الشاعر أحمد حافظ - ماسحُ الأحذية...

يا مسَّاحَ الأحذيةِ المُتَّسخة
نظِّفْ أقدامي من وحلِ الغُرباتِ
وتيهِ الخُطواتِ
وتأتأةِ المشيةِ في الدَّرْبِ

يا مسَّاحَ الأحذيةِ
غُبارٌ أزليٌّ يمتدُّ طريقًا
لمصيرٍ مجهولٍ
وعيونيَ حمراءُ من النَّظَرِ المُرتابِ
وبين فمي وكلامي
أبصرتُ دمي منذورًا للنَّهْبِ!

مثلَكَ
كنتُ أُنظِّفُ أحلامَ البُسَطاءِ من الخيبةِ
أنفضُ عن وجهِ امرأةٍ دمعًا وأسًى
وألُمُّ الشهداءَ
زهورًا ذابلةً في الحَرْبِ

مثلَكَ
كنتُ بأكمامي الفضفاضةِ
أمسحُ عن مرآةِ الأيامِ المكسورةِ
صورةَ يأسي
أمسحُ عن خصرِ الأشجارِ لُعَابَ الفأسِ
أمسحُ أسماءً باهتةً
خلَّفَها التاريخُ نُدُوبًا في صفحاتِ الكُتْبِ

مثلَكَ
أصبَغُ بالماءِ السوداويِّ بُهَاقَ اللحظةِ
أحملُ صُندوقي الخشبيَّ وأمضي
وأُخبِّيْ أُغنيتي الخضراءَ
تميمةَ فَرْحٍ مُختَلَسٍ للزمنِ الصَّعْبِ

يا مسَّاحَ الأحذيةِ
حذائيَ مثقوبٌ،
وطريقيَ منكوبٌ
وزمانيَ مسكوبٌ كاللبنِ الفاسِدِ..

أمسِكْ فُرشاتَكَ يا مولايَ
ونظِّفْ قلبي!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...