إبراهيم محمود - مجرد بعوضة... قصة

أنا كائن دموي. أقولها بصريح العبارة، ودون مقدمات. نعم، يسمّونني بعوضة. هكذا كنت، وهكذا سأكون، كما عرِفتُ منذ بداية الحياة.لكنني لست مصاصة دماء. لا، فقط أنا كائن دموي. لقد أسيء إلي كثيراً. لست الكائن الوحيد الذي يتغذى على الدماء، دماء بني البشر خاصة. لست أنا من اخترتها، إنما هي طبيعتي، وأنا ملتزمة بتطبيق هذا القانون، قانون الطبيعة التي أنتمي إليها. وعندما آخذ كفايتي، حيث أجمع بين جوعي وعطشي، فهما واحد عندي، أبتعد وأعيش عالمي البعوضي. هل تستغربون عندما أشير إلى عالمي؟ لكل منا عالمه. وحده هذا الداب على اثنتين، يتحدث عن العالم، عن عالمه. يا له من أناني، ومن متغطرس.
أنا أممٌ ، أصناف كثيرة، عالمية، لم نخلَق فقط لنركّز على الدماء التي نحتاجها، هناك حياة أخرى نعيشها. لنا مرَحنا، لهونا، علاقاتنا البعوضية الخاصة، مهام كثيرة، لم يُكشَف عنها بعد. يعني أنني ، وبوصفي بعوضة، لست مجرد حشرة جرى ويجري ربطها بلسع الجسم وامتصاص الدم. لنا نحن، بأجناسنا وأنواعنا، وظائف، في الحياة، في الطبيعة، وماذا يفيد هذا الذي أطلق علينا وصفاً عاماً" البعوض من الحشرات الضارة ". يا للجهل المقزّز أشد الضرر !
ولأنني أتحدث عني، أنا البعوضة، أشدد على وجوب تمييزي عن هؤلاء الذين لا يكفّون عن امتصاص دماء بعضهم بعضاً، ولا يتوقفون عن فعل الامتصاص هذا، لأن نهمهم لا حدود له. بينما نحن جماعة البعوض، فما أن نحصل على حاجتنا لا نعود نفكر بالدم أبداً.
ولأنني من خلال بحثي عن مورد رزقي في أجسام كثيرين، فقد عشت حالات صدمتني. فلقد كنت أرى بحكم الغريزة، أن أي جسم، يكون هدفاً، ويستجيب لحاجتي عند اللزوم. والوضع لم يكن كذلك، فالذين لمست جلودهم، كانوا متنوعين، ومختلفين جداً عن بعضهم بعضاً.
هناك أجسام، كادت أن تقضي علي بطبيعتها، وقد نجوت بأعجوبة، كما لو أنها مادة لاصقة،أوتحمل أوباراً ماصة، وكنت أمتلىء رعباً، وأصطدم بتلك الطبيعة الجلدية، كما لو أنها مركَّبة، وليست مغلفة للجسم الحي بالذات. كانت دبقة. أي نوعية جلد كانت تلبسها الأجسام تلك.
شعرت أنها مصاصة دماء لكل كائن حي،وكم بدوت ضئيلة، هشة، ضعيفة إزاءها، وإن لم يكن الوضع كذلك، فكيف تشكلت بتلك الطريقة التي ما أن يقترب منها جسم حي حتى تباشر امتصاصها؟إلى أين تذهب كل تلك الدماء التي تمتصها؟
ثمة أجسام عجزتُ عن لسعها.نعم، لمستها، ولكنني كنت أنزلق، أو أدوخ، أو أعجز عن الطيران، وكأنها من جهتها، وضعت لاصقاً عليها، للحيلولة دون بلوغها وإيذائها.
وثمة أجسام، بدت لي وكأنها تخلو من المسامات.. أجسام شحيمة لحيمة..كيف تتنفس، وأي نوعية دماء هي الأخرى تتحرك في أوردتها وشرايينها.
إنما بالمقابل، كنت أصطدم بأجسام، بدت وكأنها خالية من الدماء. كانت جلداً على عظماً، حتى أنني كنت أعجز عن غرز إبرتي ، والحصول ولو عن نقطة دم صغيرة. يا لهزالها .
كان هناك أجسام متاحة لي، أجسام بريئة، أجسام أطفال، مثلاً، لم أستطع الابتعاد عنها، طبيعتي كانت تدفع بي لأن أتصرف طوع قانونها الحيوي، وليس لأنني كنت أريد هكذا، فأنا كما قلت، كائن دموي، في حدود تكويني الحيوي، وليس اشتهائي للدم دون إشباع .
نعم، أنا مجرد بعوضة، بمجرد أن آخذ كفايتي، أزداد ثقلاً، وتظهر سمنتي، وأكتسب لوناً أحمر، وراء الغشاء الشفاف الذي يكسوني، أما أولئك الذين نجوت منهم بأعجوبة، وتعرفت عليهم بحكم غريزتي، وعن قرب، فكم يمتصون دماء، وبغزارة، وبأشكال مختلفة، دون أن تظهر للعين المجردة، إنما تسمك جلودهم، وتسد مساماتهم، ويزداد ثقلهم، وهذا يبقي شهيتهم الدموية قائمة، ودون حدود، تشهد عليها نوعية جلودهم، وملمس جلودهم وخشونتها كذلك بالتأكيد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...