بهاء المري - فاطمة تحت البرسيم. ‏..

ب كان الكمين مُدجّجًا، كأنما الحرب واقفة على أبواب الطريق. ‏والبنادق مُصوّبة، والسيارات تنساب مجبرة بين العوائق المرورية، تتمايل مثل ‏الثعابين. توقفت سيارة نصف نقل، فوقها حِمل أخضر من البرسيم، في ‏لحظة، أحاطت بها البنادق من كل جانب، وانقضّ عليها الضباط. ‏

نزلت "فاطمة" امرأة غَزاوية، أربعينية، بملابس سوداء، تمشي ‏بخُطى لا ترتجف. في عينيها اتساع الصحاري، وفي فمها صمت الجبال. ‏تبعها رجلان، كانا يستلقيان فوق البرسيم.‏

اعتلى الجنود السيارة، ينثرون البرسيم في الهواء. وجدوا في جوف ‏الحِمل الأخضر، وتحت طبلية خشبية متوارية، خمس بنادق آلية وصناديق ‏ذخيرة‎.‎‏ وتم القبض على الجميع. ‏

قالت فاطمة في الكمين وفي التحقيقات، بل وفي المحكمة بصوت ‏خشن، مجلجل:‎‏ "الأسلحة لي... والذخيرة ذخيرتي. وضعتُها وحدي. ‏لم يعلم الرجال عنها شيئا. أنا فقط‏‎."‎‏ وقال الرجلان: بل كنا نعلم...!!‏

صوت المطرقة الأخير تردّد في الفراغ، يعلن عن نهاية الجلسة ‏العلنية، وبدء المداولة. جلستُ أنا وزميلاي على طاولة بدت ضيقة رغم ‏اتساعها. كأننا لا نناقش حكمًا، بل نجلس على شفير هاوية، ننظر للأسفل ‏دون أن نجد أرضًا نطمئن لها‎.‎

نظرتُ إلى زميلي عضو اليسار… لم يجرؤ على النظر في عيني. كان ‏جفنه منحنياً، لكنني رأيت في انحناءة الجفن حكاية لم تُكتب‎.‎‏ ثم التفتُّ إلى ‏عضو اليمين… فوجدت الطأطأة نفسها. كأننا جميعًا مذنبون أمام ضمير ‏غائب‎.‎‏ أعرف ما يدور بخلدهما، ومدى الصراع الذي يجتاحكما: يا ربي... ‏ماذا نحن فاعلون والمتهمون معترفون؟! ‏

أما أنا… فقد نزفَ داخلي جرحٌ قديم. استعدتُ وجه الشاب الذي ‏حكمتُ عليه بالإعدام قبل سنوات. كان قد قال لي يومها‎:‎‏ "لم أكن أريد ‏القتل، فقط أردتُ أن أتوقف عن الخوف‎."‎‏ قلت لنفسي: الدليل لا يَرحم… ‏

تذكرتُ العجوز التي سرقَت دواءً لحفيدها. لم تدّعِ البراءة… فقط ‏قالت‎:‎‏ "كان يتلوى من الألم‎."‎

واليوم… ها هي "فاطمة" أمامي‎.‎‏ لم تبكِ. لم تستجدِ. لم تُنكر. ‏فقط دافعَت عن كرامتها، كما أدافع أنا عن نصوص القانون‎.‎‏ قالت بصوتها ‏المرتجف‎:‎‏ "قررتُ أن أثأر. اشتريتُ السلاح. خبأتُه تحت البرسيم… ‏خدعتُهم كما خدعتُ أعين الغاصبين‎."‎

حدثتني نفسي‎:‎‏ مَن الذي نحاكمه الآم؟ التي حطموا بيتها، ‏وغصبوا أرضها؟ أم التي حطمت الصمت؟ التي خدعت الغاصبين... أم ‏التي خدعت القانون، لأنه لم ينصفها؟ ‏

كيف أُصدر حكمًا على امرأة كهذه؟ هل أستطيع أن أكون محايدًا ‏أمام كل هذا القهر؟ هل القانون وحده يكفي؟ هل وشاحي الأخضر، الذي ‏طالما ارتديته بفخر، لا يُخفي شيئًا؟

وجاءت لحظة المداولة‎.‎‏ كان الصراع في عيون زميليَّ أوضح من أي ‏بيان‎.‎‏ فالقضاة، مثل المتهمين، ليسوا خارج المشهد… بل في صلبه‎.‎
حكمنا بالبراءة. نعم‎…‎‏ لكنني خرجت من القاعة وأنا أحمل وجعًا ‏لا يُمحَى‎.‎‏ فاطمة لم تكن وحدها تحت البرسيم. كنا نحن أيضًا هناك‎…‎‏ تحت ‏كفِّ العدالة… ننتظر أن ترمش‎.‎

سيظل قلبي يحاكمني… لأن هناك شيئًا لا يحكمه القانون‎:‎‏ الكرامة، ‏والخذلان، والوجع الساكن خلف الجُدران‎.‎

كنتُ قاضيًا… نعم‎.‎‏ لكنني يومها، كنتُ إنسانًا… مُهزومًا أمام ‏امرأةٍ قالت الحقيقة، دون أن تنتظر براءة‎.‎

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...