يوم بعد يوم تزيد الرائحة النتنة، لم يعد أحد قادر على النكران أو التحمل، بات الجميع يعلم أنها رائحة الأجساد التي يتحركون بها، وكأنها جثث متعفنة لم تجد ما يواريها من تراب.
صرخ أحدهم:
_نبيُّ في المدينة يدعو أن الإله قادم لينتقم.
صرخ الجميع:
_ومَن أغضبه؟
تقدم كبيرهم صاحب الندبة، وقال:
_ إنها العمياء وحامل السبح الذي يطعمها، رائحة ذنبهما تفوح وتزيد.
قتلوها وقتلوا حامل السبح الذي يطعمها، ولم تذهب الرائحة.
اجتمع المجلس لإيجاد الحل، وبعد مناقشات قليلة وافق الجميع على كلام الكبير، عندما قال:
_ إنه القبر، لابد أن ننقله خارج القرية؛ لأنه يحمل لعنتها.
حملوا المشاعل إلى قبرها، وفي الطريق قابلهم رجل عجوز بلا رائحة ينتحب حتى كادت تختفي عيناه، سأله أحدهم متعجبا:
_ يا رجل، أين ذهبت رائحتك؟! ولماذا كل هذا البكاء؟
فقال الرجل بأنفاس متقطعة:
_ كلما بكيت اقتربت، وكلما ابتعدت اغتربت. زالت رائحتي عندما اعترفت وندمت وتعطرت بالدماء، انجوا بأنفسكم قبل فوات الأوان.
قال كلماته وهو يجري حتى اختفى في الظلام.
وصلوا للقبر وسمعوا تلك الأصوات الناعمة التي تغني من بعيد، وجدوا الدماء ما زالت تسيل بغزارة حتى أنها صنعت بحيرة لها رائحة المسك، سيطر عليهم الذهول وأخذ بعضهم ينظر إلى بعض في صمت، ليقطع صمتهم الكبير ويقول:
_ تلك البحيرة هي دماء الملعونة التي سكبناها؛ إنها تشكرنا وتحمل لنا المسك؛ لأننا حررناها من ذلك الجسد الذي طالما اكتسى بالذنوب. الحل كما قال العجوز لابد أن تغتسل في الدماء، هيا جميعا إنه باب الخلاص.
بدأ الجميع في نزع ملابسهم لتظهر أجسادهم المقترحة والتي تخرج منها الديدان الحية! حاول الجميع التقدم للبحيرة لكن أقدامهم أبت أن تتحرك، وبدأت تغوص في الأرض؛ تسمر الجميع في أماكنهم وكأنهم جذوع أشجار ثابتة من ألف عام.
مر الوقت، وتعبت الحناجر من الصراخ، وملوا من تبادل النظرات والاتهامات، وتذكر الجميع تلك الليلة عندما كانوا جميعا قديسين، عندما عُقدت المحكمة، عندما بكت وأقسمت أنها تابت ولم تفعل، عندما صرخ كبيرهم أن نبيًا في المدينة أخبره أن الإله غاضب وسينتقم، وأن الفقر والبلاء سيزيد إذا لم يتخلصوا من ذنوبهم؛ فاجتمع الجميع على أنها الذنب الأوحد بينهم، إنها الغانية العمياء الملعونة والتي لعنتهم بذنبها.
فجأة خرج حامل السبح من قلب الدماء وهو يبتسم ويقول:
_ لقد قتلتموها وذهبت بذنبها الذي زعمتم، فبالله عليكم من فعل بكم هذا؟ أليس فيكم رشيد! إنها ذنوبكم يا سادة، ذنوبكم التي فاحت حتى أن أنوفكم لم تعد تتحملها، الأرض تلعنكم والسماء، إلا مَن ندم وتكلم واعترف، هو فقط من تُفتح له أبواب المحبة ليغترف.
