نحن أولئك الغرباء عن أنفسهم، نحمل قلوباً نُسيت في العتمة، كأنها مصابيح انطفأت واحدة تلو الأخرى ولم يسأل عنها أحد، نسير في الدروب بلا ظل، بلا صدى، كأن الأرض ترفض أن تحفظ وقع خطانا. نُجيد الصمت كما تُجيد السماء كتمان عواصفها، نُجيد التماسك في قلب الانهيار، وكأننا صُمّمنا من الزجاج لا ليُرى ما بداخلنا، بل ليكسرنا كل من اقترب.
نتظاهر بالقوة، ولكننا في الحقيقة نُصلّي كل ليلة أن لا تأتينا خيبة جديدة، فقلوبنا أصبحت كالأرض المحروثة، لا تنبت إلا الحزن، نتعامل مع الفقد وكأنه ضيف دائم، نُحضّر له قهوتنا المرة، ونجلس بجواره في صمت، ثم نودعه دون دموع... فقد جفّت المآقي منذ زمن بعيد.
نضحك، آه، نضحك كأننا نسخر من أنفسنا، كأننا نُهدهد وجعنا بصوت زائف... نضحك لأن البكاء بات ترفاً، ولأن البكاء لم يعد يجد صدًى في صدورٍ مُثقلة بالخواء، نصافح الحياة بيدٍ وندفن أحلامنا بالأخرى، نُطفئ شموع الأمل ونقول إنها مجرد عادة قديمة، نخلع قلوبنا قبل النوم كي لا نحلم كثيرًا، كي لا نستيقظ مكسورين من رغبة لن تتحقق.
نحن الذين تعلّمنا أن نُرمّم أرواحنا بمسامير الصبر، أن نرتق جراحنا بخيوط التجاهل، وأن نزرع في قلوبنا صمتًا يُغني عن ألف صرخة،أصبحنا نخاف الفرح لأنه لا يأتي إلا حاملاً خنجراً في ظهره، نرتعب من الأمل، لأنه كثيرًا ما خان.
كل شيء أصبح مكرراً، حتى الألم أصبح له نغمة مألوفة، نعرف متى يبدأ ومتى ينتهي، دون أن نتألم كما كنا، الناس نسخٌ متعبة من بعضها، العلاقات طقوس تؤدى دون روح، المشاعر كلمات تُقال ولا تُحسّ، حتى خيانة الحياة لنا أصبحت مجرد مرحلة نمرّ بها لننضج.
لم نعد ننتظر أحداً، لم نعد نشتاق، ولا نغضب، ولا نعاتب... بل نغلق الأبواب في وجه كل ما يمكن أن يبعث فينا حياة، لأن الحياة حين دخلت ذات يوم، خرجت وهي تمسك بأرواحنا ولم تُعدها.
نحن أولئك الذين أضاعوا بوصلة الشعور، الذين تاهوا في متاهات الوعي، فصاروا لا يعرفون هل يشعرون أم يتظاهرون بالشعور؟ هل يفرحون فعلاً أم يقلدون الفرح؟ نحن من يذوبون في الزحام دون أن يفتقدهم أحد، نحن من يحملون على ظهورهم نعوش أحلامهم، ويُواصلون السير.
والسلام على أرواحنا... حين صار السلام حلماً بعيداً لا يُجيد طرق أبوابنا.
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
نتظاهر بالقوة، ولكننا في الحقيقة نُصلّي كل ليلة أن لا تأتينا خيبة جديدة، فقلوبنا أصبحت كالأرض المحروثة، لا تنبت إلا الحزن، نتعامل مع الفقد وكأنه ضيف دائم، نُحضّر له قهوتنا المرة، ونجلس بجواره في صمت، ثم نودعه دون دموع... فقد جفّت المآقي منذ زمن بعيد.
نضحك، آه، نضحك كأننا نسخر من أنفسنا، كأننا نُهدهد وجعنا بصوت زائف... نضحك لأن البكاء بات ترفاً، ولأن البكاء لم يعد يجد صدًى في صدورٍ مُثقلة بالخواء، نصافح الحياة بيدٍ وندفن أحلامنا بالأخرى، نُطفئ شموع الأمل ونقول إنها مجرد عادة قديمة، نخلع قلوبنا قبل النوم كي لا نحلم كثيرًا، كي لا نستيقظ مكسورين من رغبة لن تتحقق.
نحن الذين تعلّمنا أن نُرمّم أرواحنا بمسامير الصبر، أن نرتق جراحنا بخيوط التجاهل، وأن نزرع في قلوبنا صمتًا يُغني عن ألف صرخة،أصبحنا نخاف الفرح لأنه لا يأتي إلا حاملاً خنجراً في ظهره، نرتعب من الأمل، لأنه كثيرًا ما خان.
كل شيء أصبح مكرراً، حتى الألم أصبح له نغمة مألوفة، نعرف متى يبدأ ومتى ينتهي، دون أن نتألم كما كنا، الناس نسخٌ متعبة من بعضها، العلاقات طقوس تؤدى دون روح، المشاعر كلمات تُقال ولا تُحسّ، حتى خيانة الحياة لنا أصبحت مجرد مرحلة نمرّ بها لننضج.
لم نعد ننتظر أحداً، لم نعد نشتاق، ولا نغضب، ولا نعاتب... بل نغلق الأبواب في وجه كل ما يمكن أن يبعث فينا حياة، لأن الحياة حين دخلت ذات يوم، خرجت وهي تمسك بأرواحنا ولم تُعدها.
نحن أولئك الذين أضاعوا بوصلة الشعور، الذين تاهوا في متاهات الوعي، فصاروا لا يعرفون هل يشعرون أم يتظاهرون بالشعور؟ هل يفرحون فعلاً أم يقلدون الفرح؟ نحن من يذوبون في الزحام دون أن يفتقدهم أحد، نحن من يحملون على ظهورهم نعوش أحلامهم، ويُواصلون السير.
والسلام على أرواحنا... حين صار السلام حلماً بعيداً لا يُجيد طرق أبوابنا.
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي