شريف محيي الدين إبراهيم - الحدوتة المسروقة...

في ليالي الوحدة، حين يختفي الضجيج، يهمس هو لنفسه:
هل أنا المؤلف؟
أم مجرد صدى لصوتٍ آخر لا أعرفه؟
وفي المرآة التي لا تعكس صورته، بل تكسرها آلاف الشظايا، يرى تكسّر ذاته، ويُدرك أن وجوده ليس ثابتًا، بل هو مجموعة من الأصوات والقصص والأشباح التي تتشابك في فضاءٍ لا نهائيٍّ من المعاني.
ربما لم يكن سوى وسيطٍ بين عوالم لا تبدأ ولا تنتهي...

جلس المؤلف يتأمل الحدوتة التي روتها له جدته.
لم تكن مجرد حكايةٍ عابرة، بل شيفرة غامضة تنبش في جوف الوجود، وتبحث عن المعنى الخفيّ وراء الكلمات.
حين أعاد صياغتها، لم يكن يعيد ترتيب جملٍ فحسب، بل كان يصطاد ذرات الحقيقة في بحرٍ من الوهم المتلاطم.

زوجته، صاحبة اليوميات التي خطّت حروفها منذ طفولتها، لم تكن مجرد مصدر إلهام، بل كانت صوتًا داخليًا يتحدث بلغة الأرواح المتعددة، تلك التي تختبئ خلف وجهٍ واحد.
في يومياتها، تلاقت الهويات، وتعانقت الذكريات.

أسّس ورشةً للمبدعين، لكنها لم تكن إلا ساحة صراعٍ بين الأنا والهوية، بين الرغبة في الإبداع وأسرار التملّك.
شهرته لم تكن سوى شعاعٍ يُلقي بظلاله على الأسئلة التي لا تنتهي عن ماهية الفن، وأصالة الإبداع.
عيناه تلمعان بنارٍ لا يُخمدها أي نقدٍ أو اتهام.
حدوتة جدته لم تكن مجرد حكايةٍ عابرة، بل مفتاحًا لعوالم لا يعرفها إلا عباقرة قليلون.
هو لا يُعيد صياغة الكلمات، بل يخلق منها عوالم جديدة.

في مواجهة الاتهامات، كان صوته حازمًا، وكأن نبوءة عبقريته تحميه من كل إدانة.
قالت زوجته بغضب:
— لقد أخذت كلماتي وحوّلتها إلى قصصك، طمستَ روحي!
قال المؤلف بابتسامةٍ ساخرة:
— أنا من صنع الكلمة وحوّلها إلى فنٍّ خالد.

في ورشة العمل...
حاولوا مقاومته... صاح أحد الأعضاء بغضب:
— أنت تستغل أفكارنا وتبيعها باسمك!
قال المؤلف بجدّية:
— أنا الذي يضفي الحياة.
كان وحيدًا، ولكنه لا يخشى أحدًا؛ هو يرى نفسه
النجمَ الحقيقي وسط عتمة الضعف التي تحيط به.
في المرآة، يرى وجه رجلٍ لا يُقهر، روحًا تسبق زمانها، لا تعترف بحدود، ولا تخشى خسارة من لم يفهموا قدره.
صاحت زوجته:
— أنت مغرور.
قال في هدوء:
— أنتم ضائعون في متاهاتٍ وهمية، أما أنا فصانع الإبداع، أنا الملك الذي يحكم مملكة الكلمة.
أدركوا أنه كائن لا يُهزم!!
ولكنهم لا يعرفون أن عبقريته تكمن في حروبه الداخلية، في نزفه بين السطور، في قدرةٍ لا تفنى على خلق الجديد.
قالت زوجته بصوتٍ ملؤه المرارة والخذلان:
— كنت أكتب لأفكّر، لأعيش حياتي بين سطور يومياتي، لكنك... أخذت كلماتي، قلبتها على مزاجك، جرّدتها من روحها، فجعلتها قصصك!
قال بهدوءٍ يحاول إخفاء الألم:
— بل أحييتُ تلك الكلمات، منحتُها صياغةً تتناسب مع رؤيتي، كانت تحتاج من يُحوّلها إلى فن.
قالت زوجته بصوتٍ ترتعش فيه الكلمات:
— فنك هو موت صوتي، هو طمس ذاكرتي، هل فكرتَ يومًا أنك حين تُعيد صياغة كلامي، أنت لا تُعيد الحياة، بل تقتلني؟

