كان هناك....
أبيض كأنه مقطوع من جلد القمر،
عينه في عينيّ.
لم يصرخ، لم يرفرف، فقط كان..
وكنتُ أنا المرتجف بين حلم ويقظة.
لم أفهم، لم أهرب!!
شيء داخلي انكمش، وكأنه لم يكن طائرًا بل علامة.
في عتمة الليل، حيث يهمس السكون بأسراره،
كان وجهه كقلبٍ ناصع البياض، محاطٍ بحلقة سوداء كعين الهاوية،
عظيم الحجم، أكبر مما توقعت، كأنه جاء من عالمٍ بعيد،
صامت لا يتحرّك ، لا يهمس، لا يصدر صوتًا،
كأنه يحمل في هدوئه ثقل عصورٍ من الغموض.
التقينا بنظراتٍ تزنها دقّات قلبي،
وارتجف الكون حولي،
كأن الزمان توقف، وكأن المكان اختفى،
ذلك الضيف الأبيض لم يكن طائرًا عاديًا،
كان يحمل بين جناحيه سؤالًا بلا جواب،
ووعيدًا بأن ما في داخلي لن يبقى كما كان.
وفي لحظة، اختفي، تلاشي مع أول ضوء،
لكن أثره بقي يلوّح في عتمة روحي،
يذكّرني أن هناك أسرارًا خلف الظل،
وأن هناك ضوءًا لا يُرى إلا لمن يجرؤ على النظر.
***
رجل عيناه تحجبان أسرارًا عميقة،
يدخّن سيجارة،
يخرج دخانها في وجهي، ويرميني باتهامات غريبة.
قال: أنت من ضغط الزناد.
لا تخبرني بالحكاية، أنا أعرفها قبلك.
رددت: لكنني لم أقصد.
ضحك: النية لا تهم، المهم أن الرصاصة خرجت.
ثم اختفى، كدخان سيجارته،
وتركني وحدي أتنفّس ذنبًا لا أعرف إن كنت أملكه.
وفي الهواء، ظلّ الدخان يتلوى على شكل طائر أبيض... ثم اختفى.
***
في الشارع، الزحام لا يهدأ... المارة، السيارات، الأطفال، الضجيج.
وأنا وحدي، أسأل نفسي: هل أنا متهم؟ متهم بماذا؟
ولماذا لا أجد جوابًا؟
أغمضت عيني،
كأن ما حدث لم يكن.
لكن...
هل ماتت زوجتي حقًا؟
لم أقتلها عمدًا، فقط ضغطت على الزناد...
رصاصة في صدرها، دماء تسيل، فم ملتوي، زبد أبيض، عيون مرعوبة.
تركتها جثة هامدة، ثم خرجت أتناول وجبتي.
***
في صباح اليوم التالي، عدت إلى البيت.
لم أجدها.
سألت عنها جارتي، قالت: هي عند أمها.
ذهبتُ إلى هناك... فتحت لي الباب.
كانت تنظر إليّ كما لو أنني غريب.
صحت: أأنتِ؟
قالت وهي تتراجع: ماذا تفعل هنا؟
اقتربت أكثر، لا أثر للطلق، لا زبد، لا دماء
هل كنتِ ميتة؟
قالت: مكانك هناك، في مستشفى الأمراض العقلية.
ثم أغلقت الباب.
***
ذهبت إلى أبي.
كان يجلس في الظلام، عيناه محمرتان، وصوته مكسور.
قلت: هل تعتقد أنني فقدت عقلي؟
ردّ بغضب مكتوم: كل العالم يشكّ فيك، وأنا أكثرهم.
ماذا فعلت؟
كان رجلًا من زمن آخر، يؤمن بالوضوح والخطّ المستقيم.
ولكنني لم أعد واضحًا، ولم أعد مستقيمًا.
أمي، وجهها شاحب، تمسح دموعها، وتحاول أن تظل قوية.
قالت بصوت مكسور: ابني... لا تترك نفسك تهوي.
قال أبي، وكأن الليل يتحدث على لسانه:
هل سنظل نعيش في كابوس هذا الليل الأبيض؟
تبادلنا النظرات،
وكأن الليل الأبيض يلفح نوافذ البيت ببرودته، يهمس لنا: هذه ليست سوى البداية.
***
في طريق عودتي، رأيتها تتشبث بذراع رجل غريب.
كان ينظر إليّ بنظرات الاتهام.
قلت له: ماذا تفعل بزوجتي؟
قال: إنها زوجتي أنا.
صحت: كاذب!
قال: اذهب، الشرطة تبحث عنك.
قلت: أنا لم أقتلها.
قال: ومن قال إنها ماتت؟
أنت من مات.
ثم عبرا الشارع، واختفيا في الزحام.
***
ذهبت إلى طبيبي.
كان يجلس وسط مكتبه المرتب بعناية، كأنه يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الألم.
استقبلني بهدوء، وهو ينظر في عيني طويلًا.
