منى محمد صالح - التوقيتِ الأعمى لقوسِ قزحٍ

كان المساءُ أليفًا،
ينسابُ على جفنِ قمرٍ بعيد،
رأيتُني هناك،
أعانقُ دمعَ المرايا
في فجرٍ صادرَتْهُ الذاكرةُ.

تلفظني الفضاءاتُ البعيدة،
والمدينةُ، ربطتْ على كتفيها وشاحًا من ضوءٍ،
نسيَتْهُ الشمسُ على أرجوحةِ السراب،
كأنني نُثارُ اسمٍ
تاهَ في زفرةٍ من ريحٍ عابرة.

استيقظتُ على صوتٍ
كخيطٍ طويلٍ من حزنٍ أزليّ،
يجهلُ تعاريجَ الموجِ الغائمِ في عينيّ.

كنتُ أبحثُ عن نفسي في رئةٍ مهجورةٍ،
تركتْها العصافيرُ معلّقةً على ناصيةِ السؤال،
في تربةٍ نسيتْ ملامحَها،
صوتٌ يُقشّرُ الصمتَ،
ويحفظُ الصدى،
كصلاةِ غريبٍ غائبٍ
في برّيّةِ الوجعِ.

ليالٍ من أكمامِ الوَسَنِ السرّي،
تنسلُّ كأحلامٍ ناعمةٍ من ثقوبِ الضوءِ،
تسرقُ مكائدَ قلبي،
وتضعُ على العتباتِ وردًا من بلّورٍ
يجرحُ أنفاسَ الهواءِ الباردِ.

احمرارُ الخريفِ أعزلُ،
طفلٌ ضلّ طريقَه في الغيمِ،
يَهُشُّ مواقيتَ الريحِ في رأسي،
ويُخبّئُ بكاءَه سرًّا
في هوامشِ القصائدِ.

تتهجّى الفصولُ رحيلي
مثلَ ظلٍّ أفلتَ من لُجّةِ المغيبِ،
نسمةٌ تعثّرتْ بمصادفةٍ نائمةٍ،
عبرتْ من الشمالِ المكسورِ،
قليلًا... قليلًا،
نحو الزوايا المُخفيّةِ في خرائطِ المُنتصفِ،
لم تتركْ لأضلعي
سوى ثلاثيّةِ الأحزانِ،
وارتباكِ اللغةِ.

كان عليّ أن أعبُرَ الماءَ
دون أن يُبلّلني الوقتُ،
هدنةٌ تمشي حافيةً،
على لغةٍ ليستْ لي،
وترٌ تائهٌ، يرتقُ ندوبَ أنوثتِها،
ويبحثُ عن اسمِها...
في آخرِ الحلمِ.

امرأةٌ تُطرّزُ من هشاشتها دانتيلَ الفرحِ،
ترتديهِ سرًّا،
كفَساتينِ طفولتِها،
وشمٌ خجولٌ
يتسلّلُ من ذاكرةِ الضوءِ.

ناديتُكَ،
كأنّما نجمةٌ تُنادي
ظلَّها الأخيرَ في الماءِ.
امرأةٌ تُربّي نعناعَ القُبَلِ،
تزهرُ حدائقُها في إسفنجِ الحُلمِ،
ولا تحفظُ من العشقِ
سوى وَهجَ الدفءِ في عينيكَ.

هل تتذكّر؟
على حافةِ اللقاءِ الأخيرِ،
كيف انكسرنا مرّتَين،
وتدحرجتْ قوافلُ النجومِ من يديك،
كأنّك آخرُ الكواكبِ،
قبل أن تُطفئَ المجرةُ مقلتيها،
ويتوارى بيننا قمرُ الأغنياتِ.

لم يكن الحبُّ مصادفةً عابرةً،
خرجَ عاريًا،
في غفلةٍ أعمتْها الألوانُ،
وغيمةٍ ضلّتْ طريقَها إلى المطرِ.

في عتمةِ الدهشةِ،
امرأةٌ تلتقطُ أنفاسَها جَمرَةً في شظايا الليلِ،
تلمعُ دمعتُها كشقِّ لؤلؤةٍ،
تسندُ حزنَها إلى جدارِ صوتٍ
غابتْ فيه النداءاتُ،
ويتنهّدُ أنينُها سرًّا
بين دهاليزَ
لا يسكنُها إلا أصداءُ القصائدِ المُتعبةِ.

خلفَ رمشي،
نملةٌ، تسيرُ على اسمِها،
لا تدري أنّ الحرفَ المنسيَّ
انزلقَ نهرًا،
مكسورَ الجريانِ،
يتلعثمُ في مدادِ الوجدِ،
في كلّ مرّةٍ تُناديه لهفةُ الأيائلِ...
كأنّ الزمانَ يدورُ على أصابعِنا العطشى
ليُضيّعَها مرّتين!

