الأمر جمعا من المدرسين القادمين إلى المدينة من أريافها، ثم توسع المجلس ليضم آخرين جذبتهم إلينا أحاديثنا ونكاتنا وتعليقاتنا حتى صار مجلسنا محل مراقبة. عمر النادل هو من نبهنا. قال: انتبهوا إلى ما تقولون فالآذان مصغية. بعض من تسلل إلى المجلس وضممناه إلينا دون احتراس كان من تلك الآذان. شككنا فيه ولكننا لم نقطع الشك باليقين، ظل معنا يراقب لعبنا ويعلق على الخاسر منا وأحيانا ينخرط معنا في اللعبة فنقسو عليه بألفاظنا النابية . ولكن المقهى اليوم خال تمامآ من كل تلك الأجواء .لم ار أحدا من رواده القدامى لا من مجلسنا ولا من مجالس غيرنا. كان الرواد في الغالب من الموظفين القاطنين في الأحياء القريبة منه، من حي الصخرة ومن حي الفراتي ومن حي حشاد، وقلة منهم ياتون من أحياء بعيدة . لم أر وجها قديما. انتابني مشاعر غامضة يختلط فيها الحزن بالغربة بالخوف. أين ذهبوا ؟ هل ماتوا ؟ هل هاجروا؟ هل تسلقوا سلم الطبقات فما عاد المكان يليق بهم.؟أنا أيضا مثلهم. لابد أن أحدا منهم زار المقهى ولم ير وجهي فأنا من القديم واختفيت ولابد أنه فكر في ما فكرت فيه. لعنة الله على الشيطان. لكأس الشاي هذا هذا مذاق غريب. شاي هذا النادل مختلف عن شاي النادل عمر ، وثمنه أرفع كثير. لا يهم . فالوقت غير الوقت والناس غير الناس. وأنا في دوامة الذكريات رأيت وجها قديما.. لا أعرف له اسما، ولا عملا. كل ما اعرفه أنه كان يأتي من حي الفراتي. رجل طويل أشقر يجلس في الركن الأيمن من المقهى وحيدا يدخن ويشرب القهوة ويسعل كثيرا. ولا يعتني بمن حوله. رايته اليوم يعبر الطريق . لم يكن له عكاز عليه يتوكأ، واليوم رايته بعكاز. الزمن يا طويل القامة. لمحني. ابتسم إلي وحياني. وجلس كعادته القديمة في الركن الأيمن من المقهى وظل يشرب القهوة ويدخن ويسعل كثيرا. الحمد لله. لهذا المقهى بعض من ناسه القدامى وإن هرموا. لابد أنه قال في نفسه ما قلته عنه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...