ضحى أحمد الباسوسي - الطائر الصغير ...

يزورني كلّ صباحٍ طائرٌ صغير، لا أعرف اسمه، ولا من أيّ غصنٍ جاء، لكنه يعرف طريقه إليّ كما يعرف القلب من يحبه، يقف بثباتٍ على سور شرفتي، كأنه يحمل رسالة لا تُقال بالكلمات، بل تُترجمها النظرات والأجنحة التي ترفرف بخفة على أطراف الغياب.

أراقبه في صمت، وأشعر أنني أعرفه… ليس كطائرٍ عابر، بل كظلٍ عتيقٍ سكن قلبي يوماً، وغاب جسده، وبقي صوته يتهامس في الزوايا الخفية من روحي، عيناه تشبهان تلك النظرة الأخيرة، تلك النظرة التي حفرت في داخلي ندبة لا يُشفى منها الزمن.

في حضوره، لا يبدو الهواء ذاته، النسيم يلين، والوقت يتباطأ، كأن الحياة تُغلق أبواب صخبها احتراماً لزيارةٍ من عالمٍ آخر، في بعض اللحظات، أكاد أجزم أنني أراه ينظر إليّ بشيء من الحنان، شيء يشبه العتاب، أو ربما الشوق.

أخبرت نفسي مراراً، لعلها مصادفة، مجرد طائرٍ وجد ملاذاً دافئاً، لكن قلبي لا يصدق المصادفات، قلب من فقد لا يؤمن بشيء اسمه "بالصدفة"، قلبي يقول إن الأرواح التي نحبها لا تذهب بعيدًا، بل تخلع أثوابها القديمة، وتأتينا متخفية، خفيفة كنسمة، أو كحلمٍ لا يوقظنا منه سوى دمعة.

ربما هو... نعم، ربما هو ذاك الذي رحل ولم يُودّع، ذاك الذي انطفأ صوته ذات مساء، لكنه ما زال يحادثني في صمتي، ويُربّت على قلقي بجناحي طائرٍ صغير، أهو أنت؟ أتأتيني كل صباح بهذا الشكل لتقول إنك بخير؟ أم لتطمئن أنني ما زلت أنتظر، ما زلت أذكرك، وأحمل غيابك كقلادةٍ لا تُخلع؟

أحيانا، حين يطير، أشعر أن شيئاً منّي يذهب معه، وكأن قلبي تعلّق بريشه، وكأن الفقد لا يكتفي بأن يأخذ منّا الأحبة، بل يعود ليأخذ ما تبقى منّا معهم، قطعةً قطعة، وحين يغيب الطائر، لا يغيب وحده، بل يأخذ معه لحظةً من دفئي، ويدع في المكان برودةً لا تطفئها شموع الذاكرة.

كأن الله يُرسل لنا الذين أحببناهم، متخفين في صورٍ نحبها… كأنّه يعلم أن قلوبنا لا تحتمل الفقد دفعةً واحدة، فيرأف بنا، ويترك لنا نافذةً صغيرة نطلّ منها على الغياب، ونهمس لمن نشتاق إليهم دون أن نصرخ.

فإن كنت أنت ذلك الزائر الصغير، فلا تتأخر غداً… قف كما تفعل كل يوم، واسمح لعينيّ أن تتذكّرك، ولو للحظة، في هيئة طائرٍ صغير، يحمل بين جناحيه شيئًا من حنانٍ كان لي، ولم يزل.

بقلم: ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى