شريف محيي الدين إبراهيم - حب أم كبرياء؟!...

منذ اللحظة الأولى، وجد عمر نفسه مشدودًا إلى سلمى.
كانت تجلس أمامه في الكافيه الصغير، تنصت إليه بعينين واسعتين، تبتسم في الوقت المناسب، وتُخفض نظرها حين يمتدح ذوقها.
بدت جميلة مثالية، كحلم لا يتكرر.
لكن بعد الزواج، بدأت تتغير شيئًا فشيئًا.
ارتفع صوتها، كثرت أوامرها، وصارت تنتقده في التفاصيل: كيف يمضغ، يقف، أو حتى يضحك.
في إحدى الليالي، بينما يحكي عن مشادة في العمل، رفعت حاجبها وقالت دون أن ترفع عينيها عن هاتفها:
– "أنا مش فاضية أسمع حواديتك ، لو عندك حاجة تستاهل، اتكلم... غير كده، اسكت."
نظر إليها مشدوهًا،
تذكّر حين كانت تمسك بيده وتهمس: "أنا بحب فيك كل حاجة."
أما الآن، فسمعها تهمس:
– "غباوتك دي مش لطيفة... ومبقتش أتحملها."
رفع عينيه نحوها، شعر بانكسار داخلي.
هي لا تعترف بأخطائها، ولا تعتذر.
تعامله بتعالٍ، كأنها وحدها تفهم الحياة، وأي اعتراضٍ منه يُعد تحديًا لا يُغتفر.
وحين يطلب منها تخفيف نقدها، تقول بحدة:
– "أنا هكذا. لا تنتظر مني أن أتغير."
وهو، رغم ذلك، يحاول أن يتفهم، يبرر، يصلح العلاقة... لكن ثقلها كان يزداد.
في المساء، حمل باقة ورد، دخل فوجدها مع صديقتها شادية.
قال بابتسامة:
– "رُقيت النهارده..."
رفعت عينيها بلا حماس، التقطت وردة، نظرت إليها، ثم أعادتها ببرود:
– "آه، كويس."
توقف لحظة يستوعب جمودها، ثم قال:
– "أنا تعبت.. وسهرت ليالي، وواجهت تحديات كبيرة.
ضحكت قائلة:
– "كل الناس بتتعب يا حبيبي، إنت مش بطل ولا نجم... زيك زي غيرك."
تاهت نظراته، وكأن كلماتها تمزّق ما كان يظنه ثمينًا.
في الماضي كانت تسانده، أما الآن، فتستهين به.
ظل واقفًا، ممسكًا بالباقة التي فقدت عبيرها، بينما همست لشادية، فضحكت الأخيرة بسخرية.
قالت سلمى دون اكتراث:
– "مش ناوية أعمل حفلة ولا أعلّق زينة."
ألقى الباقة على الطاولة بلا حماس.
نهضت سلمى، مرت أمامه، وقالت وهي تتجه للمطبخ:
– "هعمل شاي لشادية... تشرب معانا؟"
***
حين خرجت للتنزه مع شادية وباقي شلة الأصدقاء ، بقي عمر وحده.
راحت ذاكرته تجوب صورًا قديمة،ضحكتها، خجلها، لمستها...
همس لنفسه:
– "هل كان حبي لها حُلمًا يكسّرني اليوم؟"
عادت إلى البيت، وجدته جالسًا كما تركته.
قالت:
– "أنا مش هقدر أكمّل كده."
لم يرد، فأكملت:
– "أنا عايشة كأني لوحدي... إنت مش حاسس بيا."
وحين صمت، قالت:
– "أنت ضعيف... مش بتعرف ترد... مش قوي."
في داخله، كان يعلم أنه ليس ضعيفًا.
كم من حروب يخوضها في عمله يوميًا،هو يرى انعكاس قوته في عيون خصومه المهزومين.
لكنها لا ترى منه إلا تعب عودته، ولا تتخيل حجم معاركه.
قال بهدوء:
– "القوة مش بالكلام... القوة فعل."
ضحكت كأنها سمعت نكتة باهتة.
لم تعد تهتم لوجوده، لحبه، لتعبه، حتى صار يتساءل: لماذا تفعل ذلك؟
وهو يوفر لها كل سبل الراحة،ويفي بجميع طلباتها مهما كلفه الأمر من مال أو مشقة ،ولم يزعجها يوما بأي طلب له، ورغم هذا تصفه بالعجز،و تتهمه بالهروب ، وهو بالكاد يصمد في عاصفة لا تترك له ملاذًا سوى الصمت.
وفي لحظة صدق، قال :
– مش كفاية كدة ؟ إنت متعبتيش؟!
قالت بوجه قاسٍ:
– "أنا مش عايزة ولادي يطلعوا زيك."
انقبضت ملامحه، تساءل في أعماقه والألم يعصر قلبه : هل وصل بها الأمر إلى الحد الذي صارت فيه تعتبر وجوده لعنة تهدد نسلها؟!
اقترب خطوة، وقال بارتباك:
– "أنتِ ما بقيتيش أنتِ... حتى ملامحك اتغيّرت."
ضحكت بسخرية:
– "عايش دور المظلوم عشان ترتاح، وعامل طيب عشان تغفر لنفسك، وتنسى إن فيّ إنسانة... مش مجرد ظل جنبك!"
مدّ يده نحوها، فتراجعت:
– "بلاش. إيدك بقت باردة... زي كلامك، زي قلبك."
قال برجاء منكسر:
– "طب نرجع نحاول تاني؟"
أجابت، بصوت حاسم :
– الرجوع محتاج حاجة جوايا تكون لسه عايشة...لكن للأسف إنت قتلتها.

حتى جلسة العتاب مع أهلها، تحولت لساحة حرب، لا مصالحة.
كانت أمها صامتة، بينما هي تحكي لأهلها عن "تحمّلها"، و"برود عمر"، وكيف أنه "لا يليق بطموحاتها".
أراد الدفاع عن نفسه ، لكن كلماتها كانت أسرع، تحاصره وتخنقه،قالت دون أن تنظر إليه:
– "هدوءك هو اللي قتلني، أنا محتاجة راجل قوي يحارب عشاني... مش يسكت ويتفرّج."
تنهدت أمها، وقالت:
– "الظاهر إن كل واحد فيكم كان بيحب بطريقته... بس الطريقين ما اتقابلوش."


***

بعد مضى فترة من الزمن....
جلست الأم أمام ابنتها، وعيناهما تشتعلان بالغضب، قالت بحدة:
«أنتِ لم تكتفي فقط بأن تُقلّلي من شأنه، بل كنتِ تفعلين ذلك حتى أمام صديقاتك!!
شادية، صديقتك، هي من دفعتك لطلب الطلاق منه. أليس هذا صحيحًا؟»
تجمّعت الدموع في عينيها، لكنها ردّت بغضبٍ ممزوجٍ بمرارة:
«لم أتوقع منها ذلك أبدًا... شادية كانت تستهزئ به بلا توقف، ودفعتني للابتعاد عنه... وها أنا اليوم أسمع أنه سيتزوجها!»
ارتجفت يدها وهي تمسك بالكوب، وصوتها يملؤه الارتباك:
«كيف يمكن لها أن تخونني بهذا الشكل؟»
صمتت لوهلة، قبل أن يغمرها شعورٌ مفاجئ بالغيرة والحزن:
«شادية... تلك التي كانت تسخر منه، وتُحقّر كل شيء فيه... الآن أسمع أنه سيتزوجها!»
في الصباح ذهبت سلمى إلى الهيئة، ذلك الكيان الغامض الذي يعمل به عمر. وقفت أمام مبنى زجاجي عملاق،وعند البوابة الحديدية، استقبلها الحارس. ردّدت بصوتٍ مكسور:
– الأستاذ عمر حافظ.
فحص بطاقة هويتها، ثم سمح لها بالدخول.
داخل الردهة، كانت المرآة تعكس واقعها المرتبك، والخوف يشقّ طريقه في تفاصيل المكان.
رافقها موظف أنيق في المصعد، وصعدا إلى الأعلى؛ كان أشبه برحلة صعود نحو مكان يتجاوز حدود الأرض.
عندما فُتح الباب، دخلت ممرًا طويلاً صامتًا، حيث ينحني الناس لشيء غير مرئي، لحضورٍ ثقيلٍ يربط الحاضر بالمجهول.
في الطابق، الجدران رمادية تهمس ببرودة السلطة، وملامح السكرتيرات الأوروبيات تُكثّف شعور الغربة.
سألتها إحدى السكرتيرات:
– حضرتك سلمى؟
– نعم.
قالت بصوتٍ يشبه الحذر:
– عمر بك في انتظارك.
دخلت.
رأت عمرًا مختلفًا!!
رجلًا لا يشبه ذلك الذي عرفته، بل قائدًا جالسًا في قصره العسكري؛ شاشات تومض خلفه، خرائط وشيفرات، وجيش من المساعدين يتحركون بصمتٍ مطبق.
صمتٌ طويل ملأ المكان، قبل أن يقول بهدوء:
– تفضلي.
رأت رجلًا لا يشبه ذلك الذي كانت تستهين به في البيت، ولا ذلك الذي كانت كلماته تُقاطع، ومشاعره تُهمَّش.
جالس خلف مكتبٍ ضخمٍ من خشبٍ ، وقد بدا عليه السكون، كسيدٍ للمكان، أو كمن اعتزل الدنيا في برجٍ من هدوءٍ باردٍ لا تبلغه الضوضاء.
الستائر نصف مسدلة، الإضاءة خافتة، صوت التكييف خفيّ... كل شيء هنا يوحي بأنها ليست في عالمها.
جلست قبالته ، شعرت بشيءٍ ينكمش في صدرها، لكنها لم تُظهره، قالت ، وهي تحاول أن تبدو واثقة:
– كان لازم أشوفك... أتكلم معك.
ابتسم ابتسامة صغيرة، لا تشبه ابتسامته القديمة، بل كانت كأنها مجرد ظلٍّ من ماضٍ بعيد،رفعت عينيها إليه، لم يكن في وجهه غضب، بل سلامٌ قاسٍ.
قالت بصوتٍ متهدّج:
بس كنت عايزة أفهم.
أومأ برأسه، وقال بهدوء:
–. كل شيء كان واضح... بس إنتِ كنتِ مشغوله بإثبات إنك صح.
سألته بخوف:
– هل كنتَ تحبني؟
ردّ بحزنٍ عميق:
– كنت... كنت حتى صدّقتِ إني أقلّ منك.
نهضت ببطء،. وقفت عند الباب، ثم استدارت تنظر إليه نظرةً أخيرة، فوجدته منشغلًا بأوراقه، غادرت المكتب، وصوت كعب حذائها يتردد في الممر الرمادي الطويل، كأنها تودّع وهمًا عاش طويلًا في ذاكرتها.
وفي الخارج، حين لامست الشمس وجهها، شعرت بشيءٍ يسقط من روحها.

***
بعد يومين، عادت ثانية إلى "الهيئة"، ذلك المكان الذي يصبح أكثر غموضًا، كلما ابتعدت عنه.
طلبت مقابلة عمر.
قالوا لها:
– الأستاذ مشغول.
انتظرت طويلا...
ثم جاء المساعد:
– الأستاذ عمر سيقابلك لخمس دقائق فقط.
دخلت.
رأته واقفًا، ينظر من نافذته العالية
عندما سمع خطواتها، لم يلتفت.
قال بهدوء:
– رجعتِ؟
ردت بصوتٍ متهدّج:
– أجل.
سألها:
– لماذا؟
أجابته:
– لأني أريد سؤالًا واحدًا.
ابتسم.
قالت:
– من أنت؟
نظر إليها بعينين ثقيلتين:
– أنا عمر، الذي كنتِ تضحكين على مظهره...
ثم التفت ببطء، وأضاف:
– ذلك الذي كان يحبك أكثر مما يمكن أن يقال.
قالت، والدموع تبلل صوتها:
– كنت غبيّة.
قال:
– بل كنتِ صادقة مع نفسك.
قالت :
– لم أستطع أن تتحمّل رجلًا ضعيفًا.
قال في حدة :
– وأنا لم أكن قطّ ضعيفًا.
سادت لحظةُ صمت،
كان عمر، بهيئةٍ لم تعرفها من قبل، بدلته الرسمية، تعابير وجهه الصارمة، النظرة التي تسبق الكلام.
همست، وصوتها بالكاد يُسمَع:
– سمعت إنك... إنك هتتجوّز.
أومأ دون أن يبتسم.
ارتبكت، حاولت أن تتماسك، لكنها شعرت أن كلّ ما فيها يتداعى.
قالت وهي تقترب خطوة:
– شادية؟!
إزاي؟! كانت بتضحك عليك! كانت بتسخر منك... وانت عارف!
ابتسم ابتسامة قصيرة، ساخرة،
– كنت عارف... بس هي يمكن شافت اللي إنتِ معرفتيش تشوفيه.
شهقت. شعرت أن الهواء يختفي من الغرفة، وكأنها غرقت في بحرٍ من الندم.
قالت بصوتٍ مرتجف:
– بس... أنا حبيتك بجد... كنت مستنيّة إنك تتغيّر... إنك تحارب علشاني.
ردّ، وصوته يحمل صدى أيامٍ طويلة من الصمت:
– ماكنتش ينفع أغيّر نفسي علشان حد.. أنا كنت محتاج اللي يشوفني زي ما أنا... مش اللي يشوفني أقل من نفسه.
سكتت، وكأن الكلمات صارت عبئًا ثقيلًا لا يُقال.
أكمل وهو ينهض، يتهيّأ للخروج:
– أوقات، الحب بيكون مش كفاية..
نظرت إليه وهو يمرّ بجوارها دون أن يلمسها، صدى خطاه كأنه يبتعد عن شيءٍ مات منذ زمن.
اقتربت، همست:
– هل يمكن أن نبدأ من جديد؟
ابتسم، ولم ينبس بكلمة .
وقفت عند باب المصعد، تنظر إلى انعكاسها في الزجاج.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...