ميراث القلب

حين ماتت أمّه،
لم يكن قد بلغ السابعة.
ماتت وهو في حضنها،
توقّف قلبها فجأة.
بكى حتى جفّ الدمع في عينيه،
وظلّ ممسكًا بطرف ثوبها البارد لساعات،
كأنّ تمسّكه بالثوب قد يُعيدها، أو يؤخّر الموت قليلًا...
مروان لم يكن يفهم معنى الموت،
لكنه أدرك شيئًا واحدًا:
أنّه يأتي فقط حين يصمت ذلك الصوت الخافت... صوت القلب.
***

ليلى، الشابة الجميلة، تزوّجها أبوه، الدكتور ياسين.
كانت تحمله على ركبتيها، وتمسح على رأسه وتهمس:
"ستكون ابني."
وصدقها.
كان ينام على حجرها، يضع رأسه على صدرها،
يتأكّد أن قلبها ما زال ينبض،
وأنه لن يصمت فجأة، كما صمت قلب أمّه.
وحين مرض، سهرت قربه،
بلّلت جبينه بالماء، ودعت له.
ناداها "أمي" لأول مرة، وخاف أن تغضب.
لكنها ابتسمت، وضمّته، وقالت:
"أنا أمك يا حبيبي."
وكانت تلك أول ليلة ينام فيها دون بكاء.

***

شاكر، شقيق زوجة أبيه،
كان يحضر كثيرًا، يهمس في أذنها،
وينظر لمروان نظرات لا تطمئن.
قال لها ذات مرة:
"ابن جوزك ده ليه نصيب كبير... فكّري كويس.
لما يكبر، هيطالب بحقه.
لو سكتي دلوقتي، هتندمي بعدين."
ارتبكت.
تملّكها الخوف.
ومنذ تلك الليلة، تغيّر شيء فيها.
بعد أن أنجبت ابنتها الأولى، سلمى،
لم تعد تضمّه كثيرًا.
وحين أنجبت الثانية، ندى،
صارت توبّخه على كل صغيرة.
ومع مرور الوقت،
صار وجوده عبئًا غير مُعلن.
كان يقف في الباب،
يشمّ رائحة الحلوى من المطبخ،
ويرى البنتين تضحكان، وتحملان في أيديهما قطع الشوكولاتة.
وحين يطلب شيئًا، كانت تقول له:
"أنت كبير... اصبر."
***

ذات مساء، جلس مروان في الحديقة،
عيناه دامعتان.
اقترب منه أبوه، جلس جواره، وسأله:
– مالك يا مروان؟
– مفيش يا بابا...
– بتحب مرات أبوك؟
– دي أمي...
– طب ليه بتعيط؟
– مش عارف...
أطرق ياسين رأسه،
وهمس:
– سامحني يا ابني...
غصّ بصوته، واحتضنه،
لكنه ظلّ ممزقًا بين ابنه،
وبين زوجةٍ تخشى شيئًا لا يُقال.
***

سلمى، البنت الكبرى، أقربهنّ إليه،
قالت له وهي تحضر له قطعة حلوى خفية:
– مروان، أنا عارفة ماما بتزعل منك ليه...
– ليه؟
– خالي شاكر دايمًا بيقول لها إنك هتاخد الورث.
بس أنا بحبك.
– وأنا بحبك يا سلمى.
– نفسي ترجع ماما زي زمان... كانت بتضحك لك كتير.
ابتسم، ومسح على شعرها، وقال:
– وأنا كمان... نفسي.
***

كبر مروان.
صار طبيبًا، مثل أبيه،
لكنه اختار أن يتخصّص في أمراض القلب...
ذاك الداء الذي سرق أمّه من حضنه.
فرح به أبوه، وبكى وهو يسلّمه مفاتيح العيادة.
ورغم أنه لم يهتم يومًا بالمال،
إلا أن شراكته لأبيه أشعلت نار الغيرة في صدر ليلى.
حين مرضت إحدى البنتين
تكفّل هو بعلاجها.
وحين تزوّجت سلمى،
تحمّل نفقات تجهيزها، وكأنها ابنته.

***

مات أبوه فجأة.
بكى عند قبره،
ثم رفع رأسه... فلم يجد سلمى ولا ندى.
وقف وحده، والريح تعصف به،
كأنها تفتّش في قلبه عمّا تبقّى من حنين.
تلفّت... لا أحد من "أهله"،
ولا أحد من عائلة ليلى.
فقط الحارس، وبعض الوجوه الغريبة، وحفّار القبور.
ضحك ضحكة خفيفة حزينة،
وقال في نفسه:
"حتى شاكر، أشاح بوجهه ومضى،
ولم يضع يده في يدي."
تذكّر كم ناداه بـ"خالي"،
مثلما كانت البنات تناديه.
كان يراه رغم كل شيء... أهلًا، وسندًا،
ورجلًا يمكن أن يُعوّضه عن غياب جدّه وخاله الحقيقي.
وكان يحتاجه...
يحتاجهم جميعًا،
يحتاج أن يشعر أنه ابن حقيقي،
لا مجرد ضيف في بيت أبيه.

والمفارقة...
أنه هو من وقف إلى جوار شاكر حين دخل المستشفى.
هو من هرع به بسيارته إلى الطوارئ،
وجلس بجانبه لساعات.
دفع تكاليف العملية،
وأعطى سلمى المال دون أن ينتظر ردًا.
وحين تعرّضت ندى لحادث،
كان أول من وصل،
حملها بين ذراعيه، طمأنها،
ودفع ثمن الفحوصات وهو صامت.

عاد إلى البيت القديم بعد دفن أبيه.
فتح له الجيران الباب،
حين رأوه واقفًا أمامه كالغريب.
كل شيء كما تركه...
الصور القديمة،
السجادة الحمراء التي كانت تحبو عليها سلمى،
رائحة العطر الذي كانت تضعه ليلى أيام الأفراح.
جلس على الكرسي الهزّاز في الحديقة الخلفية،
حيث كان يجلس صغيرًا في حضن "أمه" يسمع منها حكايات الليل.
وضع يده على صدره،
ثم خرج، وأغلق الباب خلفه.

***

مرّت سنوات.
تغيّرت فيها الوجوه والبيوت.
كبرت البنتان، وانشغلتا بحياتهما.
سلمى سافرت إلى الخليج،
وندى تزوّجت وابتعدت.
حتى الاتصالات... باتت متقطّعة.

ليلى شاخت فجأة.
تقاعدت عن العمل،
ضعف بصرها
وتثاقلت خطواتها.
لم يعد أحد يطرق بابها سوى عامل التوصيل.
البيت الذي كان يعجّ بالضحك،
صار صامتًا.

***

في إحدى الليالي، بعد وعكة شديدة
فتّشت في هاتفها عن رقم يُطمئنها...
فلم تجد سوى مروان.
تردّدت كثيرًا،
لكن أصابعها خانت تردّدها.
– ألو...
– ماما؟
– إزيك يا مروان؟
– بخير... صوتك تعبان، فيكي حاجة؟
– لابَس، قلت أطمن عليك...

في اليوم التالي،
كان عند بابها، وجده مواربا،
دفعه برفق، دخل.
كانت نائمة على الأريكة،
تبدّلت ملامحها، عجوزٌ هرمة،
قد غزا الشيب شعرها،
ترتجف من البرد.
اقترب، غطّاها،
ثم جلس بجانبها.
أمسك يدها التي كانت يومًا تمسح رأسه وتقول: "أنا أمك".
استيقظت، فوجدته قربها.
ابتسمت بضعف:
– كنت عارفة إنك هتيجي.
– طبعًا... مينفعش أسيبك وحدِك.
– البنات مشغولين... مش بلومهم.
الحياة جري يا مروان...
دمعت عيناها، وهمست:
– يمكن ظلمتك... أنا كنت خايفة.
لكن...
صمتت.
وصمت مروان، ثم قال والدموع تطفر من عينيه:
– الحب اللي بيتزرع في القلب الصغير... ما بيموتش.
نظرت إليه بعينين مبلّلتين،
ومسحت على وجهه بأنامل مرتجفة.
– كبرت... وبقيت راجل يشرف.
دكتور كبير، زي والدك.
– كنت فاكرة إن المال هو الأمان ليا ولبناتي!
ضمّ يدها إلى صدره، وقال:
– أنا جيت لك... ومش هسيبك تاني.
مش أنا ابنِك برضه؟
هزّت رأسها ببطء، وقالت:
– لما أبوك مات، حسّيت إني لوحدي.
مروان، أنا بقيت بخاف من النوم...
وبخاف أصحى، ومفيش صوت في البيت.
– مش هتكوني لوحدك. أنا معاكي.
– هتيجي تزورني؟
– لأ... هعيش معاكي.

اتّسعت عيناها بدهشةٍ ممتزجة بامتنان خفيّ.
– بس بيتك... شغلك؟
– بيتي هنا.
وشغلي هظبطه.
إنتي أمي، وأنا اللي محتاجك... مش إنتِ.

سكتت، ثم همست كأنها تخاطب الزمن:
– كنت فاكرة إني هموت وأنا لوحدي...

جلس على الأرض،
ووضع رأسه في حجرها، كما كان يفعل صغيرًا.
ارتجفت يداها، وربّتت على شعره، ثم بكت.
قالت وهي تختنق بالبكاء:
– كنتُ أُحبك، يا ابني... والله كنتُ أُحبك.
لكن لما خلّفت، قلبي اتقسم.
وما عرفت أظلم أولادي...
ولا أعدل بينكم.
أنا غلطت... سامحني، سامحني...
رفع رأسه،
وأمسك يدها، وقبّلها.
قال بصوتٍ متهدّج:
"أنا ما نسيتش أول حضن.
ما نسيتش إنك كنتِ أمي،
وحتى لو بعدتي، أنا فضّلت أحبّك من بعيد."
بكت حتى اختنق صوتها، ثم همست:
"هتصدقني لو قلت لك إنك دلوقتي أقرب لي من عيالي؟
إنت اللي من صلب قلبي..."
في المساء، امتلأ البيت بالضحك من جديد. أولاده يركضون في الأرجاء، وزوجته تُعدّ العشاء وهي تبتسم. جلسا معًا في الشرفة المطلة على الحديقة، وكان مروان قد صنع لها كوب ينسون كما كانت تفعله له وهو صغير، وفتح ألبوم الصور القديمة. ضحكا على صور العيد، وعلى ضفائر سلمى، وعلى بكاء ندى في أول يوم مدرسة.
ثم قالت فجأة:
– تعرف؟ عمري ما كنت متخيّلة إنك إنت اللي هتبقى لي في الآخر... مش الفلوس، ولا البنات، ولا أخويا الوحيد شاكر!!
نظر إليها طويلًا، ثم قال:
– القلب الطيب لازم يرجع لأصله.
في تلك اللحظة، وفيما كان صوت ضحكاتهما يملأ الأرجاء، بدأت الساعة القديمة التي كانت في الحجرة المجاورة تدق، كما كانت تدق منذ أيام صغره.
وقف مروان فجأة، والتفت نحو الساعة، وكأنها قد أعادته إلى زمنٍ بعيد، إلى اللحظة التي كانت فيها أمه تمسك يده وتدعوه للنوم. نظر إلى ليلى، وقال بصوتٍ هادئ:
– كنتُ أظن أنني فقدت صوت القلب... لكنني الآن، أسمعه مجددًا.
قلبك لا يزال ينبض، كما نبض في صغري.
ابتسمت ليلى، شعرت وكأنها قد عادت بالزمن.
قالت:
– وأنا كنت أخاف أن يتوقف... لكنني الآن، أسمع نبضه من جديد.

وكانت ليلى كل ليلة، بعد أن ينام أولاد مروان ، تضع أذنها على صدره وهو نائم.
تتأكّد أن قلبه ما زال ينبض، كما فعل هو في صغره.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...