ضحى أحمد الباسوسي

في ذلك المساء الذي لم يكن مساءً حقاً، بل بقايا زمنٍ أضاع اسمه في الطريق، كنت أجلس عند حافة العالم، حيث لا شيء واضح، ولا شيء مكتمل، حيث تختلط الأزمنة كما تختلط الذكريات في رأس رجلٍ لم يعد يعرف إن كان يتذكر أم يحلم. كانت المدينة صامتة بطريقةٍ مريبة، كأنها تعرف شيئاً ولا تريد أن تخبر أحداً...
في آخر الليل، حين تسكن الأصوات وتختبئ الأنفاس خلف الجدران، يظل ضوء هاتفها مشتعلاً كشمعةٍ صغيرةٍ في غرفةٍ أرهقها الانتظار، لا أحد يعلم أن سعرها ذاك ليس حباً في الليل، بل محاولة يائسة لإنقاذ ما تبقّى منها من روح، هو شكل من أشكال المقاومة لديها، أو ربما نوع من أنواع الإنتقام الصامت ضد النهار الذي...
كان المساء يهبط على الحيّ العتيق، يكسو الأزقة بلون الرماد، والريح تعزف لحنها على شبابيك مهجورة. أمام ذلك البيت، وقف طويلاً، يتأمل الباب الخشبي الذي عرف دفء يديه يوماً، بابٌ أكلت أطرافه الرطوبة، وصار كجفنٍ متعبٍ لا يقوى على الانفتاح، حتى سمع صوت من الفراغ يقول له "لا تطرق الباب.. ما عاد من تعرفهُ...
قالت بصوت يثقلُه الأسى: أحياناً يشعر المرء أنه غريب حتى عن ذاته، كأن صورته في المرآة غريبٌ عنه، وكأن روحه تبدّل ثوبها مراراً حتى فقدت ملامحها الأولى. يتساءل في لحظات السكون: هل نحيا حقاً حياة واحدة؟ أم أننا نموت ونُبعث مع كل موجة حزن تعبرنا؟ لماذا يبدو لي أن الولادة لا تحدث مرةً من رحم الأم...
عنها تلك التي لم تشتكِ يوماً، لم ترفع صوتها، عن تلك التي كانت تمضي في الحياة كما يمضي النسيم في الأزقة الضيقة، حاضراً لا يُلاحظ، مهماً لا يُحتفى به. كانت هي هناك تجلس في الزاوية وتُرتّب الفوضى بصمت، التي تُنصت أكثر مما تتكلم، وتفهم دون أن يُشرح لها شيء، لم تكن تطلب الكثير، فقط أن يُرى وجودها دون...
في زمنٍ اختلطت فيه الفصول، ولم يعد للزمن عقارب تهتدي بها الأرواح، يتكئ الحنين على أكتافنا كشيخوخة مبكرة، ونحمل بين أضلعنا ما لا يُقال، وما لا يُنسى. هناك حيث الصمتُ أعلى من كل ضجيج، والوجعُ متخفٍّ في ملامح من يُجيدون التماسك... يولد هذا الكلام. حتى الطقس فقد بوصلته، والسماء أصبحت غامضة، لا تعرف...
هي كبرت بما يكفي لتفهم أن بعض القلوب لا تبني، بل تنقّبُ عن هشاشتها، لتُسقطها، هي تشعر وكأنها جدار قديم، تنهش فيه الرياح ولا يسنده أحد، وكلما مرّ أحدهم، اقتطع جزءاً من روحها ومضى. لم يعد في داخلها متّسع للترميم، ولا في خارجها ظلٌّ لتستند إليه، ما عادت تلك الأفعال التي تصدر من الأقربين خصوصاً ممن...
لربما لا شيء سيكون كافياً إلى الأبد، نظن أننا نُمسك باللحظة ولكن نتذكر أنها كالماءما تلبث أن تنسدل من بين الأصابع، نُقنع أنفسنا أن دفقة الود التي قلناها كانت كافية، أن نصف العناق يكفي، وأن الكلمات التي لم تُقل ستصل وحدها، بالتخاطر أو بالدمع، لكن الحقيقة تقف أمامنا كمرآة صافية لا ترحم، تخبرنا...
في رأسه… غرفة ضيقة، يسكنها صوت لا يعرف النوم، ليس ضيفاً، بل مالكاً متسلطاً، يصرخ فيّه كلما شَعرَ بالسكينة، يركض في دهاليز فكره حافياً، يطرق الأبواب خلفه، ويهمس: "لم تُغلقها جيدًا... أعد المحاولة" كل لمسة، كل فكرة، كل نظرة — اختبار. الصوت الداخلي ليس صديقه، بل سجّانه، إنه لا يصرخ دائماً، لكنه...
كانت تجلس هناك على أريكتها بصمتٍ ثقيل، كأن الوقت قد توقّف من حولها، وعيناها تنزفان الدمع بلا استئذان، دموعٌ تسقط بلا صوت، وكأن روحها تبكي من مكانٍ أعمق من الإدراك، لم تكن تدري لماذا تبكي، لم يكن هناك سببٌ واضح، لكن شيئاً ما كان ينهشها من الداخل، ثقلٌ غامض احتلّ صدرها فجأة، فخرجت منها تنهيدة...
هناك أشخاص، حين يعبرون الحياة، لا يتركون خلفهم ضجيجاً، بل آثاراً صامتة تشبه بصمات الأصابع على الزجاج، لا تُرى إلا في الضوء، هؤلاء هم البناؤون في الخفاء، من يضعون الطوب فوق بعضه لبناء جدار الحياة، دون أن يطلبوا شكراً أو ينتظروا تصفيقاً، وأنتِ أحدهم.. كنتِ أنتِ الأرض الثابتة حين اهتز تحت أقدامنا...
يزورني كلّ صباحٍ طائرٌ صغير، لا أعرف اسمه، ولا من أيّ غصنٍ جاء، لكنه يعرف طريقه إليّ كما يعرف القلب من يحبه، يقف بثباتٍ على سور شرفتي، كأنه يحمل رسالة لا تُقال بالكلمات، بل تُترجمها النظرات والأجنحة التي ترفرف بخفة على أطراف الغياب. أراقبه في صمت، وأشعر أنني أعرفه… ليس كطائرٍ عابر، بل كظلٍ...
لم يبدأ الأمر بانفجارٍ كبير، ولا بحادثة تليق بأن تُروى، بدأ بصمتٍ صغيرٍ تسرّب إلى الأيام، ثم اتّسع حتى غمره فلم يستطع التنفس، لم يكن يعلم متى أصبح شخصاً يراقب الحياة من خلف زجاجٍ باهت، يعبر الشوارع كأنه عابر سبيلٍ في مدينةٍ لم تولد له. شيئاً فشيئاً، صارت الوحدة رفيقته، وصار انهياره في العمل هو...
كانت واقفة هناك، كقصيدةٍ نسيها شاعرها في زحمة العمر، متكئة على شرفةٍ تشبه حافة الذاكرة، تلك التي تهوي منها الأحلام حين تتعب. في يديها فنجان قهوة بارد، لا يدفئ سوى الفراغ، كقلبٍ كان يوماً مشتعلاً ثم أطفأه الغياب. كانت تحدّق فيه كما يُحدّق الغريق في صفحة الماء، لا يرى نجاته بل وجهه الموشّح...
أنِّي حين ضاق بي العالم، كنت أنت الفسحة الوحيدة التي لا تخذل، كنت المرفأ حين تعبت أمواجي من العراك، والضوء حين استوطن العتم عيوني، لم أجدك صدفة، بل وجدتك دعوةً قديمة رفعتها روحي ذات انكسار، واستجابها القدر متأخراً ليعلّمني أن النور لا يأتي قبل اكتمال الليل. كنت ملجئي، لا بمعنى المكان، بل بمعنى...

هذا الملف

نصوص
19
آخر تحديث

كتاب الملف

أعلى