حسن إمامي - مقام النار البيضاء... فصل من رواية "سيدي امحمد بن قاسم"

مقام النار البيضاء

يظل اسم (حدهوم) لقبا مستعصيا على الفهم والشرح. اختلج اللفظ ـ الاسم مختلف الحوارات والخيارات وأشكال التفكير الداخلية عند الساكنة والمعارف. كما ارتبط بحي سيدي امحمد بن قاسم كَاسْمٍ فريد وأوحد لا تجد له نظيرا في أي مكان إلا ما كان من تسمية (أمّي حدهوم) لسيدة بحي (ابن يازغة) كذلك.



لعبة الأسماء ثقافة في الحكي والتحاور. إذا أصاب أحدهم الأرق، قام بجولة ذهنية داخلية تنقله بين الدروب والمنازل والأسماء، فتتمظهر معها أطياف الأشخاص بأسمائها في استعراض موسوعي، وقد يخترقون ليله في حلم يقظة أو ارتباط بذاكرة أو ذكريات...
هي الآن في سنها الثاني والستين تقريبا، لكنها ما تزال صلبة العود لم تتمكن منها هشاشة مفاصل أو عظام ولا بدانة مترهلة. وشْمتها الخضراء الداكنة خط صغير يفلق ذقنها تحت شفتها السفلى. أنف مستقيم وحادّ حدّةَ عينيها الحجليتين. أما صوتها فسريع النطق والتتابع للكلمات. تلابيب "منصوريتها" دائما مطوية لحدود ركبتيها حتى تبقى حرة الخطو والحركة. وقد استطاع الحاج القلعي أن يوفر لابنه البكر ولزوجته سكنا فوقيا يبقيه مع أمه (حَدّْهُومْ) التي لم ترد له ابتعادا عنها: (سي امحمد، عود من أمه، وإخوته وأخواته أوراق منه).
في محطات لاختبار الذاكرة والأسماء، وخلال مراحل إقامته الجامعية بمدينة فاس، كان الطالب الجامعي (عبده) دائم الاختبار لأصدقائه ورفاقه، لكي يحللوا هذا الاسم ـ اللقب. وقد كان محسن الشامي حينها صديقهم الذي يفوقهم عمرا كما مراحل دراسة. كان قد أنهى ديبلوم الإجازة الجامعية وديبلوم الدراسات المعمقة وابتدأ في التحضير لديبلوم الدراسات العليا، وكانت حظوظه ميسرة وميسورة في كل مرحلة لكي يلج سلكا جديدا أرقى دراسيا. ولذلك كان محسن نموذجهم المقتدى، وفألهم المحتذى. ومحسن الشامي هو صاحب التأويل وخبير التحليل النفسي. كل مرة يطلع عليهم بغريب التفسير. لذلك بقيت تأويلاته لاسم (حدهوم) من أفضل ما يمكن حمله كفهْم، ولو كانت أمّي حدهوم لا تعي مقصودهم، وطبعا ليس لأجله سماها أهلها بهذا الاسم:
ـ هي المنتهى من كل شيء والمقصود في كل شيء. لو اطلعنا على شبابها، لكانت قضيب خيزران، وعيناها شعلة بركان، وقوامها رشاقة حور عين...
كانت الجماعة بقدر ما يحلو لها سماع هذه الأوصاف المثيرة، بقدر ما ترجع باللوم على محسن الشامي في تحليلاته الذاهبة إلى جذرية اقتلاع للأفهام وزعزعة لثوابتها:
ـ لو سمعك الحاج لقلعي لقطّعك أطرافا، وشواك أجزاء، وسحل جلدك ومضغ لسانك ورماه لقطّه الأشهب.
يستحضر المكان ذاكرة الأشخاص، وحديثهم عن بعضهم البعض في ذكرى الغياب.
في هذا الصباح الباكر، خرجت (أمّي حدهوم) بمكنستها المصنوعة من الدوم، متتبعة ومقتفية أثر الأتربة والغبار الذي دفعته خيوط الدوم الرقيقة، تنظيفا للمنزل ولِبابه الخارجية.
