لم تكن الرسالة التي وصلت لي من أمي وأنا في بلاد الغربة رسالة عادية؛ فهي تعرف كم أحب هذا الرجل الذي رحل عن العالم دون أن أودعه.
جدي العجوز صاحب الابتسامة المشرقة والقلب الطيب، يستيقظ قبل الفجر، يتوضأ ويخرج من الدار ليصلي في الأرض، ويدعو الله دائمًا أن يُدفن في أحضانها.
كان متيمًا بها حتى أنني لم أكن أعرف مَن منهما جاء أولًا؟ وهل هو منها أم هى منه؟ وهل هي حقًا أمه كما تقول جدتي؟ فهو له نفس اللون الأسمر الهادئ، والخطوط على جبينه مرسومة بعناية مثلها مثل الخطوط التي يصنعها المحراث على سطحها الجميل، زرقة عينيه كانت كزرقة الماء الذي يرويها ويزهرها.
الأرض.. قطعة من جدي، قطعة من روحه، رائحة الطين المخلوط بالعرق كأنها الأنفاس التي تهبه الحياة.
بكيت كما لم أبكِ من قبل، وتذكرت الأيام البعيدة .. أيام الطفولة والإجازة الصيفية عندما كنت أسافر لتلك القرية البسيطة التي تحتضن الطبيعة الصافية بداخلها لتعزلها عن هذا العالم الرمادي المجنون.
تذكرت فترة ما بعد الظهيرة فقد كانت أحب الأوقات إلى قلبي، كنت أذهب إليه مع خالتي الكبرى، وأنا أحمل منديل الغداء وهى تحمل القُلة الفخار، كان يبتسم بسعادة غامرةٍ عندما يرانا، يترك الفأس ثم يستلقي في ظل شجرة الصفصاف الوارفة ليتناول الطعام.
في إحدى المرات وهو يمسح قطرات العرق التي تتسابق على جبينه وقعت عيناه على مجموعة من الحشائش الضارة التي اقتحمت مملكته الحبيبة؛ فترك الطعام من يده وهب من مكانه والتقط القَدوم الخشبي الصغير وأخذ ينزعها بلا رحمة، ثم يربت عليها بكفه الضخم ليساويها ويعيدها سيرتها الأولى، وكأنه يداوي جُرحًا لحبيب.. بعدها يجلس في هدوء ويفتح المنديل ويبدأ في تناول الطعام وهو مستريح.
_ مش هتغسل إيدك يا أبا؟
هكذا قالت خالتي ليبتسم متهكمًا:
_ من إيه! من الطين؟! منها وإليها يا بنت أبوكِ.
_ طيب.. همشي أنا بقى، عندنا خبيز.
تقول جملتها وهي تنظر لي فأهز كتفي لأخبرها بدون كلام أنني سأبقى مع جدي؛ فتنصرف غير عابئة بي، بعدها ألتفت لهذا الجالس أمامي وأتساءل بطفولية بريئة:
_ جدي، انت ليه بتحب الأرض قوي كده؟ حتى وأنت بترتاح ماسك القدومة وبتنضفها.
ابتسم لي وقال:
_ الأرض دي هي الخير، مفيش حاجة تقع عليها إلا وتزيد وتكتر، ولو عايزين الخير ده لازم نراعيها، الأرض حضن ميحسش بدفاه غير اللي يحبها وتحبه، أنت عارفة إني كنت هموت علشان الأرض دي؟
_تموت! إزاي يا جدي؟
_ كان في ناس طماعين عايزين يسرقوها مننا.. حاربتهم أنا ورجالة جدعان.. شفتهم بيموتوا قدام عيني ودمهم بيختلط بالأرض وهي بتزغرط، عمرنا ما عرفنا الخوف ولا رجعنا خطوة لورى.. كنا بنتسابق مين فينا يحضنها الأول..............
كنت أستمع إليه وهو يتحدث عنها وكأنه عاشقُ يهيم في محاسن حبيبته، كنت أسافر مع كلماته بعيدًا إلى أعماق هذه الأرض، وأتساءل.. هل تشعر الأرض بمحبته؟ هل تحبه مثلما يحبها؟ لأنتبه على صوته مرة أخرى وهو يقول:
_ ها.. تحبي تجربي؟
_ اجرب إيه يا جدي؟
_ تزرعي بإيدك.
_ياريت
ينهض ويخرج سكينه من جيب جلبابه المعلق على الشجرة، ثم يقطع شريحةً دائرية من ثمرة الطماطم ويحفر حفرةً صغيراً في الأرض، ثم يضع الشريحة وينهال عليها بالتراب، ثم يرويها ببعض القطرات من ماء القُلة.
_ شوفتي.. اللي عملته ده هيطلع كذا شجرة طماطم بشرط.. لازم تراعيها، مش تزرعيها وتسبيها تنشف.
ثم قدم لي السكين وأبتسم لأفعل مثله؛ فقمت بقطع شريحة ثانية من الطماطم وزراعتها بنفسي ورششت عليها الماء، ليبتسم أكثر ويقول:
_ دلوقتي بقى ليك زرعة في الأرض يا قلب جدك، خلي بالك عليها.
هكذا كان جدي مع أرضه ومعي، لكنه في عالم آخر كان دائم الشجار مع جدتي التي لا تريد أن يتعلم أبناءها الفِلاحة، وتسعى دائمًا لإحضار أنفار بالأجرة للقيام بالعمل، وتقول:
_ أنا عايزة ولادي أفندية مش فلاحين.
ليرد جدي بعصبية:
_ ولما كل الناس تبقى أفندية.. مين هيراعي الأرض؟!
ثم يتركها وينصرف غاضبًا للقاء محبوبته السمراء التي لا يقدرها أحد.
كنت حزينة لحزنه.. في اليوم التالي، ذهبت إلى دكان القرية، ومعي بيضة الإوزة الكبيرة التي أعطتني إياها جدتي بعد عملٍ شاقٍ لمدة أسبوع كامل في ترتيب الدار، وإعداد الغداء، وعجن وخبز العيش.. لأبادلها بقطعة بسبوسة.
البسبوسة التي يحبها جدي العجوز صاحب الأسنان المتساقطة؛ يحبها لأنها تُبلع بسهولة وبدون عناء، وغالبا ما يأكلها بعيدًا عن جدتي حتى لا تغضب منه، وإن كانت دائمًا غاضبة من كل شيء وعلى أي شيء.
حصلت على غنيمتي وذهبت إلى جدي في موعد الغداء، وأنا أتمنى أن تدخل هديتي السعادة على قلبه الطيب.. وعندما جلسنا قلت له بعد أن انصرفت خالتي أن يغمض عينيه، وأخبرته أني أحضرت له هدية وقد عملت طوال الأسبوع مع جدتي مقابل ثمنها.
أخرجت هديتي وقدمتها له، ليفتح عينيه ويطيل النظر في وجهي الصغير ويذرف دمعةً ثم يحتضنني بقوة.
_ أنت بتعيط يا جدي! ده أنا جبتها علشان تفرح.
أخذ يمسح دموعه ثم أمسك وجهي بين يديه بحنانٍ وقال:
_ لا يا حببتي، مين قال لك إني مش فرحان.. دي دموع الفرح يا أحلى حاجة حصلت لي في الدنيا.
احتضنني وقبَّل خدي، ثم قسَّم قطعة البسبوسة بيني وبينه، وبدأ في تناول قطعته بسعادة، لكن أنا أسرعت وأمسكت القَدوم الخشبي واخذت أحفر حفرةً صغيرة في الأرض و أضع فيها قطعة البسبوسة، وأغطيها بالتراب ثم أرشها بالماء. فسألني متعجبًا عمَّا أفعل.. فقلت له:
_ بزرعها يا جدي، علشان تطرح شجرة بسبوسة كبيرة، وتأكل منها كتير من غير حد ما يعرف.
لتنطلق ضحكته وترن في هذا الفضاء الجميل، ويحتضنني مرة أخرى بقوة.
ذهبت للقرية بعد كل هذه السنوات فلم أجدها، نعم لم أجدها؛ فقد تبدلت.. أصبحت مسخًا دميمًا من المدينة، بُدلت مبانيها الطينية بالطوب الأحمر على حساب الأراضي التي بار معظمها، ملابس النساء الملونة التي كانت تحضر الربيع قبل موعده أصبحت سوداء قاتمة، أطباق الإستقبال تغلف أسطح المباني، حتى جدتي لم تعد تخبز في الفرن الطيني بالقش وأقراص الجِلة، أصبحت تشتري الخبز من فرن العيش السياحي.
رحلت القرية التي كنت أعرفها، رحلت عندما رحل الرجل الطيب وأنا لا أعرف هل أخذها معه؟ أم أحذته اليها؟ سألت عن موته.. قالوا كان يصلي في الأرض، سجد ولم يعتدل، وترك وصيةً ذكر فيها اسمي ولن تُفتح إلا في حضوري، وترك لي أيضًا خطابًا خاصًا.
تركتهم يتحدثون في الأموال وذهبت إلى الأرض، فرح قلبي عندما وجدت شجرة الصفصاف مازالت باقية، جلست في ظلها ونظرت لتلك الأعشاب التي زادت واستوطنت بأمانٍ، وجدت القَدوم الخشبي مسنوداً على جزع الشجرة مثلما وضعه بيده قبل أن يرحل، وجدتني أشعر بغصة ومرارة و أمسك القَدوم وأزيل هذه الأعشاب بلا رحمة وكلماته تتردد في أذني فأبكي وأبكي حتى أصابني التعب، مر بعض الوقت وتذكرت الخطاب ففتحته لأجد تلك الكلمات:
_ لا تحزني يا ابنتي، أنا الآن مع الحبيبة، أحيا فيها من جديد، أنا في كل نبتةٍ خضراء تولد، وفي كل ثمرة وفي كل زهرة، أنا في كل شبر حولك، الموت ليس فناء يا ابنتي، فأنا أحيا فيها مثلما كانت تحيا بداخلي، الآن الأرض لكِ، فأنتِ يا حبيبتي مَن زرع شجرة البسبوسة.
جدي العجوز صاحب الابتسامة المشرقة والقلب الطيب، يستيقظ قبل الفجر، يتوضأ ويخرج من الدار ليصلي في الأرض، ويدعو الله دائمًا أن يُدفن في أحضانها.
كان متيمًا بها حتى أنني لم أكن أعرف مَن منهما جاء أولًا؟ وهل هو منها أم هى منه؟ وهل هي حقًا أمه كما تقول جدتي؟ فهو له نفس اللون الأسمر الهادئ، والخطوط على جبينه مرسومة بعناية مثلها مثل الخطوط التي يصنعها المحراث على سطحها الجميل، زرقة عينيه كانت كزرقة الماء الذي يرويها ويزهرها.
الأرض.. قطعة من جدي، قطعة من روحه، رائحة الطين المخلوط بالعرق كأنها الأنفاس التي تهبه الحياة.
بكيت كما لم أبكِ من قبل، وتذكرت الأيام البعيدة .. أيام الطفولة والإجازة الصيفية عندما كنت أسافر لتلك القرية البسيطة التي تحتضن الطبيعة الصافية بداخلها لتعزلها عن هذا العالم الرمادي المجنون.
تذكرت فترة ما بعد الظهيرة فقد كانت أحب الأوقات إلى قلبي، كنت أذهب إليه مع خالتي الكبرى، وأنا أحمل منديل الغداء وهى تحمل القُلة الفخار، كان يبتسم بسعادة غامرةٍ عندما يرانا، يترك الفأس ثم يستلقي في ظل شجرة الصفصاف الوارفة ليتناول الطعام.
في إحدى المرات وهو يمسح قطرات العرق التي تتسابق على جبينه وقعت عيناه على مجموعة من الحشائش الضارة التي اقتحمت مملكته الحبيبة؛ فترك الطعام من يده وهب من مكانه والتقط القَدوم الخشبي الصغير وأخذ ينزعها بلا رحمة، ثم يربت عليها بكفه الضخم ليساويها ويعيدها سيرتها الأولى، وكأنه يداوي جُرحًا لحبيب.. بعدها يجلس في هدوء ويفتح المنديل ويبدأ في تناول الطعام وهو مستريح.
_ مش هتغسل إيدك يا أبا؟
هكذا قالت خالتي ليبتسم متهكمًا:
_ من إيه! من الطين؟! منها وإليها يا بنت أبوكِ.
_ طيب.. همشي أنا بقى، عندنا خبيز.
تقول جملتها وهي تنظر لي فأهز كتفي لأخبرها بدون كلام أنني سأبقى مع جدي؛ فتنصرف غير عابئة بي، بعدها ألتفت لهذا الجالس أمامي وأتساءل بطفولية بريئة:
_ جدي، انت ليه بتحب الأرض قوي كده؟ حتى وأنت بترتاح ماسك القدومة وبتنضفها.
ابتسم لي وقال:
_ الأرض دي هي الخير، مفيش حاجة تقع عليها إلا وتزيد وتكتر، ولو عايزين الخير ده لازم نراعيها، الأرض حضن ميحسش بدفاه غير اللي يحبها وتحبه، أنت عارفة إني كنت هموت علشان الأرض دي؟
_تموت! إزاي يا جدي؟
_ كان في ناس طماعين عايزين يسرقوها مننا.. حاربتهم أنا ورجالة جدعان.. شفتهم بيموتوا قدام عيني ودمهم بيختلط بالأرض وهي بتزغرط، عمرنا ما عرفنا الخوف ولا رجعنا خطوة لورى.. كنا بنتسابق مين فينا يحضنها الأول..............
كنت أستمع إليه وهو يتحدث عنها وكأنه عاشقُ يهيم في محاسن حبيبته، كنت أسافر مع كلماته بعيدًا إلى أعماق هذه الأرض، وأتساءل.. هل تشعر الأرض بمحبته؟ هل تحبه مثلما يحبها؟ لأنتبه على صوته مرة أخرى وهو يقول:
_ ها.. تحبي تجربي؟
_ اجرب إيه يا جدي؟
_ تزرعي بإيدك.
_ياريت
ينهض ويخرج سكينه من جيب جلبابه المعلق على الشجرة، ثم يقطع شريحةً دائرية من ثمرة الطماطم ويحفر حفرةً صغيراً في الأرض، ثم يضع الشريحة وينهال عليها بالتراب، ثم يرويها ببعض القطرات من ماء القُلة.
_ شوفتي.. اللي عملته ده هيطلع كذا شجرة طماطم بشرط.. لازم تراعيها، مش تزرعيها وتسبيها تنشف.
ثم قدم لي السكين وأبتسم لأفعل مثله؛ فقمت بقطع شريحة ثانية من الطماطم وزراعتها بنفسي ورششت عليها الماء، ليبتسم أكثر ويقول:
_ دلوقتي بقى ليك زرعة في الأرض يا قلب جدك، خلي بالك عليها.
هكذا كان جدي مع أرضه ومعي، لكنه في عالم آخر كان دائم الشجار مع جدتي التي لا تريد أن يتعلم أبناءها الفِلاحة، وتسعى دائمًا لإحضار أنفار بالأجرة للقيام بالعمل، وتقول:
_ أنا عايزة ولادي أفندية مش فلاحين.
ليرد جدي بعصبية:
_ ولما كل الناس تبقى أفندية.. مين هيراعي الأرض؟!
ثم يتركها وينصرف غاضبًا للقاء محبوبته السمراء التي لا يقدرها أحد.
كنت حزينة لحزنه.. في اليوم التالي، ذهبت إلى دكان القرية، ومعي بيضة الإوزة الكبيرة التي أعطتني إياها جدتي بعد عملٍ شاقٍ لمدة أسبوع كامل في ترتيب الدار، وإعداد الغداء، وعجن وخبز العيش.. لأبادلها بقطعة بسبوسة.
البسبوسة التي يحبها جدي العجوز صاحب الأسنان المتساقطة؛ يحبها لأنها تُبلع بسهولة وبدون عناء، وغالبا ما يأكلها بعيدًا عن جدتي حتى لا تغضب منه، وإن كانت دائمًا غاضبة من كل شيء وعلى أي شيء.
حصلت على غنيمتي وذهبت إلى جدي في موعد الغداء، وأنا أتمنى أن تدخل هديتي السعادة على قلبه الطيب.. وعندما جلسنا قلت له بعد أن انصرفت خالتي أن يغمض عينيه، وأخبرته أني أحضرت له هدية وقد عملت طوال الأسبوع مع جدتي مقابل ثمنها.
أخرجت هديتي وقدمتها له، ليفتح عينيه ويطيل النظر في وجهي الصغير ويذرف دمعةً ثم يحتضنني بقوة.
_ أنت بتعيط يا جدي! ده أنا جبتها علشان تفرح.
أخذ يمسح دموعه ثم أمسك وجهي بين يديه بحنانٍ وقال:
_ لا يا حببتي، مين قال لك إني مش فرحان.. دي دموع الفرح يا أحلى حاجة حصلت لي في الدنيا.
احتضنني وقبَّل خدي، ثم قسَّم قطعة البسبوسة بيني وبينه، وبدأ في تناول قطعته بسعادة، لكن أنا أسرعت وأمسكت القَدوم الخشبي واخذت أحفر حفرةً صغيرة في الأرض و أضع فيها قطعة البسبوسة، وأغطيها بالتراب ثم أرشها بالماء. فسألني متعجبًا عمَّا أفعل.. فقلت له:
_ بزرعها يا جدي، علشان تطرح شجرة بسبوسة كبيرة، وتأكل منها كتير من غير حد ما يعرف.
لتنطلق ضحكته وترن في هذا الفضاء الجميل، ويحتضنني مرة أخرى بقوة.
ذهبت للقرية بعد كل هذه السنوات فلم أجدها، نعم لم أجدها؛ فقد تبدلت.. أصبحت مسخًا دميمًا من المدينة، بُدلت مبانيها الطينية بالطوب الأحمر على حساب الأراضي التي بار معظمها، ملابس النساء الملونة التي كانت تحضر الربيع قبل موعده أصبحت سوداء قاتمة، أطباق الإستقبال تغلف أسطح المباني، حتى جدتي لم تعد تخبز في الفرن الطيني بالقش وأقراص الجِلة، أصبحت تشتري الخبز من فرن العيش السياحي.
رحلت القرية التي كنت أعرفها، رحلت عندما رحل الرجل الطيب وأنا لا أعرف هل أخذها معه؟ أم أحذته اليها؟ سألت عن موته.. قالوا كان يصلي في الأرض، سجد ولم يعتدل، وترك وصيةً ذكر فيها اسمي ولن تُفتح إلا في حضوري، وترك لي أيضًا خطابًا خاصًا.
تركتهم يتحدثون في الأموال وذهبت إلى الأرض، فرح قلبي عندما وجدت شجرة الصفصاف مازالت باقية، جلست في ظلها ونظرت لتلك الأعشاب التي زادت واستوطنت بأمانٍ، وجدت القَدوم الخشبي مسنوداً على جزع الشجرة مثلما وضعه بيده قبل أن يرحل، وجدتني أشعر بغصة ومرارة و أمسك القَدوم وأزيل هذه الأعشاب بلا رحمة وكلماته تتردد في أذني فأبكي وأبكي حتى أصابني التعب، مر بعض الوقت وتذكرت الخطاب ففتحته لأجد تلك الكلمات:
_ لا تحزني يا ابنتي، أنا الآن مع الحبيبة، أحيا فيها من جديد، أنا في كل نبتةٍ خضراء تولد، وفي كل ثمرة وفي كل زهرة، أنا في كل شبر حولك، الموت ليس فناء يا ابنتي، فأنا أحيا فيها مثلما كانت تحيا بداخلي، الآن الأرض لكِ، فأنتِ يا حبيبتي مَن زرع شجرة البسبوسة.