كانت تلك الليلة خاليةً من عبء العمل، ومن التزامات الحياة، وعلى الرغم من أنني كنتُ أُحِسُّ ببعض الإرهاق، وكانت نفسي تتوقُ للراحة، فقد عزمتُ على مخالفتها. انطلقتُ صوب المقهى، يَسوقُني بعض الفضول، وربما أردتُ كسر العزلة التي تُطَوِّقُني، وتجعلني أجدفُ وحيدًا وسطَ موجٍ عالٍ ومضطرب.
وصلتُ متأخرًا قليلًا عن موعد اللقاء بأحد كُتّاب السَّرد القصير، فوجدتُه يلتقمُ الميكروفون، ويسردُ تجاربه، وحكاية إبداعه، وانعكاس بيئته على أعماله: الجبل، بيوت الطين، الأغنام، والسُّحُب الماطرة.
أحسستُ بالحرجِ لعدمِ وجودِ مكانٍ أجلسُ فيه، فظللتُ واقفًا متأملًا للمشهد، ثم تحرَّكتُ نحو مديرِ المقهى:
"هل هناك كرسيٌّ لأجلسَ عليه؟"
حيّاني، ودلّني على كرسيٍّ وسط القاعة. كان الرجالُ أولًا ثم النساء، وهذا الكرسي كان قريبًا من مقاعد النساء، ولكنني حين اتجهتُ إليه، همس لي أحدُهم أن هذا الكرسيّ لشخصٍ سيأتي بعد لحظات، فاستدرتُ نحو مقاعد النساء، ألتمسُ النَّجدة علَّها تلوحُ لي في هيئةِ كرسيٍّ يتيمٍ في قاعةٍ مكتظّة.
لمحتُ كرسيًّا خاليًا بجانب إحدى السيدات، فاستأذنتُها في حمله، فما كان منها إلا أن استجابت، وحملته لتُقدِّمه لي بلطفٍ أنقذني من حرجٍ عشتُه لبعضِ الوقت.
وضعتُ جسدي على هذا الكرسي، فأحسستُ بقليلٍ من الانتماء، وبدأتُ أعي ما يقولُ المتحدثُ جيّدًا. تمتلكُ محاورته أنوثةً طاغية، كما أنها كانت بارعةً في انتقاء الأسئلة، وكان هو يُجيبُ عليها بهدوء... تارةً يقرأ من أوراقه المُلقاة على الطاولة، وتارةً يرتجل ويجولُ بنظره في المكان، لكن عينيه لم تستقرا في عينيّ.
لعلّ قُبعتي بدتْ عنصرًا طارئًا لم يعتد عليه هنا، أو أن مكاني في الطرف كان بعيدًا عن نظره، أو أنه لم يكن لينظرَ إلا لمن اعتادَ النظرَ إليهم. إلا أن محاورته قد أرسلتْ سهامَ لحظها نحوي حين كان هو مشغولًا بسرد كلماته الأدبية.
كانت ومضاته جميلة، لكنها كالأيسكريم، سرعان ما تذوبُ في الفم، تتلاشى دون أن تستقرَّ في الوجدان.
كان هناك في الصف الثاني شخصٌ يُصفّقُ ببلاهة، يبتسمُ ويتفاعلُ بدهشة، ذكَّرني بتفاعل جمهور المقرئين ، ولم يبقَ إلا أن يقول: "الله عليك يا شيخ!"
كان يحمل هاتفه أحيانًا لالتقاط صورةٍ للمتحدث، وتارةً صورةً لبعض الحاضرين. وحين جاء دور المتداخلين، تكلَّم وعرّف عن نفسه بأنه أحدُ الشعراء، وأنه مغرمٌ بقصيدة النثر.
أرسل المتداخلون الكثير من الإطراء، والقليل من الأسئلة، وكان الضيفُ زاهدًا في إجاباته عليهم، وقد عذرته؛ فالإطراءُ يجعلُ شكره لهم واجبًا، وحين يكونُ الحديثُ واجبًا، ترتبكُ ملكةُ الإبداع، وينتشرُ ضبابٌ كثيفٌ من المجاملة فتمتنعُ الرؤية.
أعلنت المحاورة الشابة، حوراءُ العينين، نهايةَ اللقاء، وشكرتِ الجميع، وقُدِّمَ درعٌ للضيف، وآخرُ لمحاورته من إدارة الصالون الأدبي.
لملمتُ شتاتَ نفسي ومضيت، تاركًا ورائي الكرسيَّ الأبيض، والإضاءةَ الذهبية، ورائحةَ القهوةِ الفاتنة، وعينين جميلتين.
حملتُ معي عُزلتي إلى الخارج، مضينا معا لنُبحرَ من جديدٍ بصمتٍ ورضا كبيرين
وصلتُ متأخرًا قليلًا عن موعد اللقاء بأحد كُتّاب السَّرد القصير، فوجدتُه يلتقمُ الميكروفون، ويسردُ تجاربه، وحكاية إبداعه، وانعكاس بيئته على أعماله: الجبل، بيوت الطين، الأغنام، والسُّحُب الماطرة.
أحسستُ بالحرجِ لعدمِ وجودِ مكانٍ أجلسُ فيه، فظللتُ واقفًا متأملًا للمشهد، ثم تحرَّكتُ نحو مديرِ المقهى:
"هل هناك كرسيٌّ لأجلسَ عليه؟"
حيّاني، ودلّني على كرسيٍّ وسط القاعة. كان الرجالُ أولًا ثم النساء، وهذا الكرسي كان قريبًا من مقاعد النساء، ولكنني حين اتجهتُ إليه، همس لي أحدُهم أن هذا الكرسيّ لشخصٍ سيأتي بعد لحظات، فاستدرتُ نحو مقاعد النساء، ألتمسُ النَّجدة علَّها تلوحُ لي في هيئةِ كرسيٍّ يتيمٍ في قاعةٍ مكتظّة.
لمحتُ كرسيًّا خاليًا بجانب إحدى السيدات، فاستأذنتُها في حمله، فما كان منها إلا أن استجابت، وحملته لتُقدِّمه لي بلطفٍ أنقذني من حرجٍ عشتُه لبعضِ الوقت.
وضعتُ جسدي على هذا الكرسي، فأحسستُ بقليلٍ من الانتماء، وبدأتُ أعي ما يقولُ المتحدثُ جيّدًا. تمتلكُ محاورته أنوثةً طاغية، كما أنها كانت بارعةً في انتقاء الأسئلة، وكان هو يُجيبُ عليها بهدوء... تارةً يقرأ من أوراقه المُلقاة على الطاولة، وتارةً يرتجل ويجولُ بنظره في المكان، لكن عينيه لم تستقرا في عينيّ.
لعلّ قُبعتي بدتْ عنصرًا طارئًا لم يعتد عليه هنا، أو أن مكاني في الطرف كان بعيدًا عن نظره، أو أنه لم يكن لينظرَ إلا لمن اعتادَ النظرَ إليهم. إلا أن محاورته قد أرسلتْ سهامَ لحظها نحوي حين كان هو مشغولًا بسرد كلماته الأدبية.
كانت ومضاته جميلة، لكنها كالأيسكريم، سرعان ما تذوبُ في الفم، تتلاشى دون أن تستقرَّ في الوجدان.
كان هناك في الصف الثاني شخصٌ يُصفّقُ ببلاهة، يبتسمُ ويتفاعلُ بدهشة، ذكَّرني بتفاعل جمهور المقرئين ، ولم يبقَ إلا أن يقول: "الله عليك يا شيخ!"
كان يحمل هاتفه أحيانًا لالتقاط صورةٍ للمتحدث، وتارةً صورةً لبعض الحاضرين. وحين جاء دور المتداخلين، تكلَّم وعرّف عن نفسه بأنه أحدُ الشعراء، وأنه مغرمٌ بقصيدة النثر.
أرسل المتداخلون الكثير من الإطراء، والقليل من الأسئلة، وكان الضيفُ زاهدًا في إجاباته عليهم، وقد عذرته؛ فالإطراءُ يجعلُ شكره لهم واجبًا، وحين يكونُ الحديثُ واجبًا، ترتبكُ ملكةُ الإبداع، وينتشرُ ضبابٌ كثيفٌ من المجاملة فتمتنعُ الرؤية.
أعلنت المحاورة الشابة، حوراءُ العينين، نهايةَ اللقاء، وشكرتِ الجميع، وقُدِّمَ درعٌ للضيف، وآخرُ لمحاورته من إدارة الصالون الأدبي.
لملمتُ شتاتَ نفسي ومضيت، تاركًا ورائي الكرسيَّ الأبيض، والإضاءةَ الذهبية، ورائحةَ القهوةِ الفاتنة، وعينين جميلتين.
حملتُ معي عُزلتي إلى الخارج، مضينا معا لنُبحرَ من جديدٍ بصمتٍ ورضا كبيرين