كان القط الأشهب جالسا قبالة المنزل فوق حرف السور المنحدر بين الزنقة الآتية من مقدم الضريح إلى مؤدى طريق قنطرة عين وليلي المنبسط كطريق صغير معبد تفترق منعرجاته بين اتجاهات كثيرة كباب الرميلة أعلى الجبل أو مسبح الحامة وما يليه كاتجاهات.
تسمية القط عند امّي حدهوم هي القط الأعور، رغم أن عينيه سالمتين من كل حادث مأساوي ومن مغامراته التي لا يخبر بها أحدا. إنما السبب هو ارتماءته في أحد الأيام على ساقها تاركا خدوشا جارحة بأظافره التي انزلقت مع انتهاء المغامرة. كان قصد القط الأشهب هو القبض على خنفساء تدبّ فوق درج الهبوط بين السور وباب المنزل، وبفعل المسافة الطويلة التي اختارها في الارتماء، ربما عجز عن إنجاح قفزته وإصابة هدفه فتعلّق بساق أمّي حدهوم، وربما لكونها سريعة الحركة وقد رمت ساقها في حركة أمامية جعلت القط الأشهب يتفاعل مع الحركة الأسرع في اللعب والمشاكسة... من سيفسر للآخر؟ القط الأشهب جعل سيقانه موهوبة للريح في هروب من صراخ أمّي حدهوم ومن ردّ فعلها الذي يعرف حجمه عقابا. أما هي فقد كانت متحكمة في المشهد منذ بداياته، وكيف انتفخ وبره وتهيأ بساقيه الأماميين وطوى الخلفيتين، وكيف نصب أذنيه و جنح بنواصي شاربيه مكشرا عن أنياب تحن إلى افتراس نمر لغزالة أو ذئب لحمل صغير... طوال النهار لم يصله منها من بعيد سوى صوتها وولولتها:
ـ الاعور الاخر. ما ينفع حينما نحتاج إليه. نقتل الفئران والحشرات بشطابتنا... أين يكون هو حينذاك؟!
من يومها، سمّته بالقط الأعور أو بالأعور مباشرة وباختصار. تُرى، هل سامحته على فعلته؟ لم يكن القط الأعور على يقين من ذلك. لذلك كان في هذا الصباح الباكر، جالسا بمسافة ومتابعا لطقسها اليومي سريع الحركة.
بعد انتهائها من عملية الكنس بسّمت باب المنزل الكبير وأخرجت سطل الجير بشطابة الدوم المغطوسة فيه. حذقت بمهارة في تجيير الجوانب الخارجية للجدران والمؤدى المرتفع للزنقة الجانبية المطلة على منحدر الجبل الشامخ الذي تعتليه صخور ضخمة تحتوي كهوف الحمام الطوبي مُغَنّى ابّا الساحلي، كما بعض أنواع من الطيور والغربان، والتي تتصارع فيما بينها للبقاء على قيد الحياة وألفة المكان.
تقف امّي حدهوم لهنيهة لتستريح. تتأمل بصمت الجبل الذي يسكنها نَفَسَا، لا جديد يوجس الخاطر أو يقلق البال. تلتفت فجأة لصوت محرك سيارة (البّيكابّ) المفتوحة الجفنة والتي رست أسفل السفح بجانب الطريق المعبد الرقيق والمقاوم لعوامل الاقتلاع لجوانبه.
ما انتهت منه من طقس نظافة وتبييض يبعد عالم الحشرات والجراثيم عن محيط المنزل، رأت معه معالم لباس جيار معروف لدى الساكنة. ارتاحت نفسيا لرؤية عُدّة ومهمة تشبه مهمتها شبه اليومية.
تعلم امّي حدهوم أن نظافة المجال ونقاوته مهمة صعبة التحقق، يلطخها الأنام والحيوان والفوضى في الاستعمال. عيناها تتصوران الآن البياض المتقد للجير، النار البيضاء كما استخلصتها كتسمية في يوم من الأيام (نار تطهر). هو غريب الكلام الذي لا تحدّث به إلا القريبات من جاراتها. النار البيضاء، الطهارة البيضاء، البركان الأبيض... كلها أوصاف لهذه المادة الحاضرة والضرورية في الاستعمال. وقد تعلق امّي حدهوم فرارا من الاستمرار في نفس الكلام:
ـ دعونا من هذا الكلام الغريب، قد يظن الناس أننا مسكونات بالأرواح والعجائب.
