ناصر كمال بخيت - ولا تزال الأوراق بيضاء...

في هذا المساء القارس البرودة، قمت بإعداد كوب من القهوة الساخنة وجلست على المكتب واضعًا أمامي رزمة من الورق الأبيض، متمنيًا كتابة تلك القصة التي طالما شرعت في كتابتها، ولكني في كل مرة أتوقف عند نقطة ما وأمزق ما كتبته. هي محاولة لكتابة قصة فذة يحاول النقاد والمثقفون سبر أغوارها والدنو من معانيها سنوات وسنوات، ولكنهم يجدون أنها خارج سياق التقييم وفوق مستوي النقد. فقط يشيرون إلى مدى الإبداع والبراعة فيها. قصة أتلافى فيها كل الأخطاء التي ارتكبتها في أعمالي السابقة والتي قمت بنشرها، رغم أنها حققت لي شهرة واسعة في عالم الأدب وصنعت مني كاتبًا مشهورًا في الوطن العربي يشار إليه بالبنان إلا أنني دائما ما أجدها ناقصة تفتقر لشيء ما. نعم لقد ترجمت الكثير من أعمالي للغات عديدة ورُشحت لجوائز عالمية قيمة ولكنها لم ترضيني على المستوى الشخصي.
أنظر إلى تلك الأوراق وبيدي القلم، أحاول أن أخط سطرًا واحدًا ولكني أفشل في صناعة بداية مشوقة تمسك بتلابيب القارئ حتى النهاية، رغم أن أحداث القصة قد استقرت في ذهني بتسلسلها الزمني وشخوصها وحتى نهايتها. ربما ما قرأته عن ذلك القاتل الذي اعتدى على امرأة، وقام بقتلها في منزلها هو ما ألهمني لكي أنسج من تلك الأخبار قصة تغوص في عقل وقلب هذا القاتل، لتنقل للقارئ الدوافع والملابسات، كما يقول رجال الشرطة، التي صنعت منه سفاحًا يعشق سفك الدماء.
كانت الشمس تتوارى خلف الأفق، تاركة خلفها مسحة من الظل الذي سرعان ما يتحول إلى ظلام دامس يغطي المسكونة، فيجلب معه عالم ملئ بالمجهول الذي يتدثر بهذا الظلام، ليظل خفيا عن عقول البشر. لقد عقدت العزم الليلة على الانتهاء منها، فطالما عشت تفاصيلها في أحلام اليقظة وفي عالم من الخيال ولم يبق غير تدوينها على الورق.
بينما القلم يخط أولى كلماته على الأوراق البيضاء، سمعت همساً خافتاً، كأنه صوت يأتي من أعماق الكون الفسيح. رفعت رأسي ببطء، وعيني تتجول في المكان، تبحث بتساؤل ودهشة عن مصدر هذا الصوت وكنهه. هناك، في زاوية الغرفة المظلمة، بدأت تتشكل صورة تدريجية، كأنها تخرج من العدم. كانت هيئته مألوفة، وجهه مزيج من القسوة والضعف، وجسده يهتز من فرط الارتباك والقلق. صورة غير واضحة المعالم ولكنها بدت معروفة جداً لنفسي بكل تفاصيلها الدقيقة. لقد تعرفت عليه منذ البداية، لذلك لم يغشاني هذا الخوف الغريزي الذي يلازم ظهور الأشباح عادة. وقف مقابلي فأشرت له بالجلوس، وكأننا صديقين يتقابلان في موعد محدد سلفاً. هذا هو القاتل وبطل القصة، جاء ليشاركني الكتابة ويخبرني بالحقيقة كاملة بعيداً عن أكاذيب الصحافة وتلفيقات مواقع التواصل الاجتماعي التي تبحث عن الرواج والانتشار.
مرت لحظات من الصمت المطبق. كنت غير مصدق لما تراه عيني، فأمامي بطل القصة، الشخصية التي نسجتها من خيوط الخيال، تجلس الآن متجسدة في عالمي بواقعية تُدهش العقل. بادلني نظرات تحمل في طياتها الكثير من الأسرار والوقائع المخفية عن الجميع. ساد بيننا صمت مليء بالمعاني، وظللت أتابع حركاته وانفعالاته مأخوذاً بهذا اللقاء الأسطوري بيني وبينه. لقد بدا كطفل يكتشف لأول مرة العالم حوله. لم أستطع أن أنبس ببنت شفة وانتظرت أن يقوم بالخطوة الأولى. أحس بما أنا فيه فابتسم ابتسامة غامضة، ثم قال بصوت عميق وهادئ:
- لقد جئت لأشكرك، ولأعرف لماذا منحتني تلك الحياة المثيرة والعنيفة والمليئة بالدماء؟
سرت في جسدي رعشة شديدة من الدهشة والإثارة والخوف معا... لقد أثار صوته رعبا داخلي لم يثره ظهوره الشبحي المفاجئ... تمالكت نفسي وبصوت مختنق ومرتبك أجبته:

لقد كنت دائماً جزءاً مني، تسكن في عقلي وتمتلك قلبي. لم أعد أحتمل كونك سجينا داخلي لقد أردتك أن تخرج للنور لتخبر الناس بالحقيقة.
عن أي حقيقة تتحدث!
عن كونك اعتديت على تلك المرأة وقتلتها!
ولماذا تسألني أنا؟ فأنت من يوجهني ويصوغ الأحداث جميعها.
لقد رأيت أنه من اللائق أن أسألك بما أنك تجلس أمامي الآن.
أخبرني أنت ما هو السبب وراء ذلك كما تود ان تنسجه في قصتك؟
أعذرني عما سأقوله لك، فأنت تعلم أن هذا محض خيال وقصة للتشويق والإثارة، فهذا ما يحبه الناس. أنت في قصتي شخص مريض يحتاج للمساعدة، فقد عانيت من قسوة والدتك ورفضها لك لسوء طباعك معها، وهو ما أتى من رؤيتك لها وهي تخون أباك مع رجل غريب. يومها كنت مراهقًا لم تتعد الثالثة عشرة، وقفت متجمداً لا تعرف ما يجب أن تقوم به. لقد حركت في داخلك أحاسيس متناقضة من الشهوة إلى الغضب وكراهية العالم. كبرت معك هذه الأحاسيس، وتعمقت لأن الجميع راح يرفضك أيضاً لقبحك الواضح، فلم ترَ نظرة إعجاب من امرأة جميلة، ولم تختبر مشاعر الحب كما اختبرها زملاؤك وأصدقاؤك. لذلك رحت تأخذ متعتك من النساء، ثم تقتلهن بدافع الانتقام من أمك التي تتجسد أمامك في كل امرأة تراها.
إذا أنت تعلم كل شيء فلماذا إذا تسألني؟ ولماذا لم تستطع حتى الآن أن تكتب شيئا عني؟ لقد خيبت أملي حقا.
قلت لك بأن هذا محض خيال وانا أود معرفة ما حدث في الواقع.
إذا الواقع والخيال طرفي نقيض فماذا تقول عني الآن هل أنا خيال أم واقع أمامك؟
لا أدري أخبرني أنت ثم لماذا تهرب من الإجابة على كل الأسئلة؟
يا عزيزي أخبرني أنت كيف تعرف كل هذا عن القاتل؟ رغم أنه لم ينشر حرفا مما قلته في وسائل الاعلام أو على مواقع التواصل والعالم الافتراضي.
خيال... خيال هذا ما انفك أردده لك.
ومن أين يأتي الخيال هذا؟ هل يمكنك مثلا أن تذكر تفاصيل أكثر عن القضية من خيالك هذا.
بالقطع يمكنني... سوف أخبرك كيف نفذ القاتل جريمته بالكامل:

لقد أنشأ علاقة بينه وبين الضحية عبر الفيس بوك وأوهمها بحبه لها، واضعاً صورة رجل وسيم في ملفه الشخصي، فوثقت به وأحبته. بدأ يرسل لها رسائل غرامية ويشاركها تفاصيل حياته اليومية، مما جعلها تشعر بأنها تعرفه بشكل كبير. بعد فترة من الزمن، طلب منها أن تزوره في منزله ليعرفا بعضهما البعض بشكل أفضل، عندما وصلت إلى منزله، شعرت بالدهشة والصدمة عند رؤيته لأول مرة. تأففت من قبحه بوضوح، مما أثار غضبه الشديد. لم يحتمل نظرة الاشمئزاز في عينيها، فضربها على رأسها بقوة حتى فقدت الوعي. قام بتقييدها وتكميمها ثم أخفاها في غرفة منعزلة في منزله. استيقظت مرعوبة وعاجزة عن الحركة بسبب القيود حول يديها وساقيها. قام باغتصابها بوحشية، مستمتعاً برؤية الرعب في عينيها. بعد أن انتهى من جريمته البشعة، أدرك أنه لا يمكنه تركها على قيد الحياة. خنقها حتى فارقت الحياة، ثم بدأ يفكر في كيفية التخلص من الجثة، لإبعاد الشبهات عنه. انتظر حتى منتصف الليل عندما كانت الشوارع خالية. لف جثتها في أكياس بلاستيكية وأحكم إغلاقها. وضع الجثة في سيارته، وقادها إلى منطقة بعيدة عن منزله بمئات الأميال. اختار شارعاً مظلماً، حيث لا يوجد شهود عيان، ورمى الجثة في حاوية القمامة. بعدها عاد إلى منزله، قام بمحو كل الرسائل والمحادثات التي دارت بينهما على الفيس بوك، وحذف حسابه بالكامل. جلس في ظلام غرفته، متأملاً في الفعل الرهيب الذي اقترفه، متسائلاً إذا كان أحد سيكتشف جريمته أم سيظل طليقاً، يختبئ خلف قناع القبح الذي يبعد الناس عنه وقناع الرجل الطيب بين جيرانه الذي يحميه من الشكوك.

