قالت بصوت يثقلُه الأسى: أحياناً يشعر المرء أنه غريب حتى عن ذاته، كأن صورته في المرآة غريبٌ عنه، وكأن روحه تبدّل ثوبها مراراً حتى فقدت ملامحها الأولى. يتساءل في لحظات السكون: هل نحيا حقاً حياة واحدة؟ أم أننا نموت ونُبعث مع كل موجة حزن تعبرنا؟ لماذا يبدو لي أن الولادة لا تحدث مرةً من رحم الأم فحسب، بل تتكرر بلا عدّ من رحم الخيبات والفقد؟ أرى العمر كتاباً بالياً، أوراقه لا يطويها الزمن وحده، بل الندوب التي تحفرها اللحظات القاسية في أعماقنا. وكل صفحة جديدة لا تشبه سابقتها، بل تنطق بجسدٍ آخر وروحٍ أخرى، حتى أكاد أؤمن أن كل مرة أخرج فيها ناجية، لست هي ذاتي التي كانت قبل لحظة...
كنتُ أظن أن الحياة خطٌّ مستقيم، نولد عند بدايته ونمضي حتى نهايته، نتغير قليلاً لكننا نظل الكيان ذاته. غير أني أدركت، مع كل سقوطٍ وارتطام، أن العمر ليس حياةً واحدة كما نتوهم، بل هو سلسلة حيواتٍ متعاقبة، يُبعث فيها الإنسان مراتٍ عديدة وهو ما يزال حيّاً، كأننا نُجبر على الولادة مرارًا، لا من رحم أمٍّ هذه المرة، بل من رحم الألم.
نولد حين نسقط لأول مرة من علوّ الأمان إلى هاوية الخيبة، ونولد حين يخذلنا من ظننّاهُ وطنًا، فنجد أنفسنا في العراء، عُزلاً إلا من ارتجاف القلب، ونولد حين يزورنا الموت في هيئة فقْدانٍ عزيز، فنصحو على فراغٍ أشدُّ قسوة من أي جدارٍ صلد.
الغريب أن هذه الولادات لا تمنحنا طفولةً جديدة، بل تنزع منا شيئاً فشيئاً ملامح البراءة، كل ولادةٍ قسرية تسلبنا طبقة من الرقة، وتترك مكانها قشرةً صلبة، كأننا نصير شجرةً يابسة تُضيف حلقاتها لا لتكبر، بل لتغدو أصلب وأثقل، إنها حياةٌ تُخصم من رصيد الدهشة أكثر مما تُضيف إلى رصيد العمر.
لماذا نتحوّل مع كل ولادةٍ مؤلمةٍ إلى نسخةٍ أبرد؟ لماذا يدرّبنا الألم على الجمود، كأن القلب قطعة جليدٍ تُلقَى في نارٍ ملتهبة، فتذوب لتتصلّب من جديد في شكلٍ آخر؟ إننا نخسر في المقابل ذلك الوجه الطفولي، تلك السذاجة التي كانت تُعطينا القدرة على الحلم دون أن نفكر بالثمن.
لكننا، رغم كل شيء، نبدأ حياةً أخرى، حياة لا تُشبهنا كما كنا، لكنها تنتمي إلينا كما ينتمي الندب إلى الجسد: شاهدٌ لا يُمحى على أننا كنا هناك، أننا تهشّمنا يومًا، ثم أُجبرنا على أن نقوم، حياةٌ تُجبرنا على أن نحمل قلوبنا كأحجارٍ ثقيلة، لا كطيورٍ محلّقة، ربما نحن لا نعيش حياة واحدة ولا عشراً، بل نعيش عدد الحيوات بعدد المرات التي متنا فيها دون أن نُدفَن، نموت ونحن أحياء، ونبعث دون ضجيجٍ ولا تكبير، بعثاً داخليًا يبدّل ملامحنا، يخلع عنّا أرواحنا القديمة، ويلبسنا ثياباً غريبة نشعر فيها كغرباء عن أنفسنا.
نعم، كل ما هو مؤلم يعيد تشكيلنا، نُعجن من طينٍ آخر، حتى نصبح في النهاية نتاج عشرات الحيوات المتراكمة، ومن يدري؟ ربما النهاية ليست موتاً، بل مجرد ولادةٍ أخيرة، لكنها لا تُتبع بحياةٍ أخرى...
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
كنتُ أظن أن الحياة خطٌّ مستقيم، نولد عند بدايته ونمضي حتى نهايته، نتغير قليلاً لكننا نظل الكيان ذاته. غير أني أدركت، مع كل سقوطٍ وارتطام، أن العمر ليس حياةً واحدة كما نتوهم، بل هو سلسلة حيواتٍ متعاقبة، يُبعث فيها الإنسان مراتٍ عديدة وهو ما يزال حيّاً، كأننا نُجبر على الولادة مرارًا، لا من رحم أمٍّ هذه المرة، بل من رحم الألم.
نولد حين نسقط لأول مرة من علوّ الأمان إلى هاوية الخيبة، ونولد حين يخذلنا من ظننّاهُ وطنًا، فنجد أنفسنا في العراء، عُزلاً إلا من ارتجاف القلب، ونولد حين يزورنا الموت في هيئة فقْدانٍ عزيز، فنصحو على فراغٍ أشدُّ قسوة من أي جدارٍ صلد.
الغريب أن هذه الولادات لا تمنحنا طفولةً جديدة، بل تنزع منا شيئاً فشيئاً ملامح البراءة، كل ولادةٍ قسرية تسلبنا طبقة من الرقة، وتترك مكانها قشرةً صلبة، كأننا نصير شجرةً يابسة تُضيف حلقاتها لا لتكبر، بل لتغدو أصلب وأثقل، إنها حياةٌ تُخصم من رصيد الدهشة أكثر مما تُضيف إلى رصيد العمر.
لماذا نتحوّل مع كل ولادةٍ مؤلمةٍ إلى نسخةٍ أبرد؟ لماذا يدرّبنا الألم على الجمود، كأن القلب قطعة جليدٍ تُلقَى في نارٍ ملتهبة، فتذوب لتتصلّب من جديد في شكلٍ آخر؟ إننا نخسر في المقابل ذلك الوجه الطفولي، تلك السذاجة التي كانت تُعطينا القدرة على الحلم دون أن نفكر بالثمن.
لكننا، رغم كل شيء، نبدأ حياةً أخرى، حياة لا تُشبهنا كما كنا، لكنها تنتمي إلينا كما ينتمي الندب إلى الجسد: شاهدٌ لا يُمحى على أننا كنا هناك، أننا تهشّمنا يومًا، ثم أُجبرنا على أن نقوم، حياةٌ تُجبرنا على أن نحمل قلوبنا كأحجارٍ ثقيلة، لا كطيورٍ محلّقة، ربما نحن لا نعيش حياة واحدة ولا عشراً، بل نعيش عدد الحيوات بعدد المرات التي متنا فيها دون أن نُدفَن، نموت ونحن أحياء، ونبعث دون ضجيجٍ ولا تكبير، بعثاً داخليًا يبدّل ملامحنا، يخلع عنّا أرواحنا القديمة، ويلبسنا ثياباً غريبة نشعر فيها كغرباء عن أنفسنا.
نعم، كل ما هو مؤلم يعيد تشكيلنا، نُعجن من طينٍ آخر، حتى نصبح في النهاية نتاج عشرات الحيوات المتراكمة، ومن يدري؟ ربما النهاية ليست موتاً، بل مجرد ولادةٍ أخيرة، لكنها لا تُتبع بحياةٍ أخرى...
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي