الشاعر أحمد حافظ - فراغٌ أُسمِّيهِ قلبي...

إلى جدّتي ستيرة
—-


لو تعودينَ يا جدَّتي للحياةْ!

لو تعودينَ لو لحظةً لأقولَ وداعًا
فقطْ.. لأقولَ وداعا.

فما عُدتُ أسألُ نفسيَ: -من بعد أنْ رُحتِ-

ماذا أُسمِّي حنينَكِ للذكرياتْ؟

شُرُودًا بلا سببٍ واضحٍ،
أم ضياعا؟

آهِ لو عُدتِ يا جدتي لحظةً
لأقولَ وداعا!

أمسِ كنتِ تُعِدِّينَ شايَكِ.

كنتُ أطلُّ عليكِ وأمضي عجولًا كما كنتُ..

دون التفاتٍ لآخرِ حبَّاتِ رملٍ تفرُّ من العُمر ِ
دون التفاتٍ لعينيكِ وهْي تقولانِ ليْ:

لا تدعْني، أريدُ أُكحِّلُ جفنيَّ منكَ.

ولكنني كنتُ أعجلَ من عادتي
ومضيتُ..

ولم أنتبهْ لوميضٍ يجفُّ بقلبكِ
لم أنتبهْ لضفيرةِ شَعْرِكِ إذ تتوهَّجُ حِنَّاؤها في عيوني
وتُنذِرُني بغُرُوبٍ وشيكٍ!

فلا أستطيعُ الجلوسَ إليكِ
لأشربَ من يدِكِ الـ ليس تنضَبُ شايًا لذيذًا

وأحكي مَعَكْ

كنتُ أبعدَ من أنْ أراكِ.. وأنْ أسمعَكْ!

كنتُ أبعدَ من نَدْهَةٍ في شفاهِكِ
تسألُني: أنْ أظلَّ قليلا.

كنتُ أبعدَ من نظرةٍ في عيونِكِ تُخبرُني:
كم أحبُّكَ يا ولدي!
كم أودُّ بقائي طويلا

لكي أطمئنَّ عليكَ وأشهَدَ عُرسَكَ…

سِرْ يا حبيبي
حَمَاكَ إلهي، وحنَّنَ قلبَ الحياةِ عليكَ
ويسَّرَ -في كل شيءٍ جميلٍ- إليكَ سبيلا.

كنتُ أعجلَ
من أنْ ألُمَّ بقاياكِ في راحتيّْ

أنْ أُغلِّفَ صوتَكِ في مُتحَفِ القلبِ
وهو ينادي ببُحَّتِهِ من بعيدٍ عليّْ

كنتُ أعجلَ من أنْ أظلَّ جوارَكِ وقتًا بسيطًا
لكي لا أكونَ عَجُولا…

فاغفري لفراغٍ أُسمِّيهِ قلبي!

أراهُ رغيفًا تعفَّنَ من أَثَرِ الهجرِ.. وهْو يراني قتيلا

لو تعودينَ يا جدَّتي للحياةِ
لكي تُوقِظي عالَمًا في عُيُونيَ .. صارَ طُلُولا!

فبعدَ رحيلِكِ -هذا الذي قَصَمَ الظهرَ-
صارتْ حياتي بلا صفةٍ..

وأنا صرتُ أشتاقُ -من أجلِ أنْ ألتقي بكِ-
هذا الرحيلا…

لو تعودينَ يا جدتي للحياةِ قليلا!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...