قال: هل تراها؟
قلت: أراها كل ليلة.
قال: وهل تسمع صوتها؟
قلت: صوتها كجناح طائر أبيض يضرب روحي.
أطرق قليلًا، ثم قال:
أنت تسكن في حكاية اختلّت حبكتها. تحتاج إلى نهاية.
قلت: بل أحتاج إلى بداية.
قال وهو ينهض ببطء، كأنه يترك ورائه عبئًا لا يريد حمله:
الليل الأبيض ليس ظلامًا، بل مرآة لا تعكس إلا ما نخفيه.
***
في المصحّة،
الغرفة بلا أبواب،
الجدران ملساء،
الضوء خافت.
همسات مريبة تتردد باسمي.
ظهرت زوجتي.
ثوبها أبيض، شعرها مبلل، نظراتها تائهة.
أنا:
أهذا مكان للعلاج؟ أم هذا رأسي؟
هي:
أنتَ في المكان الذي صنعته لي.
هل يعجبك الأثاث؟
أنا:
رأيتك تموتين. لماذا تعودين؟
هي:
أنا لم أمت.
الموت يحتاج إلى يقين… وأنت لا تملك حتى حق الحلم الكامل.
أنا:
هل أنتِ زوجتي؟ أم قاتلتي؟ أم أنني القاتل والمقتول؟
هي (تقترب):
في كل مرة يمكنك أن تراني بشكل مختلف.
أنا:
هل خانتني ذاكرتي؟ أم أنتِ؟
هي:
خانك وهمك حين لبسته قناعًا لي.
أنا:
قتلتك... أو هكذا ظننت.
هي (تبتسم):
بل قتلت جزءًا منك.
وفجأة... ينبثق ضوء من خلفها، ويظهر الطائر الأبيض ، يحلّق بهدوء داخل الغرفة، ثم يهبط على كتفها.
تنظر إليّ نظرة طويلة، ثم تذوب في الضوء.
وأنا... أمد يديّ إلى الفراغ.
الليل الأبيض يزورني في أحلامي،
طيفه يثقل روحي.
أصوات تتداخل، وجوه تتكرّر، هي تضحك ثم تبكي،
وأنا أقف في المنتصف: لا قاتل ولا بريء، لا حيّ ولا ميّت.
الصوت يتردّد من بعيد:
استيقظ... لكن لا تنظر خلفك.
والريح تهمس بين الأشجار، كأنها تتلو صلاة نسيها الزمن.
أبيض كأنه مقطوع من جلد القمر،
عينه في عينيّ.
لم يصرخ، لم يرفرف، فقط كان..
وكنتُ أنا المرتجف بين حلم ويقظة.
لم أفهم، لم أهرب!!
شيء داخلي انكمش، وكأنه لم يكن طائرًا بل علامة.
في عتمة الليل، حيث يهمس السكون بأسراره،
كان وجهه كقلبٍ ناصع البياض، محاطٍ بحلقة سوداء كعين الهاوية،
عظيم الحجم، أكبر مما توقعت، كأنه جاء من عالمٍ بعيد،
صامت لا يتحرّك ، لا يهمس، لا يصدر صوتًا،
كأنه يحمل في هدوئه ثقل عصورٍ من الغموض.
التقينا بنظراتٍ تزنها دقّات قلبي،
وارتجف الكون حولي،
كأن الزمان توقف، وكأن المكان اختفى،
ذلك الضيف الأبيض لم يكن طائرًا عاديًا،
كان يحمل بين جناحيه سؤالًا بلا جواب،
ووعيدًا بأن ما في داخلي لن يبقى كما كان.
وفي لحظة، اختفي، تلاشي مع أول ضوء،
لكن أثره بقي يلوّح في عتمة روحي،
يذكّرني أن هناك أسرارًا خلف الظل،
وأن هناك ضوءًا لا يُرى إلا لمن يجرؤ على النظر.
***
رجل عيناه تحجبان أسرارًا عميقة،
يدخّن سيجارة،
يخرج دخانها في وجهي، ويرميني باتهامات غريبة.
قال: أنت من ضغط الزناد.
لا تخبرني بالحكاية، أنا أعرفها قبلك.
رددت: لكنني لم أقصد.
ضحك: النية لا تهم، المهم أن الرصاصة خرجت.
ثم اختفى، كدخان سيجارته،
وتركني وحدي أتنفّس ذنبًا لا أعرف إن كنت أملكه.
وفي الهواء، ظلّ الدخان يتلوى على شكل طائر أبيض... ثم اختفى.
***
في الشارع، الزحام لا يهدأ... المارة، السيارات، الأطفال، الضجيج.
وأنا وحدي، أسأل نفسي: هل أنا متهم؟ متهم بماذا؟
ولماذا لا أجد جوابًا؟
أغمضت عيني،
كأن ما حدث لم يكن.
لكن...
هل ماتت زوجتي حقًا؟
لم أقتلها عمدًا، فقط ضغطت على الزناد...
رصاصة في صدرها، دماء تسيل، فم ملتوي، زبد أبيض، عيون مرعوبة.
تركتها جثة هامدة، ثم خرجت أتناول وجبتي.
***
في صباح اليوم التالي، عدت إلى البيت.
لم أجدها.
سألت عنها جارتي، قالت: هي عند أمها.
ذهبتُ إلى هناك... فتحت لي الباب.
كانت تنظر إليّ كما لو أنني غريب.
صحت: أأنتِ؟
قالت وهي تتراجع: ماذا تفعل هنا؟
اقتربت أكثر، لا أثر للطلق، لا زبد، لا دماء
هل كنتِ ميتة؟
قالت: مكانك هناك، في مستشفى الأمراض العقلية.
ثم أغلقت الباب.
***
ذهبت إلى أبي.
كان يجلس في الظلام، عيناه محمرتان، وصوته مكسور.
قلت: هل تعتقد أنني فقدت عقلي؟
ردّ بغضب مكتوم: كل العالم يشكّ فيك، وأنا أكثرهم.
ماذا فعلت؟
كان رجلًا من زمن آخر، يؤمن بالوضوح والخطّ المستقيم.
ولكنني لم أعد واضحًا، ولم أعد مستقيمًا.
أمي، وجهها شاحب، تمسح دموعها، وتحاول أن تظل قوية.
قالت بصوت مكسور: ابني... لا تترك نفسك تهوي.
قال أبي، وكأن الليل يتحدث على لسانه:
هل سنظل نعيش في كابوس هذا الليل الأبيض؟
تبادلنا النظرات،
وكأن الليل الأبيض يلفح نوافذ البيت ببرودته، يهمس لنا: هذه ليست سوى البداية.
***
في طريق عودتي، رأيتها تتشبث بذراع رجل غريب.
كان ينظر إليّ بنظرات الاتهام.
قلت له: ماذا تفعل بزوجتي؟
قال: إنها زوجتي أنا.
صحت: كاذب!
قال: اذهب، الشرطة تبحث عنك.
قلت: أنا لم أقتلها.
قال: ومن قال إنها ماتت؟
أنت من مات.
ثم عبرا الشارع، واختفيا في الزحام.
***
ذهبت إلى طبيبي.
كان يجلس وسط مكتبه المرتب بعناية، كأنه يخشى الفوضى أكثر مما يخشى الألم.
استقبلني بهدوء، وهو ينظر في عيني طويلًا.
قال: هل تراها؟
قلت: أراها كل ليلة.
قال: وهل تسمع صوتها؟
قلت: صوتها كجناح طائر أبيض يضرب روحي.
أطرق قليلًا، ثم قال:
أنت تسكن في حكاية اختلّت حبكتها. تحتاج إلى نهاية.
قلت: بل أحتاج إلى بداية.
قال وهو ينهض ببطء، كأنه يترك ورائه عبئًا لا يريد حمله:
الليل الأبيض ليس ظلامًا، بل مرآة لا تعكس إلا ما نخفيه.
***
في المصحّة،
الغرفة بلا أبواب،
الجدران ملساء،
الضوء خافت.
همسات مريبة تتردد باسمي.
ظهرت زوجتي.
ثوبها أبيض، شعرها مبلل، نظراتها تائهة.
أنا:
أهذا مكان للعلاج؟ أم هذا رأسي؟
هي:
أنتَ في المكان الذي صنعته لي.
هل يعجبك الأثاث؟
أنا:
رأيتك تموتين. لماذا تعودين؟
هي:
أنا لم أمت.
الموت يحتاج إلى يقين… وأنت لا تملك حتى حق الحلم الكامل.
أنا:
هل أنتِ زوجتي؟ أم قاتلتي؟ أم أنني القاتل والمقتول؟
هي (تقترب):
في كل مرة يمكنك أن تراني بشكل مختلف.
أنا:
هل خانتني ذاكرتي؟ أم أنتِ؟
هي:
خانك وهمك حين لبسته قناعًا لي.
أنا:
قتلتك... أو هكذا ظننت.
هي (تبتسم):
بل قتلت جزءًا منك.
وفجأة... ينبثق ضوء من خلفها، ويظهر الطائر الأبيض ، يحلّق بهدوء داخل الغرفة، ثم يهبط على كتفها.
تنظر إليّ نظرة طويلة، ثم تذوب في الضوء.
وأنا... أمد يديّ إلى الفراغ.
الليل الأبيض يزورني في أحلامي،
طيفه يثقل روحي.
أصوات تتداخل، وجوه تتكرّر، هي تضحك ثم تبكي،
وأنا أقف في المنتصف: لا قاتل ولا بريء، لا حيّ ولا ميّت.
الصوت يتردّد من بعيد:
استيقظ... لكن لا تنظر خلفك.
والريح تهمس بين الأشجار، كأنها تتلو صلاة نسيها الزمن.