طاف كثيراً، رأى عوالم كثيرة، التقى أناساً كثيرين في بلدان كثيرة، اختلط بهم كثيراً، اكتسب معارف كثيرة جرّاء ذلك، أمضى سنوات طوالاً في أسفاره الكثيرة. أعطى قراراً بينه وبين نفسه بوجوب الاستراحة والاستقرار ثم الكف عن التنقل بين الأمكنة. اختار قرية بدت له هادئة، قرية كبيرة، تتمتع بموقع جميل وجذاب بمناخها ، فسكن بيتاً توفَّرت فيه المواصفات المطلوبة.
لم يكن يخالط أهلها إلا عند الضرورة، فقد أراد ملازمة الداخل، ليمنح نفسه الراحة،ما بقي من عمره.
كان شبّاكه المطل على الخارج يسمح له برؤية الآخرين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءاً، ومنذ الصباح الباكر. كان يسمع صخبهم، يلتقط أصواتهم، وقد حفظ صورهم كثيراً، وهو يمضي أيامه مستمتعاً بالسكن الذي اختاره بناء وموقعاً.
الذين زاروه قلة، كانت الزيارة قصيرة، رسمية، تقتصر على بعض المجاملات عموماً. لم يكن يسمح بمفاتحة أي موضوع جانبي.
في إحدى المرات زاره شخصان، لم يكن قد رآهما سابقاً، استقبلهما كآخرين:
-أي شراب تحبّانه؟
سألهما بملامح حيادية.
-لاشيء!
ردّا سريعاً.
الرد كان لافتاً.
-جئناك بأمر مهم .
شدَّدا على عبارة " أمر مهم " .
-هل من مشكل؟
استفسر سريعاً، وبفضول نسبي!
-نعم، هناك مشكل!
-ولكن، حسبما أعلم، لا علم لدي بشيء من هذا، فأنا بالكاد أخرج.
-المشكل هنا، كونك في الداخل؟
ارتفعت وتيرة صوتهما في الجملة الاخيرة.
-أهناك مشكل لأنني لا أخرج ؟
انبرى أحدهما، وهو يتكلم، كما لو أنه أعد نفسه لذلك قبل مجيئهما:
-اسمع جيداً. لقد سبقك آخرون بالمجيء إلى هنا. استقروا وخالطوا أهل قريتننا ( كانت النبرة المرافقة لكلمة " قريتنا " عالية). لا بد أنك ترى ما يجري في هذه القرية. الجميع يخرجون، يلتقون ببعضهم بعضاً، يشربون معاً، يأكلون معاً، يعرفون بعضهم بعضاً جيداً. ونحن نعرف كلاً منهم في سلوكه: كيف يتكلم، كيف يضحك، كيف يأكل، كيف يشرب، متى يخرج من بيته ويرجع إليه، وهو ما يريحنا جميعاً.أنت الوحيد مختلف.
-وأين المشكل هنا؟
انبرى الآخر هذه المرة:
-بما أنك لا تخرج، يكون مشكلاً. حتى أن هناك من يمر بجوار سكنك هذا، وينظر بانزعاج، لا بد أنك تعرف السبب، أنت لا تريد أن تكون مثلهم، هذا لا يريحهم، ويقلقنا نحن بالمقابل، ومن أجلك نقول هذا. تصرفك قد يدفع بآخرين لاحقاً لأن يقتدوا بك، وهنا ستكون الكارثة.
أثارته كلمة " الكارثة "
-هذا عجيب وغريب !
قالها، وفي الحال سمع أول من تكلم وهو يعلّق:
ستنهار القرية، إذا لزم كلٌّ منهم سكنه أو بيته. حين تخرج ، وتخالط الآخرين، لا يعود لدينا من مشكل، ولا تثير أي حساسية لدى هؤلاء الذين بدأتَ تثيرهم بتصرفك، ولا بد أنك تقدّر الآن إلام نرمي.
نهضا وخرجا سريعاً بملامح جامدة، ودون أن ينظرا إليه.
دار حول نفسه في غرفته، مسترجعاً كل ما رآه في حياته السابقة، ساعياً إلى لملمة شتات نفسه .
