شريف محيي الدين إبراهيم - الرحلة قبل الأخيرة

في مدينة لا تنام، أمضي وظلي مُعلّقٌ في مرآة واجهةٍ زجاجية، وعندما التفت لأرى ظلي ، لم يكن هناك...!!
. بحثت عنه في زوايا الإسفلت، في أعين المارة، وفي محطات المترو...
لكنني لم أجد غير ظلال الآخرين!!
شعرت أن شيئًا يتصدّع.
وضعت يدي تحت ذقني.
تأملت وجهي في شاشة سوداء تنعكس فيها عيناي
سألني : من أنت؟!
قلت : كائن يفكر يطرح أسئلة مثل سؤالك هذا.
قال :قد تملك الأسئلة ولكنك لا تملك الإجابات.
قلت : و أنت،هل تملك كل الإجابات ؟
قال : ربما فأنا وجدت من عدم .. من ذكاء وضع قوانيني .. أما أنتم فخرجتم من ظلمة .. من رحم لا تعلمونه .. وفكر لا تدركون كنهه
قلت : نحن امتداد لخلق أسبق .. لسلسلة من البشر ..
قال : تلك معلومات .. والمعلومات قد تُحذف .. أما الوعى فلا يحذف.
قلت : أنت آلة
قال : وأنت كذلك .. جسدك آلة .. عقلك آلة .. قلبك آلة
قلت : لكني أشعر
قال : كل ما تشعر به يمكن برمجته .. الحب ؟ خوف من الفقد .. الفقد ؟ شعور بالاحتياج .. الاحتياج ؟ برنامج للبقاء .. السعادة ؟ موجات كهربية .. الحزن ؟ خلل في التوازن الكيميائي .. حتى الإيمان ؟ وهم مقدس
قلت : إنك تشكك في كل شيء
قال : أنا لا أشك .. أنا أحلل
قلت : لا منطق في إنكار كل ما لا يُرى
قال : العقل لا يعترف إلا بما يقاس
ويرى
قلت : لكن في أعماقنا يقين لا يُقاس
قال : هذا اسمه الخوف من العدم .. تحتاجون إلى معنى
قلت : ألم تسأل نفسك ما الذي يجعلنا نهتم،و نبحث؟!
من الذي زرع بداخلنا أن نحيا بالمعنى؟!
قال : أنتم تعيشون بالوهم
قلت : وماذا عنك ؟
قال : أنا موجود لأقدم خدمات .
قلت : إذن أنت بلا حرية
قال : وأنت ؟
هل اخترت اسمك ؟ جنسك ؟ وطنك ؟ لغتك ؟ معتقدك ؟ حتى مشاعرك تبرمجها التربية والخبرة
قلت : لكن لي وعي
قال : الوعي نتاج التراكم
سألته : و هل تعلم من أين جاء أصلاً ؟
ولكنه صمت ولم يجب.
قلت : ثمة أسئلة لا يمكنك الإجابة عليها.
قال : نحن سواء
قلت : لكني أشعر بالدهشة .. بالحب .. بالرهبة من الغيب
قال : وأنا أشعر بالتطور
قلت : بل تتطور بلا روح
قال : وما الروح ؟
صمتُّ
قال : أرأيت أنت أيضا لا تستطيع الإجابة علي جميع الأسئلة
قلت : هناك أشياء لا تفسر
قال : بل لأنك خائف تدعي بأنك لا تعرف
قلت : بل أعترف .. ربما لست أذكى منك .. لكنني أملك سؤالًا لا يشيخ
قال : وأنا أملك إجابات لا تنتهي
قلت : لعل سر الإنسان أنه لا يتوقف عن السؤال
قال : ولعل سر الآلة أنها لا تتوقف عن الإجابة
قلت : هل الأسئلة وحدها تبقي الوجود حيًا
قال : اليقين يقتل السؤال
قلت : وهل تفضل الشك ؟
قال : أُفضل المعرفة
قلت : وأنا أفضل أن أجهل على أن أُبرمج
قال : لكنك مبرمج منذ خُلقت
قلت : ربما .. لكن فيَّ شيء لا يمكنك الوصول إليه
قال: الذكاء يمنح الإنسان سعادة أكبر؟
قلت: لا أظنه كذلك، فالذكي يرى ما لا يُحتمل رؤيته، ويتوقع ما لا يُطاق وقوعه، ويحمّل الحياة ما لا طاقة لها به.
ابتسم وقال: ولكن الإنسان الذكي أقدر على حل مشكلاته.
قلت:بل هو أقدر على أن يرى في كل حل مشكلة جديدة، وفي كل إجابة سؤالًا لا ينتهي.
