إبراهيم محمود - حدَّثني النمر قال... قصة

كان علي أن أقطع مسافة كيلومترات عدة، في طريق يسهل سلوكه، لأصل إلى جهة لإنجاز عمل تهيأتُ له منذ مدة. على جانبيّ الطريق، وعلى مد النظر، تنبسط الأرض. ثمة أعشاب، ونباتات متباينة في أشكالها وألوانها وأطوالها. ثمة بقَع جرداء، تكشف عن تربة عارية. أصوات خفيفة تنبعث من مسافات يصعب تقديرها. في طريق كهذا، كنت بالغ الحذر.
لمحتْ عيني نمراً مقبلاً من جهة اليمين. كان يقترب بخطى موزونة وهادئة،قاصداً الطريق، أو هكذا تراءى لي. شهَّرت خنجري، استعداداً لأي طارىء. ازداد اقتراباً، قدَّرت أنه رآني.
-أرجِعْ خنجرك إلى غمده. من جهتنا ليس هناك من يؤذيك، أو غيرك، إلا إذا أضمرت شراً.
قالها بصوت واضح، وقد اقترب، بحيث إنه ما أن أصبح بمساواتي سار بجانبي دون أن ينظر إلي، كأن بيننا موعداً.
ترددت بين أن أرجع خنجري إلى غمده أو أبقيه حيث هو..
جاءني صوته، بنبرة أعلى، ودون أن ينظر إلي، وهو يمشي بجواري، وكأنه لصق بي:
-فكرة الشر تشغلكم دائماً. اطمئن، ليس لدي أي نية لإيذائك ، إلا إذا حاولت مضايقتي..
صدَّقته، أو كان علي أن أصدّقه، أشعرتني حركته بأنه ليس كما حسبتُ حقيقةً.
-سنترافق معاً لبعض الوقت، فأنا بدوري لدي موعد ضروري،لا ينبغي أن أتخلف عنه.
لم أعلّق على قوله، إنما نظرت إليه من زاوية عيني، وتابعت سيري.
-لو تصرفتم مثلنا، ولو قليلاً، لكنا أكثر أماناً معاً.
وجدتني أعلّق عليه:
-لماذا هذا التحامل علينا، نحن البشر؟
-هذا أول الكلام،أرأيت؟ وفيه حكْم قطعي. ادعاء البراءة في الذين تقولونه عنا وتخططون له ضدنا.
علّق سريعاً على ما قلت، فاضطررت إلى أن أظهر له مقدرتي على إثبت صدق كلامي:
-لأن تاريخكم يقول ذلك.
رد علي في الحال، وبصيغة استفسار:
هل لديك جرد بعدد الذين قِتلوا من الجهتين، ومن يكون البادىء في مطاردة الآخر؟
لم يمهلني وقتاً لكي أوضّح له موقفي، حيث قال لي:
-اسمعني جيداً. أنتم دائماً، تمارسون الشك في بعضكم بعضاً.فكيف الحال تداهنا؟ وعلى قدر ادعائكم أنكم تملكون عقولاً راجحة، تبتعدون عما يحرّككم في نفوسكم، من مشاعر وأحاسيس في بث الفتن والصراعات وسفك الدماء، وبقدر ما توسّعون حدودكم، ومضايقتنا، تتضاعف الرغبة لديكم في المزيد..
-ولكن...
قاطعني، ودون أن ينظر إلي:
-هكذا أنتم، الحق هو ما ترونه أنتم. هل فكّرتم مرة، بالطريقة التي تنظرون فيها إلينا؟ هل فكرتم بحقيقة ما تقومون به، وأنتم تزجّوننا في أوصافكم وتعابيركم الغريبة العجيبة، حيث تربطون بنانحن الحيوانات، كل كلمة من كلماتكم الدالة على الغدر، الخيانة، المكر، التمويه، القسوة، وحتى في القوة والجرأة؟ بينما نحن، لم نحاول يوماً طلب المساعدة منكم، أو التذكير بكم، وإقحامكم في عالمنا..ليس لدينا ما نخفيه... هل أنتم هكذا؟ أنظرت أنت نفسك إلى وجهك ولباسك، وماذا يوجد وراءهما؟ ظاهرنا وباطننا واحد، بالعكس من تصرفاتكم، لهذا نعيش استقراراً أكثر منكم..
ساد صمت بيننا لبعض الوقت..سألني بعدها:
-أتعجز عن الرد؟ هل لديك ما تثبت عكس ما قلتُه؟
كنت أنفعل في داخلي، وأنا أقلب كل كلمة له على وجوهها. كيف لحيوان، حتى لو كان من نمط النمر هذا، كما هو معروف في خفته ورشاقته، أن يظهِر عجزي عن مواجهته.
كان حذري في أوْجه، خصوصاً إزاء حيوان كهذا..
في الجهة الأخرى، كان هناك من يتقدم منا، كأنه يريد السير معنا، وهو يستحث الخطى.
حركة من رأسه الصغير، دفعت به إلى الابتعاد عني، وقد زادت مساحة قفزاته اتساعاً.
-إلى أين؟
سؤال أطلقته بصوت عال، وأنا أركّز عليه وهو يسرّع خطاه:
-مااجتمع آدميان ، إلا وكان الشر ثالثهما..
وكالسهم انطلق، ليختفي عن الأنظار سريعاً !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...