تبدو القصة كاملة، والجريمة مكتملة الأركان.
نعم هذا ما أعتقد أيضا
إذا ليس لوجودي معك معنى الآن، فلا أملك تفاصيل أكثر مما تعرفه... أنا مجرد مرآة ترى فيها ما تخاف أن تفكر فيه.

يختفي الشبح من أمامي لأجد في الجدار المقابل لي مرآة الغرفة الكبيرة، وقد ظهرت صورتي فيها واضحة... رجل قبيح المنظر يجلس على المكتب، ويملأ وجهه التجاعيد التي زاد من قسوتها هذا الغضب المتفجر. رأيتني عاري الجسد، تغطي الدماء يدي وتنساب على الأوراق البيضاء أمامي، لترسم فيها وجه امرأة تستغيث. فأمسكت برزمة الورق ومزقتها، ولكن ظل الوجه كما هو، ينتقل من الورق إلى الجدار إلى شاشة التلفاز والحاسب. راح يحيط بي من كل زاوية فلم يكن هناك مهرب. أدركت أنه سوف يكون ملازماً لي طوال حياتي، ولن تستطيع قصص العالم أن تخفيه عني أو تمحي من داخلي هذا الشبح اللعين للقاتل. الشديد. لم يحتمل نظرة الاشمئزاز في عينيها، فضربها على رأسها بقوة حتى فقدت الوعي. قام بتقييدها وتكميمها ثم أخفاها في غرفة منعزلة في منزله. استيقظت مرعوبة وعاجزة عن الحركة بسبب القيود حول يديها وساقيها. قام باغتصابها بوحشية، مستمتعاً برؤية الرعب في عينيها. بعد أن انتهى من جريمته البشعة، أدرك أنه لا يمكنه تركها على قيد الحياة. خنقها حتى فارقت الحياة، ثم بدأ يفكر في كيفية التخلص من الجثة، لإبعاد الشبهات عنه. انتظر حتى منتصف الليل عندما كانت الشوارع خالية. لف جثتها في أكياس بلاستيكية وأحكم إغلاقها. وضع الجثة في سيارته، وقادها إلى منطقة بعيدة عن منزله بمئات الأميال. اختار شارعاً مظلماً، حيث لا يوجد شهود عيان، ورمى الجثة في حاوية القمامة. بعدها عاد إلى منزله، قام بمحو كل الرسائل والمحادثات التي دارت بينهما على الفيس بوك، وحذف حسابه بالكامل. جلس في ظلام غرفته، متأملاً في الفعل الرهيب الذي اقترفه، متسائلاً إذا كان أحد سيكتشف جريمته أم سيظل طليقاً، يختبئ خلف قناع القبح الذي يبعد الناس عنه وقناع الرجل الطيب بين جيرانه الذي يحميه من الشكوك.

تبدو القصة كاملة، والجريمة مكتملة الأركان.
نعم هذا ما أعتقد أيضا
إذا ليس لوجودي معك معنى الآن، فلا أملك تفاصيل أكثر مما تعرفه... أنا مجرد مرآة ترى فيها ما تخاف أن تفكر فيه.

يختفي الشبح من أمامي لأجد في الجدار المقابل لي مرآة الغرفة الكبيرة، وقد ظهرت صورتي فيها واضحة... رجل قبيح المنظر يجلس على المكتب، ويملأ وجهه التجاعيد التي زاد من قسوتها هذا الغضب المتفجر. رأيتني عاري الجسد، تغطي الدماء يدي وتنساب على الأوراق البيضاء أمامي، لترسم فيها وجه امرأة تستغيث. فأمسكت برزمة الورق ومزقتها، ولكن ظل الوجه كما هو، ينتقل من الورق إلى الجدار إلى شاشة التلفاز والحاسب. راح يحيط بي من كل زاوية فلم يكن هناك مهرب. أدركت أنه سوف يكون ملازماً لي طوال حياتي، ولن تستطيع قصص العالم أن تخفيه عني أو تمحي من داخلي هذا الشبح اللعين للقاتل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...