كان المساء يهبط على الحيّ العتيق، يكسو الأزقة بلون الرماد، والريح تعزف لحنها على شبابيك مهجورة. أمام ذلك البيت، وقف طويلاً، يتأمل الباب الخشبي الذي عرف دفء يديه يوماً، بابٌ أكلت أطرافه الرطوبة، وصار كجفنٍ متعبٍ لا يقوى على الانفتاح، حتى سمع صوت من الفراغ يقول له "لا تطرق الباب.. ما عاد من تعرفهُ بالداخل" الزمن نفسه انسحب من هنا ترك الغرف كأقفاص بلا عصافير، والممرات كأوردة بلا دم. في أركان البيت تختبئ ظلالٌ متجمدة، تلوّح له من بعيد كأنها أطيافٌ تستدعيه إلى قبر مفتوح.
كان المكان ذات يومٍ وطناً صغيراً، يمتلئ بالضحكات المبعثرة مثل عملات ذهبية على الأرض، وكان الضوء يتزاحم على الشرفات ليصافح وجهها كل صباح، أما الآن، فالستائر صارت كفناً معلّقاً، والساعات متوقفة عند لحظة الرحيل، كأنها تأبى أن تشهد مرور الحياة من بعده.
على الجدران آثار أيادٍ كانت تكتب الحكايات بلمسةٍ واحدة، لكنها اليوم تبدو كندوبٍ غائرة في جسدٍ ميت، وعلى الأرض حذاء صغير نسيه الزمن، يئنّ كلما داسته الذاكرة، حتى الأثاث، صار يشيخ وحيداً، ينحني بخشبه مثل شيخٍ هَرِمٍ فقد أبناءه.
ظل الصوت يُلاحقه "لا تطرق الباب.. فداخله بحرٌ جفّت مياهه" وصارت قاعاته كأحلامٍ محنطة، على الطاولة بقايا فنجان قهوة، صار مرّاً أكثر من الغياب نفسه، وعلى السرير شالٌ يئنّ كجرحٍ لم يلتئم، حتى المرايا هناك، فقدت قدرتها على عكس الوجوه، وصارت تعكس الغياب وحده.
أعرف أنك تبحث عن ذلك الصوت الذي كان يجيبك بنصف ابتسامة، لكن الصوت الآن مسجونٌ في صمتٍ كثيف، كطائرٍ ميتٍ بين ضلوع الزمن، وإن طرقتَ الباب، فلن يخرج لك إلا الصدى، يصفعك مثل اعترافٍ مؤجل. البيت الذي كان يفتح ذراعيه لكل عابر، تحوّل إلى سرداب طويل لا يفضي إلا إلى الفراغ، النوافذ لا تستقبل النهار، بل تغلق جفونها كعجوزٍ أنهكها البكاء، والمصابيح التي كانت تضيء لياليه، انطفأت، تاركةً الظلمة تكتب وصاياها على الجدران.
"لا تطرق الباب.. فأنا لم أعد هناك" ما تركته خلفي ليس سوى هيكلي الملقى على مقعد، وبعض الأوراق التي لم يكتمل نزيف الحبر فيها، إن فتحتَ، لن تجدني، بل ستعثر على غبارٍ يتهامس بإسمك دون أن يملك فماً. كان يهمّ أن يرحل، لكن شيئاً في داخله دفعه إلى المغامرة الأخيرة، رفع يده المرتعشة وطرق… طرق مرةً، ثم ثانيةً، ثم ثالثةً، الصوت ارتدّ كرجعٍ من باطن الأرض، فجأةً، انفرج الباب ببطءٍ كجفنٍ ينهض من كابوس، لم يظهر أحد؛ لا جسد، لا وجه، لا ظلّ، غير أنّ ريحاً باردة خرجت من العتمة، تحمل همساً خافتاً يشبه صوته هو، لكن أضعف، أبعد، وأشدّ ألماً...
ارتجف.. حتى أدرك متأخراً أن من بالداخل لم يكن غائباً فقط، بل كان هو نفسه، نسخته الأخرى، مسجونةً في البيت الذي تركه خلفه منذ زمن، يظل يهمس له "لا تطرق الباب.. لأنك إن فعلت، ستكتشف أنّ الغائب لم يكن إلا سواك"
أعرف أنك تبحث عن صوتي، لكن صوتي صار حبيساً في صدرك، مثل طائرٍ ميتٍ بين ضلوع الزمن، وإن طرقتَ الباب، فلن يخرج إليك غير الصدى، يصفعك كحقيقةٍ لا تريد الاعتراف بها.
لقد صرتَ تبحث عني في بيتٍ لم يعد يعرفك، وفي غرفةٍ لفظتك منذ زمن. ما عاد في الداخل شيءٌ يشبهك، كل ما بقي هو بعض الأوراق التي نزف حبرها ولم تكتمل، وكرسيّ شاخ بانتظار جسدٍ لن يعود.