كنّا فقط...
عاشقَين نُجيدُ ارتكابَ الفرحِ،
نرسمُ بأطرافِ الشمسِ حكايتَنا...
ظلٌّ، يسيرُ بخطًى لا تذكرُ الطّرقاتِ،
أضاعَ غيمَ النّدى
في التوقيتِ الأعمى لقوسِ قزحٍ،
ونسيَ أين خبّأ سرَّه.

أنا التي أسدلتُ غيمتي عليكَ،
كعرّافةٍ تُنقذُ القصيدةَ من بياضِها الفادحِ،
تكتبُ طالعَها على جبينِ الغيبِ،
لترمّمَ نبوءاتِها القديمةَ في وجهِ الريحِ.

كنتُ أُغنّيكَ،
وأتركُ القصيدةَ تتكوّر
كقطرةٍ على زندِ المساءِ،
ثم تنهضُ، بخطى الرعشةِ الأولى،
كأنّها أصابعي، ترسمُ اسمكَ كالندى على زجاجِ الذاكرةِ.

لم أطرُقْ بابًا،
كنتُ أعلّقُ الجهاتِ على مشاجبِ الريحِ،
أُصفّفُ المدى على شالِ الوقتِ،
وأُخبّئُ أقفالَ الصمتِ،
في تنهيدةٍ
انزلقتْ خفيةً من جيبِ المعنى.

لم يكن في صدري
سوى ارتجافِ غيابِكَ،
وقلبي، كرسيٌّ مهجورٌ
في محطّةِ النّزفِ الأخيرِ،
كأنّه وترٌ في الريحِ
ينتظر.

كلُّ شيءٍ كان يشي بكَ،
ارتباكُ أحاديثِنا المسروقةِ،
وجهُ المقهى،
الكرسيُّ الشاغرُ إلّا من أطيافِكَ،
دخانُ سيجارتِكَ،
العالقُ هناك وحيدًا
لم يشفَ من حرائقِ الحنينِ.

أصعدُ وحدي، أُطلّ على وجعي هناك،
شرفةٌ معلّقةٌ في الطابقِ الثالثَ عشرَ من غيابِكَ،
يفيضُ بي الجرحُ،
مالحًا كأغنيةٍ منسيّةٍ.

أنا التي أوهمتْ قلبي بالتحليقِ،
يمرُّ الآن طيفُكَ...
كشوقٍ يُوقظُ المعنى من غفوتهِ،
كلّما وشيتُ اسمكَ في رعشةِ القصيدةِ.

قطفتُ من جبينِكَ،
وميضَ حلمٍ،
وشّحتُ به أصابعي،
حين سقطَ خاتمُ الانتظارِ.

وقلتُ لعصافيرِ الشجنِ:
انثروا عشبَ عطري بين ضلوعِهِ،
وانقشوه في دفاترِ المطرِ،
لكنّهم، كما في كلِّ مرّةٍ،
دلقوا الضوءَ
من نبضي،
يتيمًا.

الطرقاتُ تئنُّ تحتَنا،
ضجيجُ قبلةٍ ضائعةٍ على شفاهٍ شاحبةٍ،
تغفو في زوايا التوقِ،
لا تستفيقُ إلّا حين تُنسى،
مثلَ قلبي،
تساقطتْ عليه الأمنياتُ،
شجرةُ كينا، نسيها الحطّابون،
فانكمشتْ أوراقُها على أوجاعِ العابرين.

وما زلتُ أطرّزُ طقوسَ الاختباءِ
في ثيابِ القصيدةِ،
أبني لكلّ شعورٍ مقبرةً،
ولكلّ ابتسامةٍ
نعشًا من بلّورٍ.

هناك،
في البعيدِ الذي لا تُدركُه المسافةُ،
امرأةٌ أخرى،
تُغلقُ نوافذَ زرقتها
بنصفِ تنهيدةٍ،
تذرُ وصاياها للريحِ،
ثم تمضي،
كخارطةٍ عمياء،
نسيتْ خاصرةَ الأوتارِ.

تشدُّ ظلَّها من عنقِ الغيابِ،
تُكمِلُ رحلتَها...
كأنّ طقوسَ الرحيلِ
هي آخرُ ما تبقّى من ضوءٍ اشتعلَ في جسدِ الحنينِ،
عطرٌ يتأجّجُ في رمادِهِ،
ما زال يحترقُ
في شفتيها...

قل لي الآن:
كيف تعودُ إليّ،
دون أن تنزفَك القصائد؟!

30 أبريل 2025

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...