عبدالأمير المجر - لعبة الزمن...

كنت أشعر بالسعادة وهو يحدثني عن أيامه الطويلة الحافلة، يأخذني إلى عوالم بعيدة وقريبة، غريبة وجميلة. عمل كثيرًا في شركات محلية وأجنبية، داخل البلاد وخارجها، تعرف إلى أناس كثيرين، أحبّ وتزوج، أنجب وطلّق، تديّن وتنسّك، ثم تمرد وصار ماجنًا، قبل أن يهن جسده وتخور قواه، ليجد نفسه أعزل في غرفة منسية وسط بيت كبير مكتظ بالأحفاد وضجيج المشاكل اليومية، التي يهرب منها إلى المقهى، يجترّ أيامه الخوالي!
حين يجلس قبالتي بعد أن يؤدي السلام بصوت خفيض، يجلس على مراحل؛ يقف بعد أن يثبت العصا ليتكئ عليها، يطوي جسده ليضع عجيزته على الكرسي، ثم يبدأ بالاعتدال تدريجيًا ليستقيم في جلسته أمامي. أشعر بالسعادة، وأبدأ بأسئلتي التي تحفر في جمجمته الضامرة لتوقظ نوائم الذكريات. قال لي يومًا: "لو لم تسألني عن هذه الأشياء لما تذكرتها".
عيناه الغائرتان تحاولان استجلاب صور يحبها، فتتزاحم أمامه مثل طيور الأيام الملونة، فيتوه بينها ويجعلني أتوه معه. أضحك فيضحك، وأحيانًا أبكي فيحني رأسه ويشاركني البكاء. نرفع رأسينا ونحاول إعادة البهجة لجلستنا شبه اليومية، في المقهى الذي أحبنا أصحابه وحتى رواده القريبون من منضدتنا، أو ربما صار كثيرون يحاولون الاقتراب منا بعد أن عرفوا قصة علاقتنا الطريفة، أو وصلهم رذاذ الذكريات التي يفوح عطرها في المكان.
في أحد الأيام وصل صديقي دون إحدى يديه، وحين سألته غضب وقال: "لا تسألني، أرجوك". لكن مجيئه في اليوم التالي بقدم واحدة أثار مخاوفي، إلا أنه جلس كعادته وبطريقته التدريجية نفسها. حاولت الاعتذار عن عدم الحضور في اليوم التالي، لكنه غضب وأصرّ على مجيئي. حضرت في وقت متقدم عن موعدي المعتاد، فوجدته يجلس قبلي، لكن بعين واحدة، ينظر لي بعتب. لم أسأله ولم يقل شيئًا، وبعد أن شربنا الشاي، قال: "هل ستأتي غدًا؟"
قلت: "أعتقد نعم"، فحنى رأسه ولم يرد. ولكي لا أخيب أمله، ذهبت إلى المقهى، فقيل لي إنه جاء قبل قليل وجلس هناك، وأشاروا إلى مكان كان يكرهه. توجهت إليه فوجدته ساهماً، سلمت فلم يردّ، جلست وقلت: "أترى هذا المكان أفضل؟!" طلب لي شايًا بإشارة من يده يعرفها النادل، وحين سألته عن بلد جميل كان قد سافر إليه كثيرًا، فوجئت بأنه بات بلا فم، وأجابتني دمعة سقطت من عينه الوحيدة.
بقيت حانيًا رأسي خجلاً، وقبل أن أودعه قلت له: "هل ستأتي غدًا؟" كنت متيقنًا من عدم مجيئه، إذ لم يعد قادرًا على الكلام، وربما سيعتكف، لكنه لم يردّ. حين وصلت المقهى في اليوم التالي كنت متردّدًا في الدخول، لكني لمحته جالسًا في ركن المقهى القصي، حانيًا رأسه. توجهت إليه وجلست قبالته فلم ينتبه لي، ربما تعمّد ذلك.
أديت السلام لكي أعلمه بمجيئي، لكنه لم يرد بأي إشارة، وحين رفع رأسه لم أجد أثرًا لأذنيه، ولا لبقية شعره الذي كان يتوزّع جانبي صلعة رأسه الصغير. مددت يدي إليه لأحتضنه وأواسيه، لكني أمسكت بفراغ. كررت المحاولة لكني صرت كمن يدور حول نفسه، حتى أعيتني الحركة وشعرت بالدوار. تقدم اثنان من النُدل وأمسكا بي، فكنت بين أيديهما كالرضيع.
قال أحدهما لصاحبه، وقد اغرورقت أعينهما معا بالدموع: "لقد كان يمتعنا كثيرًا بذكرياته". وحين حملاني إلى خارج المقهى، شعرت بأن الريح تدفعني إلى حيث تريد. وقرب باب المقهى لمحت شابا يبدو أنه يروم الدخول إليها، كان يشبهني شابا تمامًا. تبعه النُدل واستقبله رواد المقهى بالتحيات، قبل أن يجلس في الوسط. ومع أقداح الشاي والقهوة، راح يتحدث لهم عن آخر سفرة له وعن بلاد بعيدة كان سائحا فيها.
وددت أن أكون معهم لكي أصغي إليه واسأله، لكن الريح دفعتني، وراحت تطوّح بي بعيدًا عن المكان!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...