إبراهيم محمود - هيكل عظمي... قصة

كعادته نظر إلى صورته في المرآة. سوى أن الأمر كان مختلفاً تماماً هذه المرة. المرآة كانت هي نفسها، سوى أن صورته لم تكن هي نفسها. لقد راع ما رآه. كان ثمة هيكل عظمي مقابله.
تحاشاه سريعاً، وملؤه ذهول، ثم عاد، تحت وطأة فكرة، أن الحواس قد تخدع أحياناً، لكن الهيكل العظمي كان هو نفسه. كان يواجهه بِطوله، مستغرقاً سطح المرآة.
تمالك نفسه، واقتعد أقرب كرسي إليه مرتعداً، حيث كانت طاولة الكتابة، محاولاً التقاط أنفاسه .
ما راعه أكثر، حين رأى الهيكل العظمي ماثلاً أمامه، من على مسافة أمتار عدة منه.
أغمض عينيه وفتحهما، وفركهما براحتيْ يديه، رافضاً رؤية ما يرى حقيقة.
كان الهيكل العظمي نفسه، كما لو أنه يقف مقابله.
جاءه صوت منه على هيئة صفير:
-أأرعبك منظري؟
ارتبك، وحار في الجواب، وقد اتسعت حدقتا عينيه.
ركّزْ علي جيداً، ما تراه حقيقة، وليس من نسج الخيال وخزعبلاته كما تتصرفون أيها الكتاب!
بث الصوت فيه قشعريرة بمحتواه. لقد جرى تحديد عمله وصِفَته.
-من .. من تكون أنت؟
كان ذلك سؤاله والخوف ينبض داخله.
-أنا هيكلك العظمي الذي تجهله، وتقول عن أنك تعرف من تكون..
كيف يمكنه استيعاب ما سمعه؟
-أي هيكل عظمي، وكيف تكون؟
أعاد طرح السؤال مستفسراً، وغير قادر على التصديق !
كان الهيكل العظمي ثابتاً في مكانه، في هيئة مستقيمة، وما يشبه الصفير كان يصدر عنه:
-لو أنك تجردت من لباسك ولحمك سترى نسخة طبق الأصل عني.
لم يتمكن من التركيز والاستيعاب. ضحك دون وعي منه.
-أتضحك؟
-لا لا هذا ليس ضحكاً أبداً..
-انتبه جيداً، نحن الموتى لا نضحك، وليس لدينا ميل إلى المزاح، نحن جدّيون أكثر مما يتصوره عقلك.
-إنني أسخر من نفسي
-نفسك؟ أين هي نفسك؟ إنه أنت من يفعل ذلك.
-وما المطلوب مني؟
-جئت أحذّرك، وأحذر أمثالك من الكتاب من خلالك، حيث لا تكتفون بإطلاق العنان لخيالاتكم الحمقاء في الحياة، وتتجاوزون حدودكم، لتنتهكوا حتى حرمتنا نحن الموتى. أي جرْم ترتكبونه؟
-ولكننا لا نؤذي أحداً، إنها مجرد كلمات نسطّرها على الورق؟
-وهذه أيضاً جريمة شنعاء، جريمة إنكار تبعات ما تقومون به. كل ما تقولونه وتسطّرونه موصول بكم، ويزعجنا لأنه يتحدث أحياناً بألسنتنا ولغاتنا وأصواتنا، وهي كلها تخصكم، وهي مصطنعة. نحن الموتى لا صلة لنا بالألسنة، باللغات، بالأصوات التي تعرفونها، تشركوننا بشروركم معكم، فتستهينون بنا، كما تريدون، وفي هذه صفاقة وتعدّ لا يُحتمَلان ..
لم يستطع تبيّن مخرج الصوت، كان كامل هيكله العظمي يصدر صفيراً سرعان ما يتحول إلى كلمات ..
تجاسر قليلاً، وهو في ذهول محسوس، بقوله:
-ليس لدينا نحن الكتاب أي نية بإيذائكم أو إيذاء أي كان، إنما كما قلت، مجرد كلمات نطلقها..
اشتدت وتيرة الصفير حدّة أكثر من ذي قبل:
-الكلمات أرواح يعنينا أمرها، ونحن على تواصل دائم معها، والحساب قائم.
اختفى الهيكل العظمي بعدها مباشرة، لم يستطيع تقبّل ما رأى، لكنه لم يجرؤ على النظر في المرآة بعدها.
وحين حمل القلم ليكتب عمّا شاهده، كان صفير الرياح في الخارج يلامس شبّاك غرفته، وتراءى له أن هيكله العظمي ينظر إليه من على مسافة قريبة، ولسان حاله يقول، بصيغة سؤال:
ماالذي ستكتبه الآن؟
كان القلم عالقاً في يده، ويده عالقة في الهواء، وهو عالق في المشهد الحيّ !

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...