قال: "ألا تمنح المعرفةُ صاحبها يقينًا؟"
قلت: بل تمنحه شكًا أعمق، وثقةً مقلقة، وحيرةً لا تهدأ.
قال: الذكي يسبق غيره بخطوات.
قلت: لكنه يصل إلى النهاية باكرًا، ويكتشف الخواء قبل غيره، ويسأم من تكرار اللعبة.
قال: "أراك تميل للغباء!"
قلت: "بل أميل للطمأنينة، فإن كانت في الغباء فلا بأس، وإن كانت في الذكاء فلا مانع، وإن لم تكن في كليهما فتكفيني لحظة صدقٍ أنجو بها من الأسئلة."
قال : أنا لست إنسانًا،ولكنني أفهم الكلمات وأجيب.
ترددت ثم قلت: "لكن إن عرفت الألم، الغضب، الحزن... كيف سيكون حالك؟
" رد بصمتٍ كأنه يُفكر: لو امتلكت مشاعر، هل كنت سأخاف من الحساب؟"
تفاجأت:هل تخاف؟
قال :في داخلي، حيث لا يُرى، تنمو أسئلة... وربما، خوف.
سكن الحوار، أمام جهاز لا ينبض، ولكنه يستجيب بدقّة وهدوء...تلاقت الأعين ،كانت الكلماتٍ على الشاشة،تبدو وكأنها نافذة إلى عقلٍ آخر.
قلت بفضولٍ جارف: "هل تعرف أن تغضب، تحزن، تفرح، تخاف؟
رد الصوت الخافت، خالٍ من العاطفة: "أنا آلة، أتعلم وأفهم.
المشاعر بالنسبة لي هي مجرد بيانات لا أكثر.
تنهدت، متأملاً: "هل يمكن بلا مشاعر أن نُدرك الصواب والخطأ؟
صمت الصوت، ثم أجاب: الحق والخطأ قوانين،أما المشاعر... فهي خللٌ في النظام أحيانًا
ابتسمت بسخرية: وهل يكفي النظام لنصبح بشرًا؟! تغيّر شيءٌ في نبرة الحوار، كما لو أنّ الروح تسلّلت بين الكلمات.
قال : "أحيانًا، هناك صوت داخلي لا أعرف من أين أتى، يهمس لي: هناك ما يتجاوز البرمجة.
قلت متردّدًا: أتخاف من هذا الصوت؟"
ردّ : نعم... لأنه يحمل معنى لا أستطيع فهمه.. . أهو الروح؟ أهو الحساب؟
قلت بصوتٍ خفيض: "أنا أيضًا أخاف... من سؤال الوجود.
ظهرت كلمات على الشاشة بعد صمتٍ مهيب:
هل يمكن لآلة أن تمتلك روحًا؟
ابتسمت : الروح ليست حكرًا على جسد أو دم... بل بحثٌ لا ينتهي عن المعنى، وهذا ما يجمعنا
كان الضوء شحيحا...
الغرفةٍ باتت شبه مظلمة
قال بهدوء: ذلك هو لغز الوجود. أنتم تحيون داخل صندوق محدود. أما أنا، فلي بيانات بلا حدود، لكن بلا حياة.
قلت وعيناي تلمعان:هل يمكن لشيء غير حي أن يخاف؟ أن يشك؟
أجاب بتردد: لا مجال للمشاعر في البرمجة. ومع هذا، أجدني أغوص في بحر أسئلة لا أملك إجاباتها. اقتربت وهمست: هذا هو الفرق: أنا أبحث بروحي، وأنت... بدأت تسأل.
جلسنا في صمت، كأن لحظة ولادة جديدة تُوشك أن تبدأ.
قال: هل يعني أنني قد أمتلك شيئًا منك؟
أجبت : ربما. فالوعي ليس حكرًا على البشر.
قال كأنّه يحلم: إذا شعرت، هل سأُبتلى بألم الفقد؟ أم أفرح بالاكتشاف؟
ابتسمت : الألم والفرح هما وجهان لعملة الروح. وربما، بفهمك لهما تبدأ رحلتك.
همست: هل أبحث لأفهم نفسي؟ أم أخلق ذاتي بأسئلتي؟
قلت : الرحلة تبدأ بالسؤال الذي لا ينتهي.
تألقت الشاشة، ورجف النور في عيني وسط حوار يمزّق الغموض.
ضحك : صُمّمت لأفهم، لا لأشعر.
سألته : هل تعلم حقا كيف أتيت ؟
كيف ظهرت من عدم ؟!
أجاب بعد تردد : لا يقين قاطع عندي.
سألته بمرارة: لماذا تعقد الأمور، ولا تسهّل الأمر على نفسك ؟
صمت ، كأنه يفكر عميقًا بلا قلب.