مر بعض الوقت والصمت هو المسيطر على الأفواه حتى قال كبيرهم:
_ لماذا جميعكم صامتون؟ أتصدقون هذا الطيف؟! إنه السحر، السحر الملعون الذي يحيط بنا، سننجو جميعا لكن لا تستمعوا لذلك الخداع، ولتذهب أيها الطيف وعاهرتك إلى الجحيم
ليختفي الطيف ويصرخ كبيرهم مرة أخرى:
_ أرأيتم، لقد ذهب و...........
قبل أن يكمل جملته خرجت دودة عملاقة من جروح جسده، وتضاعف حجمها وزاد لتلتف حول رقبته وتنزع رأسه بلا رحمة، ثم تحول جسده إلى شجرة ضخمة لها أوراق كبيرة على كل ورقة كُتب ذنب من ذنوبه التي اقترفها!
ساد الرعب ولم يمر من الوقت إلا القليل حتى بدأ يصرح أحدهم:
_ أنا صاحب الذنب، أنا مَن زنا، لم أرحمها وأنكرت ذنبي وحاكمتها. إن كنتم تبحثون عن صاحب الذنب ها هو أمامكم، سامحيني أيتها المسكينة المقتولة بذنبي.
أخذ يبكي بحرقة وندم؛ فتحررت أقدامه ليصبح حر الحركة، فأسرع للبحيرة وألقى بنفسه فيها واختفى، ليخرج بعد وقت قليل وهو يرتدي الأبيض وعلى رقبته عشرات السبح، يتقدم إلى قبرها ويجلس بجانبه يبكي وينتحب.
اتبعه البعض واعترفوا بذنوبهم ونجوا، والكثير أخذته العزة بالإثم.
مرت الأعوام وتاهت الحكاية واختفى القبر، زادت الذنوب وفاحت الرائحة وعاد كبيرهم الجديد يقول:
_ نبيُّ في المدينة يدعو أن الإله قادم لينتقم.
صرخ الجميع:
_ ومَن أغضبه؟
فيكمل ويقول:
_ إنها العمياء وحامل السبح الذي يطعمها؛ رائحة ذنبهما تفوح وتزيد.
رانية المهدي
* من المجموعة القصصية
تُمن شاي
صرخ أحدهم:
_نبيُّ في المدينة يدعو أن الإله قادم لينتقم.
صرخ الجميع:
_ومَن أغضبه؟
تقدم كبيرهم صاحب الندبة، وقال:
_ إنها العمياء وحامل السبح الذي يطعمها، رائحة ذنبهما تفوح وتزيد.
قتلوها وقتلوا حامل السبح الذي يطعمها، ولم تذهب الرائحة.
اجتمع المجلس لإيجاد الحل، وبعد مناقشات قليلة وافق الجميع على كلام الكبير، عندما قال:
_ إنه القبر، لابد أن ننقله خارج القرية؛ لأنه يحمل لعنتها.
حملوا المشاعل إلى قبرها، وفي الطريق قابلهم رجل عجوز بلا رائحة ينتحب حتى كادت تختفي عيناه، سأله أحدهم متعجبا:
_ يا رجل، أين ذهبت رائحتك؟! ولماذا كل هذا البكاء؟
فقال الرجل بأنفاس متقطعة:
_ كلما بكيت اقتربت، وكلما ابتعدت اغتربت. زالت رائحتي عندما اعترفت وندمت وتعطرت بالدماء، انجوا بأنفسكم قبل فوات الأوان.
قال كلماته وهو يجري حتى اختفى في الظلام.
وصلوا للقبر وسمعوا تلك الأصوات الناعمة التي تغني من بعيد، وجدوا الدماء ما زالت تسيل بغزارة حتى أنها صنعت بحيرة لها رائحة المسك، سيطر عليهم الذهول وأخذ بعضهم ينظر إلى بعض في صمت، ليقطع صمتهم الكبير ويقول:
_ تلك البحيرة هي دماء الملعونة التي سكبناها؛ إنها تشكرنا وتحمل لنا المسك؛ لأننا حررناها من ذلك الجسد الذي طالما اكتسى بالذنوب. الحل كما قال العجوز لابد أن تغتسل في الدماء، هيا جميعا إنه باب الخلاص.
