د. سيد شعبان - يوسف في الجلباب!...

مضت أيام وراءها أخر ، بدأنا نلملم جراحنا التي نزفت بعد موت الكبير، تناوشتنا ثعالب ونبحت خلفنا كلاب ضالة، هجرنا من دارنا فعل إبليس، جاء العيد كما يأتي كل عام، تناهت إلى سمعي تكبيرات تخرج من لسانه، أقوم من نومي مسرعا أقبل يده، يبسطها في حنو، تلهج أمي بالدعاء، يحثني أن أسرع فقد أوشكت الصلاة تفوتني، أدير محرك السيارة، تعاندني أبتهل إلى الله ألا تخذلني؛ الصغار يتشوقون لحضَور الصلاة، يعبث يوسف بهاتفه، يصور حشود الناس في المصلى، ينظر بعين فتى يتوق أن يرتدي ثوب الرجولة، يبحث عن أسبابها، أعرف فيه وداعة، ينصت إلى حين أحكي له عن معارك جده، يصمت ثم يسألني :
لم سرق الثعلب الغادر دارنا؟
أتهرب من إجابته.
يلح علي أن أخبره، هل وهبها له جده؟
هل أقص عليه خيانة من ظننا فيه الأخوة، أأخبره عن أبناء يعقوب،؟
نفس الموقف :
الحقد والكراهية، لعنة كانا على نسل جدك ياولدي، هاتف يتردد صداه في أذني، ياعم جاء بشاهدي زور :
معتوه من جيراننا. وآخر مخبول، أجيبه ٠لن يفلح الساحر حيث أتى!
انتهى العيد، بدل ثيابه ترتدي الصغار ما يحاك لها، نسيت أن أخبركم أن ماكينة الخياطة قد توقف عملها منذ ارتحلت أمي، تسكن المخزن العتيق تحت شجرة التوت، حين ٠أسدل الليل ثوب سدفته، دخل يوسف علينا يتوكأ٠ عصاه يرتدي جلبابه تعلو حاجبيه تقطيبة الجد، في إهابه وفي نظرات عينيه، يحاكي صوته، يلاعب عصاه في الهواء، يتمثله فيما يفعل، أبتسم هنيهة ثم أضمه إلى صدري، يباعد بيني وبينه، يتلبثه
كأنه هو:
في مشيته ونبرات صوته، وطف عينيه، نحافة جسده، يأمرني أن أشدخ رأس الثعلب بالحجر الكبير وراء باب الحديقة، أحفر بالفأس العتيقة، أجدها في قرارة جب صخري، عليها أشكال ورموز أحد عشر سهما، مفتاح البيت الخشبي الذي صنعه العم شعبان شنقار ذو الضبة النحاسية، أسأله من أين كل هذه الأسرار يا فتى، يعرض عني، انتابني الشكوك أن يكون أبي قد عاد إلى الحياة، لم يكن المسيح لكنه الثعلب يهوذا الأسخريوطي!
يسرع في جلبابه، يرمي الجمرات سبع حصوات، يخنس شيطان كان يتراقص، لقد كان يوسف نبي الله يأتيه الوحي، هذا يوسف الصغير يعابث أقرانه، لايترك موقفا ينال فيه من الثعلب إلا وفعله، يقذفه بالحجر، يكاد يسطو به، أخبرته أنني مثله يقتلني فعل الوغد، أمنيه بأن العيد القادم يرتدي جلبابه ويراقص عصاه في ردهات البيت الكبير، يخبر إخوته بنبوءتي، تزغرد نسوة الدار، ألم أخبركم بأننا مثل أهل غزة نعيش في المنافي مرتحلين!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...