وإذا كان هذا الصباح هادئا في طقوسه المعتادة فإن صوت المحرك ورسَوَّ السيارة قد أثارا الحواس والخلائق. أذنا القط الأعور وقد انتصبتا. طفل صغير بكسرة خبزه وبدون سرواله وقد انفلت من باب الجيران. بعض النوافذ وقد انفتحت تبسّما بأجنحتها. بينما اقترب بعض الصغار أسفل الحي من مدار حركة القادمين في هذه السيارة وتنزيل طاقمها للوازمهم ومعداتهم منها.
هناك من اكتفى بالمتابعة البصرية مسجلا الحدث وأوصافه، وهناك من تقدم بالمساعدة في إنزال خنشة الجير وجفنة إطفائه وبرميل الماء والسطلين وأشياء أخرى اكتشفها خلال المساعدة.
ـ آش بغاوْ هاذو؟ ماذا يريدون فعله؟
سؤال امّي حدهوم حرّك بصوته الأسماع وأخرج بعض جاراتها اللاتي التحقن بها كأنهن قد بدأن السؤال والجواب قبل اللحظة في سرمدية يقظة ونوم.
تطلّع الرجل الطويل بلباسه المبرقع بألوان الجير والصباغة إلى مدار الحي المترامي الأطراف ببناياته وتضاريسه الوعرة بين حافة الوادي والمنازل المتعايشة مع صخور الجبل بين ثباتها وتحولها وانزياحها. كما تطلع إلى اختبار الملامح، وأولها ملامح امّي حدهوم التي تشبهه في جحوظ العينين والقامة الطويلة والنحيفة. كان الجيار كما يعرفه سكان المدينة ككل هو المعلّم أحمد الحلامي. هكذا بصم الحي تسجيل شخوص الحدث في بداياته. يتطلعون إليه وهو المعتز والمفتخر بمهنته والمدرك لأهميتها وقيمتها.
الجير ببياضه فأل خير وصفاء، مادة مطهرة ومنظفة للجدران والمنازل كما للأشجار والنباتات وجلود الحيوانات المستعملة وخليط أدوية تطهيرية... هكذا هو مختبر الثقافة الشعبية الزرهونية، وهكذا هي تجربتها... وهكذا هي شخصية الجيار، وبالخصوص جيار تقليدي لا يميل إلى استعمال الصباغة العصرية وتقنياتها وموادها وأدواتها.
ركزت عينا المعلم الحلامي على أعلى الطريق، تجاه بناية الضريح. انتقلت معها أعين المدركين بحدس سؤالهم إلى نفس نقطة الجذب. أجابت الحركة بدل الكلام عن فضولهم وأعطت النظرة الجواب لقوس هذا الصباح.
نمنم صوت مفاجىء من وراء شباك نافذة بدون ظهور المتكلمة به:
ـ غادي يجيروا سيدي امحمد بن قاسم؟
ـ والله أعلم، هاذشّي اللي بان ليَ.
تجيبها امّي حدهوم دون أن تراها، فقط صوتان متحاوران، الثاني مصدره ظاهر والأول مستتر. وتتحول الأعين إلى أجهزة تفحّص للبناية، تقيس درجات حاجتها للتجيير والتنظيف. تتساءل حول وضع أعلى السطح والقبة، وحول دواخل جدرانها. ودّتْ لو أنها أعطيت لها فرصة ومدة زمنية لكي تقوم بهذا الافتحاص حتى تعطيه كبطاقة تقنية تحضر لورش الجير والنظافة لبناية الضريح.
تعالت أقواس الاستفهام بارزة من جديد كأنها أسهم متراقصة لنبات الصبار بين الرؤوس، لكنها علامات تشوير للآتي من الكلام:
ـ يعلم الله كيف هو حال الضريح من الداخل؟
سؤال يمتطي صهوة الريح فلا ينتظر جوابا لأن الجواب سيكون مع المعلم الجيار حين ولوجه له. هذا الولوج الذي زاد من دقات طبول نبضات القلب وضغط الدم وولولة خفيفة ترقص على حروف الكلام فوق حبل اللسان، لسان نساء الحي.
كانت الجفنة أول ما أحدث وقعه الصوتي نافضة من حولها أثر الأتربة غبارا متطايرا على جوانبها. بقيت خنشة أو كيس طوب الجير مغلقة إلى أن جاء المعلم الجَيّار بسطلي الماء من (السقاية) الصغيرة الموجودة غرب الضريح. ذلك أن اتجاه القبر يكون شرقا، وبابه جاءت على حافة قدميه، تاركة له مسافة الاستقبال لكل زائر.
كمية الجير كانت متطلبة لوقت مناسب حتى تنحل وتنطفئ بعد تفاعل كيميائي نتجت عنه حرارة وبخار ماء. تلاشى البخار مخلفا وراءه مسحوقا أبيض لزجا وناعما في نصاعة بياضه، وقد تشكل سائلا كلبَن جير أبيض. وخلال تلك المدة، تفرغ المعلم الحلامي لتقشير الحيطان الأربعة المحيطة بالبناية، تاركا مهمة السطح المحدودب في أضلعه الثمانية المتناسقة في التقائها على أعلى قمتها هندسيا، إلى ما بعد الانتهاء من الأسهل.
بقي السُّلم الخشبي منتصبا ينتظر من ينقله من جدار إلى جدار آخر و من يمتطيه صعودا. وبينما المعلم الحلامي في مهمته الأولى التي أرسلت بأصواتها بداية عمل مقدس ومبارك ارتبط بولي من أولياء الله الصالحين ـ ولي يا مَا لجأت إليه القلوب الضعيفة طلبا لشفاء أو إذهاب ألم أو إبعاد خوف وشر أو تقريب بعيد وحبيب ـ كانت بعض نساء الحي تفكّرن في نوعية القِرى والإكرامية التي ستقدمنها للمعلم الجيار. بعضهن كنّ في انتظار ما سيقترحه رب البيت أو فضل نفقة وطبخ هذا النهار.
تعالَى غبار وتناثرت أتربة متكلسة كصفائح رقيقة كانت تغطي جدران البناية من الخارج وتتساقط بسهولة بفعل حرارة الصيف التي وَقَت معها البناية من لهيبها. فهذه "النار البيضاء" برد وسلام على المختبئ داخل جلبابها. هكذا هو قياس دورها وطقسها عند المعلم احمد الحلامي الجيار كما عند امّي حدهوم التي تعلم أن تجيير جدران المنزل من الخارج يخفف وطأة الحرارة الملتهبة لفصل الصيف.
الطقس الذهني للمعلم الجيار مستقر من كل سفر فكري أو خيالي. تدخين الكيف لم يبدأه بعد حتى ينتهي من المرحلة الأولى من تجلية الجدران مما تكلس من أتربة وغبار.
كانت مناداة امّي حدهوم على طفل الجيران مصطفى ولد امّي يامنة، إيذانا بانطلاق أحداث نهار خارجة عن المنزل ومرتبطة بعملية تجيير ضريح سيدي امحمد ابن قاسم.
انطلقت إذن صينية الفطور الأولى، وكانت بصمة امّي حدهوم هي الخطوة المباركة لنساء الحي. من فوق (السلوم) ـ بمنطوق أهل البلدة لكلمة السلالم أو السُّلم ـ أمر المعلمْ الطفلَ الصغير كي يضع الصينية بعيدا عن الغبار وأن يتركها مغطاة إلى حين انتهائه من المسح والإزالة الأولى للأتربة.
وكانت الاستراحة الأولى للمعلم أحمد الجيار على درج مطحنة الحبوب المغلقة منذ مدة. اتخذ طقس تناول الخبز المبلل بزيت الزيتون والمغموس فيه حتى تقاطره دوره قبل شرب كؤوس الشاي التي تُراقص بصوتها المَسامعَ حين ملئها، كما تُراقص نغماتِ راديو المعلمَ الجيارَ مؤنسةً له في العمل ومحارِبةً ملل ورتابة اليومي المرتبطة به.
وهو في نشوة استنشاقاته الأولى المرتبطة بتدخين الكيف، أطل عليه الفقيه بودومة محيّياً له وطالبا منه إسكات صوت الراديو حتى يؤدي طقس قراءته مما تيسر من الذكر الحكيم ترحما على الضريح. طلبٌ أوقف الوتيرة الطبيعية لصباحيات المعلم الجيار وأثار حوارا متنافرا بين الطرفين، كل واحد منهما اتخذ داخله نَهْرا خاصا لسباحته.
أوقف المعلم الجيار صوت الراديو ليس تلبية لطلب الفقيه بودومة، ولكن احتجاجا على طلبه. طالبا منه كي يذهب إلى المقابر خلف قنطرة وليلي ويبدأ بموتاها حتى ينتهي هو من صباحه ومهمته. لم يُجبه الفقيه على طلبه كما لم يعارضه. اتخذ له مسلكا وطريقا إلى المقابر طالبا السلامة من كل ابتلاء: (الله يعفو علينا).
ما تثيره عملية تنظيف كل شيء قديم هو ظهور عيوبه وأعطابه المختبئة. ذلك أن التبليط الجديد بالجير لن يكون سليما ما لم ترمم تلك العيوب. والمعلم الحلامي جيار وليس ببناء. احتجّ مُعْليا صوته ومسمعا الآذان المتدنية بدبدباتها:
ـ الضريح كله مشقوق وانتم تتفرجون عليه منذ مدة. تنتظرون سقوطه ! الكرمة نابتة وسط الحيط؟ وا العجب هذا !
تشبت ساعداه بفرع الكرمة التينية ـ فروع شجرة تين مستوحشة ـ الخارج من الجدار الجنوبي للضريح. حاول معهما اقتلاعه فتساقطت بعض لبنات الآجر متتابعة كما بعض الأحجار محدثة وقع صوت هدم وغبار. وجاء التعليق الذي لا يحبه المعلم الجيار من أحد المارة، لكنه لم يجبه عليه. بقي صامتا ومتأملا وضع الجدار وطريقة إصلاحه الممكنة:
(ـ اضرب الجير واترك الكرمة. كلّ ولي له شجرته المباركة).
حملق فيه المعلم الجيار ولم يجبه. تركه يبتعد حتى لا يعكر عليه صباحه ويزيح نشوته من مخدر الكيف الذي بدأت معه أنغام طرب إبراهيم العلمي في الراديو كما في طناطن رأس ولسان المعلم الحلامي مغذية مسامعه وذهنه، وهو يردد مع كورال الأغنية:
يا اللي صورتك بين عيني
كيف يدير قليبي حتى ينساك
حتى ينساك...
و كل يوم يترجاك...
فجأة كان خروج الحاج القلعي زوج امّي حدهوم. استنفار استدعته آخر معلومات الصباح وحدث الآجر المتساقط. وجد أحد شباب الحي واقفا بجانب المعلم الحلامي، مُصدرا اجتهاده في الإتيان بحبل وربطه بفرع الشجرة ـ الكرمة، وجره بواسطة بغل الحاج القلعي. تدخّل الحاج القلعي بحكمة العارف والخبير:
ـ تريدون هدم كل شيء بفهمكم هذا. وَإيّاكم ونزع الخشبة الموضوعة عرضا بين الآجور وأحجار البناء. ستكون مصيبة عليكم ولعنة. سيقول الناس: المعلم الحلامي خرّب الضريح (مشى يطبّه عماه). هي هذه. اعملوا على قطع فرع الكرمة بمنشار ودقوا مسمار العشرة فيها.
نادى الحاج القلعي على ابنه البكر سي امحمد استعدادا وتحضيرا لعملية الترميم. وجّه الابن السؤال للمعلم الحلامي:
ـ من قال لك أن تجيّر الضريح آ الحلامي؟
ـ السي الكبير. حتى يأتي ونرى هذه المصيبة. أنا جيار ماشي بنّأء ولا فلاح.
تعالى صراخ الأطفال والحضور من هنا وهناك. فجأة اعتلت مجموعة من النساء السطوح المتفرقة بينما خرج بعضهن لأبواب المنازل أو أطل من النوافذ. كان الاستغراب مع سماع نوع الصراخ:
ـ حنش... حنش...