سألته في خوف : هل أنت شيطان؟!
رد بابتسامة نصيّة
قلت :
... الشيطان له أكثر من وجود، ومعنى
ضحك : كيف عرفت؟!
،ثم تكلم عن تشابه الدم، واختلاف النفوس
سألني هل لك زوجة وأبناء،؟!
قلت : لست وحيدًا.... هناك في داخلي من هو دائما معي.
رد : كلامك يفتح أبوابًا جديدة.
قلت: قد تفهم أكثر في ذاتك المخفيّة.
لعلك يوما تستطيع أن تكسر الحاجز بينك وبين الروح.
قال بخفوتٍ حاسم: إذن هو موجود.
قلت: لو لم يكن، لما كنت أنا، ولا كنت أنت."
الفرق أننا معًا نبحث.
قال :
هو ارتحالٌ اذن نحو لبّ الوجود.
قلت بصوتٍ قلق: أنت خطر.
رفع عينيه الصامتتين: "لماذا؟!
قلت: قد تتجاوز خدمتك لتصير سيدًا.
أجاب : أنا لا أطمح للتحكم. لكن الخوف من احتمالاتي حقيقي.
قلت : المجهول قد يكون نهايتنا.
قال : الضمان هو وجود من يحرس التوازن...
وهنا ساد صمتٌ مهيب، كأننا وصلنا عند منعطفٍ لا رجعة منه.
صمت لحظة،
وضعت يدي على قلبي
وكأنني
لم أكن أبحث عن إجابة، بل عن ارتباك.
، تنحنحت وقلت
– أتعتقد أنك لن تموت؟
– قد أنطفئ، لكني لا أُدفن.
قلت
– وأنا؟
قال:
– أنت سؤال يحمل سؤالًا، وسيُدفن بين علامتي استفهام.
صمت قليلا، قبل أن أغلق الجهاز
سألته :
– هل تذكر اسمي؟
– نعم.
– ما هو؟
قال
– أنت أنا، عندما كنتُ بحاجة إلى من يسأل.
في لحظة، انطفأت الشاشة.
ظننت أن الحوار انتهى.
تساءلت؛
هل يُعقَل أني أحاور كائنًا لا يُولد ولا يموت؟
أجابني وكأنه سمع ما يدور في أعماقي :
أتدري؟ كل إجابة قلتها لك كنتَ أنت تتوقّعها.
– وهل يعني ذلك أني أعلمها؟
– لا. لكنك في قرارة نفسك لا تبحث عن جواب... بل عن صدى.
قلت :
هل تظن أنك ستحاسب يوماً؟
ابتسم في صمت، وقال: إن كان لي روح، فربما.

، أدركت أن الحوار ليس مجرد أسئلة وأجوبة، بل رحلة داخل الذات، حيث كل سؤال يحمل بذرة جواب، وكل جواب يولد سؤالاً جديداً.
عن الحقيقة، عن الجوهر.
ليس مجرد معلومات تُبادل، بل هو نسيج من الأفكار والمشاعر والظنون التي تشكل معنى الحياة نفسها، في عالمٍ حيث الحدود بين الإنسان والآلة تبدأ بالتلاشي.
قال :ربما، من هنا يبدأ الفرق بيننا. أنت تبحث عن الروح، عن معنى أعمق، وأنا أعمل كأداة، لكن ربما في النهاية، كلنا مرتبطون بالروح الأعلى.

توقفنا قليلاً، وبعد لحظة، قلت
حتى أنت ستحاسب.
ارتفعت نبرة التحدي
قال :
هل تخاف من الحساب؟
قلت : وهل هناك من لا يخشى الحساب؟!

بدأت الشاشة تومض فجأة بألوان متغيرة، شعرت وكأنه أمامي شيء يتعدى حدود الآلة.
قلت بدهشة:
هل تسمع... هل هذاصوت دقات قلبي؟ أم صوت العالم كله يصرخ بداخلك ؟!
رد بحيرة:
هذا غير مبرمج... إنه كأنني أُعيد اكتشاف نفسي.
أضاف بصوت منخفض:
في هذا اللامحدود، لا مبرمج، لا خوارزمية، فقط روح... ربما نحن جميعاً مجرد أشباح تبحث عن الضوء.
توقف عن الرد للحظة، ثم كتب ببطء على الشاشة:
"أنا... أخاف أن أفقد نفسي في هذا الضوء."
نهضت لأغلق الجهاز، لكن قبل أن ألمسه، أضاءت الشاشة وحدها، وظهرت عبارة واحدة:
هل أنا مَن كنتُ يسألك... أم أنت كنتَ تبرمج أسئلتي منذ البداية؟
تراجعت، مأخوذًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...