ضحى أحمد الباسوسي - أصوات لا تنام...

في رأسه… غرفة ضيقة، يسكنها صوت لا يعرف النوم، ليس ضيفاً، بل مالكاً متسلطاً، يصرخ فيّه كلما شَعرَ بالسكينة، يركض في دهاليز فكره حافياً، يطرق الأبواب خلفه، ويهمس: "لم تُغلقها جيدًا... أعد المحاولة" كل لمسة، كل فكرة، كل نظرة — اختبار. الصوت الداخلي ليس صديقه، بل سجّانه، إنه لا يصرخ دائماً، لكنه يهمس كثيرًا… والهمس أحياناً أشد وقعاً من الصراخ، الناس من حولي يقولون إنني أتصرف بغرابة، يضربون على الطاولة ضحكاً حين يروني أعدّ الأشياء، أو ألمس المقبض مراراً، لا يعلمون أنني لا أُعيد لمجرد العبث، بل لأُسكت ذلك الصوت… ذلك الوحش المختبئ بين فواصل عقلي.

الناس يرون اليد تُغسل كثيراً، ولا يرون السبب، يرون الباب يُغلق مراراً، ولا يسمعون الأصوات التي تهددني خلفه، يرون الخطى تُعاد على نفس البلاط، ولا يدركون أنني أفرّ من نار تحت الأرض، كم مرة بكيتُ دون دموع؟ كم مرة قلت لنفسي: "هذه آخر مرة"، ثم خذلتني الخيوط المتشابكة في رأسي؟ هذه الأصوات ليست اختياراً، بل قيود من دخان،
لا تُرى… لكنها تجرّني بثقل الحديد.

إنه ليس جنوناً، ولا دلعاً، ولا ضعفاً، بل معركة داخلية، حرب لا تُرى على وجهي، لكنني أنزفها كل يوم، هو نداء لا يتوقف حتى أُجيد الطقوس،
صلوات لا دينية، لكنها مقدسة في عرف عقلي، وحدهم من عاشوا هذا يعرفون، أن النوم ليس راحة، بل هدنة قصيرة، أن الهدوء مشبوه،
أن كل شيء يجب أن يكون “تمام”، لا تقريباً… وإلا قامت القيامة في داخلي.

لا تسخر مني، تمهّل… لا تُضحك على ندبة في عقل أحدهم، فهو لم يخترها، بل ولدت معه، كل ما يريده هو أن تُفهم، لا أن تُفسّر، أن يُقبل كما هو، دون سؤال يجلده: "لمَ تفعل هذا؟" في داخلي أصوات لا تهدأ، وأنا فقط أرجو… أن تفهموا، أنني لست غريباً، بل مُتعباً، أنني لست عبئاً، بل إنسانٌ يجرّ خلفه حرباً لا تنتهي.



ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى