فتحي مهذب - الثلاجة رقم 9...

فتح العامل الهزيل باب المشرحة ليضع الجثة الجديدة في ثلاجة الأموات.
الساعة تجاوزت منتصف الليل.
كان الصمت يقطر من اللمبة المتدلية مثل ثدي ناشف.
الجثة ملفوفة بغطاء رمادي ممزق عند الأطراف،والقدم اليسرى تبدو كما لو أنها ماتزال ترتعش بخفة كأنها ترفض الدخول إلى المجهول.
إقترب العامل الهزيل بحذر،الخوف خفاش شرير يتطوح في حديقة رأسه،
عيناه تغوصان في التجاويف المظلمة للثلاجات.
الثلاجة رقم 9...
لكنه تردد قليلا ثم فتحها بيد مصطفقة تكاد تطير من موضعها.
إنبعث نفس بارد متعطن يستنفر الحواس ويحفر أخاديد من الرعب متعرجة في الذات.
تمتم بصوت خافت:
"هيا لا وقت للكوابيس.."
ودفع الجثة إلى الداخل.
لكن الباب لم يغلق.
ظل مواربا،كأن شيئا من الداخل يقاوم الإنغلاق.
شيئا لا يرى ولا يفسر...
إلتفت العامل ليغادر،فسمع خشخشة خفيفة..
صوت أظافر تنقر على المعدن من الداخل.تجمد الدم في عروقه.
إقترب مجددا،وفتح الباب مرة أخرى.كانت الجثة تنظر إليه.عيناها نصف مفتوحتين..
وعلى فمها إرتسمت إبتسامة مشوهة.
لم تكن هناك حين أحضروهاقبل ساعة.
تراجع العامل بحركة متعجلة كأن الأرض تهتز تحت قدميه.
أشعة المصباح اليدوي إهتزت مع يده المرتقصة لتكشف وجها شاحبا غارقا قي صمت لا يحتمل.
أرخى سدول أذنيه،أصغى إلى قلبه يدق كطبول الحرب.
رفع المصباح نحو الوجه فبدت التجاعيد عميقة فوق جبين مشوه وعيون سوداء غائرة لا تعكس الضوء بل تلتهمه.
إسترسل الصوت الخائف نفسه.
"هل حين تأتي ينفتح باب الرحمة على مصراعيه"؟
لم يسمع العامل الهزيل إلا همسا باردا كأنه صدى بؤس تليد.
قاطع الصمت فجأة وقع خطوات على أرضية الرخام البارد.إنعكس ضوء المصباح على قطرة دم تسللت من تحت الثلاجة،تمددت ببطء مثل جسم حي يبحث عن دفئه.
إلتفت العامل إلى ظله على الجدار:
شبح طويل،أطول مما ينبغي يجر وراءه ساقا هزيمة.
حاول الهرب،
كأن الممر الممتد أمامه يبتعد كلما اقترب.
سمع خلفه الباب يغلق ببطء،
ثم صدى الإغلاق يتكرر مرات..وهو يردد، :
"لا مهرب لا مهرب.."
الأنفاس ثقيلة، والجدران تقترب.
الأضواء تنطفئ واحدة تلو الأخرى،
حتى لم يتبق سوى وهج خافت يأتي من داخل الثلاجة رقم 9.
صوت تنفّس، ليس صادراً منه،بل من خلفه...
قريب جداً..يشبه تنفّسه، لكنه أشد برودة .. وأبطأ...كأن زمناً آخر يتنفس فيه.

التفت العامل فجأة،
فرأى نفسه.نعم... نفسه.يقف خلفه،
شاحباً، بعيونٍ منطفئة،
يضع يده على كتفه كقيدٍ رماديّ.
"لقد تأخرتَ كثيراً"، قال الظل.
أراد أن يصرخ،لكن فمه لم يعد فماً...
كان ثقباً مفتوحاً على هواء بارد،
كأن الصمت قد التهم صوته إلى الأبد.

الثلاجة رقم 9 انفتحت وحدها،
دون أن يلمسها أحد.
خرج منها صدى عويل بعيد،
كأن ملايين الأرواح تناديه من باطن الأرض.
ثم... دخلها.
لم يقاوم،لم يشعر بشيء.
كأن كل ما عاشه لم يكن أكثر من حلم جثة تنتظر في الثلاجة أن تستيقظ.
في الصباح جاء عامل جديد.
فتح باب المشرحة.وجد ثلاجة مفتوحة
فيها جثة غريبة وجهها مألوف...
ملامحها تشبه صور العامل القديم...
لكن عينيها كانتا مفتوحتين تماماً،
تحدّقان فيه.
تراجع العامل الجديد خطوة إلى الوراء،
يده ترتجف،
والهواء في المشرحة صار أثقل من الجدران.
اقترب من الثلاجة رقم 9،
قرأ الاسم المكتوب على بطاقةٍ معلقة فوق الجثة:
"لا اسم، لا تاريخ... فقط: هو."
حاول إغلاق الباب ولكن مني بالفشل.
خرج من الداخل همسٌ بالكاد يُسمع:
"أغلق الباب... إن استطعت..."
في الليلة نفسها،
سُجّل في دفتر المشرحة
أن أحد العاملين اختفى دون أثر،
وأن الثلاجة رقم 9 ظلت مفتوحة رغم كل المحاولات.
وأن الجثة داخلها،
تغيّر وجهها كل ليلة.
إلى يومنا هذا يقال إن من يعمل في المشرحة لا ينظر مباشرة إلى رقم 9،
ولا يعمل هناك أكثر من ليلة واحدة.
ومن يفعل...
يلتحق بالجثة.

فتحي مهذب تونس.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...