أكتب إليك من عتمةٍ كثيفة، وأهمس: لا تطرق الباب.
لأنك إن فعلت، لن تجدني… بل ستلتقي بنفسك، نسختك الأخرى، واقفةً هنا مثلي، مسجونةً في بيتٍ من غياب...
بقلم: ضحى أحمد الباسوس
كان المكان ذات يومٍ وطناً صغيراً، يمتلئ بالضحكات المبعثرة مثل عملات ذهبية على الأرض، وكان الضوء يتزاحم على الشرفات ليصافح وجهها كل صباح، أما الآن، فالستائر صارت كفناً معلّقاً، والساعات متوقفة عند لحظة الرحيل، كأنها تأبى أن تشهد مرور الحياة من بعده.
على الجدران آثار أيادٍ كانت تكتب الحكايات بلمسةٍ واحدة، لكنها اليوم تبدو كندوبٍ غائرة في جسدٍ ميت، وعلى الأرض حذاء صغير نسيه الزمن، يئنّ كلما داسته الذاكرة، حتى الأثاث، صار يشيخ وحيداً، ينحني بخشبه مثل شيخٍ هَرِمٍ فقد أبناءه.
ظل الصوت يُلاحقه "لا تطرق الباب.. فداخله بحرٌ جفّت مياهه" وصارت قاعاته كأحلامٍ محنطة، على الطاولة بقايا فنجان قهوة، صار مرّاً أكثر من الغياب نفسه، وعلى السرير شالٌ يئنّ كجرحٍ لم يلتئم، حتى المرايا هناك، فقدت قدرتها على عكس الوجوه، وصارت تعكس الغياب وحده.
أعرف أنك تبحث عن ذلك الصوت الذي كان يجيبك بنصف ابتسامة، لكن الصوت الآن مسجونٌ في صمتٍ كثيف، كطائرٍ ميتٍ بين ضلوع الزمن، وإن طرقتَ الباب، فلن يخرج لك إلا الصدى، يصفعك مثل اعترافٍ مؤجل. البيت الذي كان يفتح ذراعيه لكل عابر، تحوّل إلى سرداب طويل لا يفضي إلا إلى الفراغ، النوافذ لا تستقبل النهار، بل تغلق جفونها كعجوزٍ أنهكها البكاء، والمصابيح التي كانت تضيء لياليه، انطفأت، تاركةً الظلمة تكتب وصاياها على الجدران.
"لا تطرق الباب.. فأنا لم أعد هناك" ما تركته خلفي ليس سوى هيكلي الملقى على مقعد، وبعض الأوراق التي لم يكتمل نزيف الحبر فيها، إن فتحتَ، لن تجدني، بل ستعثر على غبارٍ يتهامس بإسمك دون أن يملك فماً. كان يهمّ أن يرحل، لكن شيئاً في داخله دفعه إلى المغامرة الأخيرة، رفع يده المرتعشة وطرق… طرق مرةً، ثم ثانيةً، ثم ثالثةً، الصوت ارتدّ كرجعٍ من باطن الأرض، فجأةً، انفرج الباب ببطءٍ كجفنٍ ينهض من كابوس، لم يظهر أحد؛ لا جسد، لا وجه، لا ظلّ، غير أنّ ريحاً باردة خرجت من العتمة، تحمل همساً خافتاً يشبه صوته هو، لكن أضعف، أبعد، وأشدّ ألماً...
ارتجف.. حتى أدرك متأخراً أن من بالداخل لم يكن غائباً فقط، بل كان هو نفسه، نسخته الأخرى، مسجونةً في البيت الذي تركه خلفه منذ زمن، يظل يهمس له "لا تطرق الباب.. لأنك إن فعلت، ستكتشف أنّ الغائب لم يكن إلا سواك"
أعرف أنك تبحث عن صوتي، لكن صوتي صار حبيساً في صدرك، مثل طائرٍ ميتٍ بين ضلوع الزمن، وإن طرقتَ الباب، فلن يخرج إليك غير الصدى، يصفعك كحقيقةٍ لا تريد الاعتراف بها.
لقد صرتَ تبحث عني في بيتٍ لم يعد يعرفك، وفي غرفةٍ لفظتك منذ زمن. ما عاد في الداخل شيءٌ يشبهك، كل ما بقي هو بعض الأوراق التي نزف حبرها ولم تكتمل، وكرسيّ شاخ بانتظار جسدٍ لن يعود.
أكتب إليك من عتمةٍ كثيفة، وأهمس: لا تطرق الباب.
لأنك إن فعلت، لن تجدني… بل ستلتقي بنفسك، نسختك الأخرى، واقفةً هنا مثلي، مسجونةً في بيتٍ من غياب...
بقلم: ضحى أحمد الباسوس