أعضاء الورشة، أصواتهم ترتفع بين الإحباط والغضب.
أحد الأعضاء بصوتٍ مشحون:
— دفعت لك المال لأجد فرصة أُبدع بها، لا أن تُسلب مني أعمالي، تُعيد صياغتها وكأنها لك وحدك!
هو بحدّة:
— هل تظنون أن الإبداع يُولد كاملًا من المحاولة الأولى؟ أنا ساعدتكم، أعطيتكم من فني وعلمي وروحي... منحتكم العديد من الأفكار، والفرص لتنمو أعمالكم... هل كان أحد يعرف أسماءكم قبل أن تجاور اسمي، وتُنسب إلى ورشتي؟
حققتم شهرة ونجاحًا لم تحلموا به يومًا، ولكنكم طمعتم في المزيد، وصار كل همّكم أن تتفوقوا على معلّمكم، أن تنتصروا عليه... لقد كنت صادقًا معكم إلى أبعد مدى.
صاحت عضوة أخرى بغضب:
— كيف تكون صادقًا وأنت تشوّه أحلامنا؟
كل كلمة خطّيتها كانت جزءًا من روحي، لكنك حولتها إلى سراب لا حقيقة فيه.
المؤلف بعمق:
— هل تعتقدون أن أحدًا قد امتلك الحقيقة يومًا؟!
سكتت الأصوات، وانسكب في المكان صمتٌ ثقيل، أثقلته خيبات الأمل وقسوة المواجهة، فكلّ واحد ينتظر أن يُلقى اللوم على الآخر.
عضو جديد، بهمسٍ خافت:
— هل نحن هنا لنعيد خلق أنفسنا؟ أم لنُسلبها من جديد؟
هو يلمس وجهه بيده، كأنه يخفف من ثقل الجروح الداخلية، قال:
— كلنا مجرد حكايات تُعاد صياغتها.

وفي أمسية ثقيلة، اجتمع أعضاء الورشة بدعوة سرّية قادتها زوجته. لم يكن حاضرًا، لكنه شعر بالارتجاج.
زوجته، بصوتٍ واضح ممتلئ بالمرارة، وقفت وسطهم كقائدة جريحة:
— نحن من منحناه الإلهام، نحن من رسمنا له الخطوط الأولى، ومع ذلك... سَحقنا.
عضو يُلوّح بأوراقه:
— هذه قصتي... أراها منشورة باسمه، بعنوان مختلف، لكن الجسد لي، والنبض لي.
ضحكت الزوجة بسخرية، وقالت:
— هو لا يخلق، هو يسرق... يعرف كيف يُجمّل السرقة، هذا كلّ شيء.
تعالت الأصوات، وامتلأ الجو برائحة ثورة لم تكتمل. قرروا مواجهته...
دخلوا عليه كعاصفة، نظراتهم مشتعلة، والزوجة في المقدّمة.
هي، بصوتٍ حاد:
— انتهى زمنك... سنكشف حقيقتك.
سننشر أعمالنا، وسنُظهر أنك مجرّد صدى.
هو، ينظر إليهم كما ينظر سيّدٌ إلى تمرّده:
— افعلوا. لكن تذكّروا... الإبداع لا يُقاس بالصوت العالي، بل بالبقاء.
أعلنوا إطلاق مشروع جماعي منفصل يقودونه دونه، تحت راية "استعادة الأصالة"، ونشروا نصوصهم، ونشروا رسائل الاتهام، وتحدثوا في مقابلات طويلة عن "السرقة" و"طمس الأصوات".
طلّق المؤلف زوجته، وجلس أمام ورقته البيضاء.
يطالع سطرًا بدا كأنه رقصة لأشباحه الداخلية.
حدوتة جدّته كانت تناديه، لكنها هذه المرة لا تسلّم نفسها بسهولة.
الكلمة كانت سجينة الذاكرة، تُقاوم الانفلات،
شعر بها تقترب منه في الهواء، همسها يسري كتيارٍ بارد عبر عروقه، يقول له:
— أنا لستُ مجرّد قصة، أنا روحٌ تحيا في ظلال الغياب.
تذكّر وجوههم...
وجه طليقته، وجوه أعضاء ورشته... كلّ واحد منهم صدى له، وكلّ قصة خدشٌ في جدارٍ من حلمٍ مهشّم.
صراعاتهم كانت صراعاته، ورغباتهم ترددت كأنغامٍ مكسورة في روحه.
لكن لم يمضِ وقت طويل، حتى بدأت الخيبات تتراكم.
الأعمال التي أطلقوها خرجت مشوّشة، متناقضة، بلا بوصلة.
النقّاد صمتوا، أو كتبوا ببرود: "محاولات باهتة تُعيد اجترار ما قيل من قبل".
حتى طليقته نشرت "يوميّاتها الكاملة"، لكن القارئ لم يجد فيها غير تداعياتٍ متعثرة، وانفعالاتٍ متناثرة.
كتبت الصحف: "ربما كانت الخامات خصبة، لكن اليد التي تصوغها لم تكن تعرف شكل الوعاء."

شيئًا فشيئًا، عادوا يتسلّلون إلى ظلّه.
واحدٌ تلو الآخر، جلسوا في الصفوف الخلفية لمحاضراته، يقرؤون ما يكتب، يسرقون النظر إلى المرآة التي كسّرتهم.
حتى طليقته، وقفت في آخر صف، تنظر إليه بصمت.
هو لم يحتفل، لم ينتقم.
بل جلس أمام الورقة، وكتبهم من جديد... كأشباح، كأنهم لم يغادروا قط.
وفي مقابلة تلفزيونية شهيرة، سأله المذيع بابتسامةٍ خبيثة:
— كيف تفسّر فشل طليقتك... وكلّ من اتّهمك، ونجاحك المستمر؟
أجابه وهو ينظر مباشرة إلى الكاميرا:
— لأنهم ظنّوا أن الكلمة تُخلق في الضوء، بينما هي لا تولد إلا في العتمة... في الصراع، في النزف. العبقرية لا تُستعار. لا تُمنح. لا تُعلَّم.
عاد إلى المرآة ذاتها، لكنها لم تعد مرآة، بل بوابةً لألف ظل، فيها وجوههم، أصواتهم، لكنه بقي في المركز، شبحًا يقظًا.

طليقته، ذات مساء، اقتربت منه، وجلست بصمتٍ لا يشبه صمت المذنبين، بل صمت من أدرك عبث الصراخ.
قالت له دون أن تنظر في عينيه:
— ربما كنتَ سارقًا، وربما كنتَ مخلّصًا... لكنك، في كلّ الأحوال، كنت الوحيد الذي سمع النداء.
هو لم يُجب، فقط ابتسم، وحدّق في اللاشيء، كأنه ينتظر حكاية جديدة تأتي من العدم، وتسرق صوته هذه المرة.
الحدوتة لم تعد مسروقة، بل أصبحت مرآة له، وعالمًا متشظّيًا من الذات لا يكفّ عن التفتّت والتكاثر.
قال لها:
— حين كشفتم عن أعمالكم، كان فشلكم الساحق هو النتيجة.
قالت في انكسار:
— يبدو أن الحضور الحقيقي لك وحدك.
لقد قدّمتَ إبداعاتٍ مبهرة، تلمسها العيون فتختفي بين الأصابع.
ابتسم أخيرًا، وقال لطليقته:
— الوجود الحقيقي ليس في الكلمة أو القصة، بل في البحث المستمرّ عنهما.
سأله أحد تلاميذه:
— هل أُبدع لأُثبت وجودي، أم لأنسى أني موجود؟
هل الإبداع حقّ فرديّ أم ضبابٌ يتشكّل في لحظة، ثم يختفي، تاركًا خلفه فراغًا لا هوية فيه؟
هو لم يُجب، فقط ابتسم، وحدّق في اللاشيء، كأنه ينتظر حكاية جديدة تأتي من العدم، وتسرق صوته هذه المرة.
الحدوتة لم تعد مسروقة، بل أصبحت مرآة...
وفي أقصى المرآة، كان التاج فوق رأسه، بينما كانت جدّته تبتسم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...