في صباح اليوم الثاني، نهض باكراً، فاتحاً الباب، دافعاً بجسمه إلى الخارج، ووجهه على الداخل.ثم التفت، وهو على عتبة سكنه. كان الضباب يغطي المكان بكثافته، حائلاً بينه ورؤية الطريق الذي أراد سلوكه.
لم يكن يخالط أهلها إلا عند الضرورة، فقد أراد ملازمة الداخل، ليمنح نفسه الراحة،ما بقي من عمره.
كان شبّاكه المطل على الخارج يسمح له برؤية الآخرين كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءاً، ومنذ الصباح الباكر. كان يسمع صخبهم، يلتقط أصواتهم، وقد حفظ صورهم كثيراً، وهو يمضي أيامه مستمتعاً بالسكن الذي اختاره بناء وموقعاً.
الذين زاروه قلة، كانت الزيارة قصيرة، رسمية، تقتصر على بعض المجاملات عموماً. لم يكن يسمح بمفاتحة أي موضوع جانبي.
في إحدى المرات زاره شخصان، لم يكن قد رآهما سابقاً، استقبلهما كآخرين:
-أي شراب تحبّانه؟
سألهما بملامح حيادية.
-لاشيء!
ردّا سريعاً.
الرد كان لافتاً.
-جئناك بأمر مهم .
شدَّدا على عبارة " أمر مهم " .
-هل من مشكل؟
استفسر سريعاً، وبفضول نسبي!
-نعم، هناك مشكل!
-ولكن، حسبما أعلم، لا علم لدي بشيء من هذا، فأنا بالكاد أخرج.
-المشكل هنا، كونك في الداخل؟
ارتفعت وتيرة صوتهما في الجملة الاخيرة.
-أهناك مشكل لأنني لا أخرج ؟
انبرى أحدهما، وهو يتكلم، كما لو أنه أعد نفسه لذلك قبل مجيئهما:
-اسمع جيداً. لقد سبقك آخرون بالمجيء إلى هنا. استقروا وخالطوا أهل قريتننا ( كانت النبرة المرافقة لكلمة " قريتنا " عالية). لا بد أنك ترى ما يجري في هذه القرية. الجميع يخرجون، يلتقون ببعضهم بعضاً، يشربون معاً، يأكلون معاً، يعرفون بعضهم بعضاً جيداً. ونحن نعرف كلاً منهم في سلوكه: كيف يتكلم، كيف يضحك، كيف يأكل، كيف يشرب، متى يخرج من بيته ويرجع إليه، وهو ما يريحنا جميعاً.أنت الوحيد مختلف.
-وأين المشكل هنا؟
انبرى الآخر هذه المرة:
-بما أنك لا تخرج، يكون مشكلاً. حتى أن هناك من يمر بجوار سكنك هذا، وينظر بانزعاج، لا بد أنك تعرف السبب، أنت لا تريد أن تكون مثلهم، هذا لا يريحهم، ويقلقنا نحن بالمقابل، ومن أجلك نقول هذا. تصرفك قد يدفع بآخرين لاحقاً لأن يقتدوا بك، وهنا ستكون الكارثة.
أثارته كلمة " الكارثة "
-هذا عجيب وغريب !
قالها، وفي الحال سمع أول من تكلم وهو يعلّق:
ستنهار القرية، إذا لزم كلٌّ منهم سكنه أو بيته. حين تخرج ، وتخالط الآخرين، لا يعود لدينا من مشكل، ولا تثير أي حساسية لدى هؤلاء الذين بدأتَ تثيرهم بتصرفك، ولا بد أنك تقدّر الآن إلام نرمي.
نهضا وخرجا سريعاً بملامح جامدة، ودون أن ينظرا إليه.
دار حول نفسه في غرفته، مسترجعاً كل ما رآه في حياته السابقة، ساعياً إلى لملمة شتات نفسه .
في صباح اليوم الثاني، نهض باكراً، فاتحاً الباب، دافعاً بجسمه إلى الخارج، ووجهه على الداخل.ثم التفت، وهو على عتبة سكنه. كان الضباب يغطي المكان بكثافته، حائلاً بينه ورؤية الطريق الذي أراد سلوكه.