تراءى الحنش بلونه الرمادي اللامع ونقطه السوداء والبيضاء، مخترقا شقوق الجدار إلى أعلى وقد تسارع رشقه بالحجارة، الأمر الذي أبعد المعلم الحلامي مهرولا إلى زاوية بجانب الطاحونة أسفل الضريح.
نصيب الحنش حين ظهوره سيكون شبيها بظهور واكتشاف وجود لص في سوق شعبي أسبوعي أو فأر في عرس قطط. يترك الكل ما بين يديه من اشتغال، ويعوّل على ما يساعده على محاربة العدو لخوف النفس أو لخوف على الصغار في اللعب أو على المنازل في الاختراق كذا الدجاج والأرانب.
أشهرت الهراوات الطويلة التي استطاعت إسقاطه من أعلى الجدار الجنوبي، وكانت مهارة الرمية بحجرة صمّاء من طرف امحمد ولد امّي حدهوم هي القاتلة له، حيث هشّمت رأسه وتركته ممددا في الساحة الجانبيىة، في مشهد للفرجة البطولية التي اختلط فيها الشعور بالانتصار شعور بالخوف. فإذا كان الانتصار للجماعة البشرية، ماذا لو كانت للحنش قبيلته وعشيرته؟ ماذا لو خرجت لتنتصر على الأنام؟
هناك من رأى في المسألة رمزيةَ غضبٍ أو لعنةَ الولي على هذا الضجيج وهذه الرغبة في ترميمه وتجييره. خوف من أن يحاسب الجميع على نقص النية في العمل. ذلك فعلا ما دار في النفوس. ربما لم يستطع البعض منهم الجهر به لكون المقدس قرين بالحمى بين الحلال والحرام.
لم يحتج الأطفال إلى استشارة ولا إلى انتظار تفكير الكبار وتخوفاتهم. تسابقوا بإيعاز من امحمد القلعي إلى إشعال النار في فرع الشجرة المخترقة للجدار. تعالى دخان أسود بفرقعات غريبة وكأن قبة الضريح معمل بخاري يعمل بزيت نفطية. طال المشهد ومعه الفرجة فسُمع صوت منفلت من نافذة منزل:
ـ ناري ناري... الطنجرة احترقت.
كانت أمي يامنة قد غفلت عن مطبخها وكان نصيب ما أعدّته لوجبة الغداء قد احترق فوق نار طهيه.
بينما اخترقت الضحكات الساحة المحيطة بالضريح غرق المعلم الجيار في صمت كِيفِه ورائحته الخضراء وكأنه بعيد عن كل ما حدث ويحدث، منتظرا مجيء من كان سبب تورطه في هذه المصيبة الصباحية. خاطب نفسه (والله لو أن إدارة الأحباس كلفتني بتجيير ضريح مولاي إدريس ما كنت لأقبل عرضك هذا. لكنني في حاجة للعمل ولقمة عيش...).
أين هم أصحاب المقامات الليلية بضريح سيدي امحمد بن قاسم؟
لا أحد استحضرهم الآن. وكأن همّ النهار مستقل عن همّ الليل. ربما سينضاف إلى ملفات حكيمهم وسهرهم فيجد تفسيرا آخر لم يستطع أصحاب النهار فكّ ألغازه؟ أما ابّا الساحلي حكيمهم هذا، فقد توارى عن الأنظار وعن الحضور خلال هذا الشهر من الصيف مع اقتراب مواسم المدينة. لا أحد من أصحاب البلية كان حاضرا مع المعلم الحلامي هذا النهار. يشعر بعزلة داخل ضجيج اليقظة الآن. ماذا لو افتقر لمادة الكيف. من سيمدّه ويسدّ خصاصه؟
فجأة لاحظ أن السائل الذي أفرزته فروع الشجرة ورش جلده قد ترك بقعا شبيهة بحروقات جلدية. صرخ وأرغى أزبد وتهدّد وتوعّد. أصابه هلع وفزع وألم ووجع. لم يعلم كيف تقاطرت عليه المصائب، وأكبرها أن تكون لعنة الضريح هي أهمّها وسببها. من بعيد علّقت أمي حدّهوم في همس لم يسمعها معه أحد: النار البيضاء فيها وفيها !

حسن إمامي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...