هي كبرت بما يكفي لتفهم أن بعض القلوب
لا تبني، بل تنقّبُ عن هشاشتها، لتُسقطها، هي تشعر وكأنها جدار قديم، تنهش فيه الرياح ولا يسنده أحد، وكلما مرّ أحدهم، اقتطع جزءاً من روحها ومضى. لم يعد في داخلها متّسع للترميم، ولا في خارجها ظلٌّ لتستند إليه، ما عادت تلك الأفعال التي تصدر من الأقربين خصوصاً ممن حولها تعتبرها مجرد هفوات، تغض الطرف عنها وكأن شيئاً لم يكن، وتستمر في التمثيل بأنها لم تؤذها، بل هي كانت سهامٌ تُرمى بعينٍ ترى الهدف واضحاً، كوضوح الشمس، فتُصيب في مقتل ف تتسبب في تلك الجراح التي تخلّفها. أرهقها دور القوية، تعبتُ من حمل صخرتها وحدها، بينما الجميع يمرّون ويضعون فوقها حجراً آخر...
هي تقول: أنا لم أعد طفلة تركض خلف تصفيقٍ زائف، ولا امرأة تُجيد دفن صراخها ما يؤلمها من حولها بإبتسامة وتتعايش، أنا أنثى أنهكها الانتظار، وأحرقتها الأفعال العابثة دون أدنى اعتذار، أنا أصدق أن من أخطىء عليه الاعتذار، وانا اختار هل أسامح واعفو وتستمر الحياة، أم أسامح فقط دون أدنى حياة، فلا تلوموني إن أغلقت الباب، وألقيت مفاتيح قلبي في بئر النسيان.
أنا أسير ظلٌّ على حوافّ ضوء لا يُرى إلا حين يشتدّ الوهج، ولا يُذكر إلا حين يختفي النور، ما بال الناس يظنون بي ظنّ السوء، كأنني لعنة تمشي على قدمين، أو شؤم يتنفس في صمت؟ ما لهم يرون في عينيّ طمعاً لم يُخلق، وفي قلبي رغبة لم تولد؟ أيعقل أن نظراتي تُفسَّر خطأً، فيُخفون عني أفراحهم كأنني سارق اللحظة الجميلة من كفّ الزمان؟ لماذا لا يُشاركونني إلا الحزن، ويُلقون إليّ ما يثقل أرواحهم، ويكتمون عني ابتساماتهم كأنها من خزائن الأسرار؟ كأنني قاع بئر، لا تُلقى فيه إلا الحجارة الثقيلة، ولا يُنظر إليه إلا حين يُراد التخلص من عبءٍ ما.
أُعاتب نفسي: أكنت ساذجة إلى هذا الحد؟ أكنت مرآة يرون فيها ما يشاؤون، ثم يغادرون دون حتى نظرة وداع؟ هم يكذبون، وأنا أصدّق، هم يخفون، وأنا أبرر، هم يرحلون، وأنا أفتح لهم الأبواب كي لا يتعثروا بالخروج. فأي غباءٍ هذا من القلب، وأي طهرٍ جعله يُذبح دون مقاومة؟
لم أسألهم يوماً عن أسرارهم، ولم أقتحم أسوارهم، ومع ذلك أُغلقت أبوابهم في وجهي، كأنني طارق متسوّل لا يُراد له دخول، ف صرت أتحاشى الخلق، أُشيّد جداراً بيني وبينهم، لا من حجر، بل من خوفٍ ووجعٍ وذكرى طعنةٍ لم تندمل، أهرب من الجميع، حتى أولئك الطيبين الذين لا ذنب لهم، فقط لأن قلبي صار هشّاً كزجاجٍ قديم، يخشى أن يُلامس أحدٌ أطرافه فيتهشّم. أصبحت أزرع في وحدتي ألف وطن، وأحتمي بصمتي كطفلٍ يرتجف في حضن الليل، لا أطلب منهم حباً، ولا حتى دفئاً، فقط أن يكفّوا عن الظنّ بأنني أرغب فيما بأيديهم، أو أتربّص بلحظاتهم البيضاء.
أيّ جرم ارتكبتُ لأُعامَل كغريبٍ في أرضٍ كنتُ فيها مأمناً؟ أيّ ذنب اقترفت روحي ليكون جزاؤها الجفاء والنكران؟ ما عدت أطيق خيباتهم، ما عدت أحتمل أن أكون الحائط الذي يُسندهم وقت التعب ويُهدم أول ما يستقيمون.
ليتهم يعلمون أنني كنت أتمنى لهم الفرح أكثر مما تمنيته لنفسي، وأن كل مرة ابتسمت لهم فيها، كنت أخفي وراءها غصةً بحجم بحر، لكنهم اختاروا أن يُطفئوا نوري، وأن يُشعلوا في صدري شموع الوحدة.
فها أنا ذا، أنكمش على ذاتي كوردةٍ ذبلت في عزّ الربيع، أربّت على قلبي وأهمس له: “لا بأس، فبعض الأوجاع لا شفاء لها إلا بالبعد، وبعض الأرواح لا تستحق دفئك.”
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي
لا تبني، بل تنقّبُ عن هشاشتها، لتُسقطها، هي تشعر وكأنها جدار قديم، تنهش فيه الرياح ولا يسنده أحد، وكلما مرّ أحدهم، اقتطع جزءاً من روحها ومضى. لم يعد في داخلها متّسع للترميم، ولا في خارجها ظلٌّ لتستند إليه، ما عادت تلك الأفعال التي تصدر من الأقربين خصوصاً ممن حولها تعتبرها مجرد هفوات، تغض الطرف عنها وكأن شيئاً لم يكن، وتستمر في التمثيل بأنها لم تؤذها، بل هي كانت سهامٌ تُرمى بعينٍ ترى الهدف واضحاً، كوضوح الشمس، فتُصيب في مقتل ف تتسبب في تلك الجراح التي تخلّفها. أرهقها دور القوية، تعبتُ من حمل صخرتها وحدها، بينما الجميع يمرّون ويضعون فوقها حجراً آخر...
هي تقول: أنا لم أعد طفلة تركض خلف تصفيقٍ زائف، ولا امرأة تُجيد دفن صراخها ما يؤلمها من حولها بإبتسامة وتتعايش، أنا أنثى أنهكها الانتظار، وأحرقتها الأفعال العابثة دون أدنى اعتذار، أنا أصدق أن من أخطىء عليه الاعتذار، وانا اختار هل أسامح واعفو وتستمر الحياة، أم أسامح فقط دون أدنى حياة، فلا تلوموني إن أغلقت الباب، وألقيت مفاتيح قلبي في بئر النسيان.
أنا أسير ظلٌّ على حوافّ ضوء لا يُرى إلا حين يشتدّ الوهج، ولا يُذكر إلا حين يختفي النور، ما بال الناس يظنون بي ظنّ السوء، كأنني لعنة تمشي على قدمين، أو شؤم يتنفس في صمت؟ ما لهم يرون في عينيّ طمعاً لم يُخلق، وفي قلبي رغبة لم تولد؟ أيعقل أن نظراتي تُفسَّر خطأً، فيُخفون عني أفراحهم كأنني سارق اللحظة الجميلة من كفّ الزمان؟ لماذا لا يُشاركونني إلا الحزن، ويُلقون إليّ ما يثقل أرواحهم، ويكتمون عني ابتساماتهم كأنها من خزائن الأسرار؟ كأنني قاع بئر، لا تُلقى فيه إلا الحجارة الثقيلة، ولا يُنظر إليه إلا حين يُراد التخلص من عبءٍ ما.
أُعاتب نفسي: أكنت ساذجة إلى هذا الحد؟ أكنت مرآة يرون فيها ما يشاؤون، ثم يغادرون دون حتى نظرة وداع؟ هم يكذبون، وأنا أصدّق، هم يخفون، وأنا أبرر، هم يرحلون، وأنا أفتح لهم الأبواب كي لا يتعثروا بالخروج. فأي غباءٍ هذا من القلب، وأي طهرٍ جعله يُذبح دون مقاومة؟
لم أسألهم يوماً عن أسرارهم، ولم أقتحم أسوارهم، ومع ذلك أُغلقت أبوابهم في وجهي، كأنني طارق متسوّل لا يُراد له دخول، ف صرت أتحاشى الخلق، أُشيّد جداراً بيني وبينهم، لا من حجر، بل من خوفٍ ووجعٍ وذكرى طعنةٍ لم تندمل، أهرب من الجميع، حتى أولئك الطيبين الذين لا ذنب لهم، فقط لأن قلبي صار هشّاً كزجاجٍ قديم، يخشى أن يُلامس أحدٌ أطرافه فيتهشّم. أصبحت أزرع في وحدتي ألف وطن، وأحتمي بصمتي كطفلٍ يرتجف في حضن الليل، لا أطلب منهم حباً، ولا حتى دفئاً، فقط أن يكفّوا عن الظنّ بأنني أرغب فيما بأيديهم، أو أتربّص بلحظاتهم البيضاء.
أيّ جرم ارتكبتُ لأُعامَل كغريبٍ في أرضٍ كنتُ فيها مأمناً؟ أيّ ذنب اقترفت روحي ليكون جزاؤها الجفاء والنكران؟ ما عدت أطيق خيباتهم، ما عدت أحتمل أن أكون الحائط الذي يُسندهم وقت التعب ويُهدم أول ما يستقيمون.
ليتهم يعلمون أنني كنت أتمنى لهم الفرح أكثر مما تمنيته لنفسي، وأن كل مرة ابتسمت لهم فيها، كنت أخفي وراءها غصةً بحجم بحر، لكنهم اختاروا أن يُطفئوا نوري، وأن يُشعلوا في صدري شموع الوحدة.
فها أنا ذا، أنكمش على ذاتي كوردةٍ ذبلت في عزّ الربيع، أربّت على قلبي وأهمس له: “لا بأس، فبعض الأوجاع لا شفاء لها إلا بالبعد، وبعض الأرواح لا تستحق دفئك.”
بقلم: ضحى أحمد الباسوسي