بدأ الجميع في نزع ملابسهم لتظهر أجسادهم المقترحة والتي تخرج منها الديدان الحية! حاول الجميع التقدم للبحيرة لكن أقدامهم أبت أن تتحرك، وبدأت تغوص في الأرض؛ تسمر الجميع في أماكنهم وكأنهم جذوع أشجار ثابتة من ألف عام.
مر الوقت، وتعبت الحناجر من الصراخ، وملوا من تبادل النظرات والاتهامات، وتذكر الجميع تلك الليلة عندما كانوا جميعا قديسين، عندما عُقدت المحكمة، عندما بكت وأقسمت أنها تابت ولم تفعل، عندما صرخ كبيرهم أن نبيًا في المدينة أخبره أن الإله غاضب وسينتقم، وأن الفقر والبلاء سيزيد إذا لم يتخلصوا من ذنوبهم؛ فاجتمع الجميع على أنها الذنب الأوحد بينهم، إنها الغانية العمياء الملعونة والتي لعنتهم بذنبها.
فجأة خرج حامل السبح من قلب الدماء وهو يبتسم ويقول:
_ لقد قتلتموها وذهبت بذنبها الذي زعمتم، فبالله عليكم من فعل بكم هذا؟ أليس فيكم رشيد! إنها ذنوبكم يا سادة، ذنوبكم التي فاحت حتى أن أنوفكم لم تعد تتحملها، الأرض تلعنكم والسماء، إلا مَن ندم وتكلم واعترف، هو فقط من تُفتح له أبواب المحبة ليغترف.
مر بعض الوقت والصمت هو المسيطر على الأفواه حتى قال كبيرهم:
_ لماذا جميعكم صامتون؟ أتصدقون هذا الطيف؟! إنه السحر، السحر الملعون الذي يحيط بنا، سننجو جميعا لكن لا تستمعوا لذلك الخداع، ولتذهب أيها الطيف وعاهرتك إلى الجحيم
ليختفي الطيف ويصرخ كبيرهم مرة أخرى:
_ أرأيتم، لقد ذهب و...........
قبل أن يكمل جملته خرجت دودة عملاقة من جروح جسده، وتضاعف حجمها وزاد لتلتف حول رقبته وتنزع رأسه بلا رحمة، ثم تحول جسده إلى شجرة ضخمة لها أوراق كبيرة على كل ورقة كُتب ذنب من ذنوبه التي اقترفها!
ساد الرعب ولم يمر من الوقت إلا القليل حتى بدأ يصرح أحدهم:
_ أنا صاحب الذنب، أنا مَن زنا، لم أرحمها وأنكرت ذنبي وحاكمتها. إن كنتم تبحثون عن صاحب الذنب ها هو أمامكم، سامحيني أيتها المسكينة المقتولة بذنبي.
أخذ يبكي بحرقة وندم؛ فتحررت أقدامه ليصبح حر الحركة، فأسرع للبحيرة وألقى بنفسه فيها واختفى، ليخرج بعد وقت قليل وهو يرتدي الأبيض وعلى رقبته عشرات السبح، يتقدم إلى قبرها ويجلس بجانبه يبكي وينتحب.
اتبعه البعض واعترفوا بذنوبهم ونجوا، والكثير أخذته العزة بالإثم.
مرت الأعوام وتاهت الحكاية واختفى القبر، زادت الذنوب وفاحت الرائحة وعاد كبيرهم الجديد يقول:
_ نبيُّ في المدينة يدعو أن الإله قادم لينتقم.
صرخ الجميع:
_ ومَن أغضبه؟
فيكمل ويقول:
_ إنها العمياء وحامل السبح الذي يطعمها؛ رائحة ذنبهما تفوح وتزيد.
رانية المهدي
* من المجموعة القصصية
تُمن شاي