في هذا العمر الخريفي، كان جدّي عزب لا يزال يغير على جدّتي ملك، غيرة هادئة، متجهمة، تظهر في نظراته كلما رآها تتحدث مع عم فهمي الجنايني، أو تطلب منه ما لا تستطيع إنجازه من شؤون الفيلا.
كان دائم التذمّر منه:
— بارد... ومالوش لازمة... ويتدخل فيما لا يعنيه.
لكن الحقيقة أن الفيلا واسعة، قديمة الطراز، وحديقتها تفتح على حدائق أخرى، لا يكفيها رجل واحد.
وعم فهمي، رغم كبر سنّه، كان يأتي كل يوم من إدكو إلى المندرة، في عربة قديمة، ليعتني بالأشجار والنخل والصبّار والزهور.
خصّصت له جدّتي غرفة في الملحق، وأوكلت إليه مهام لا تنتهي.
كان نظيفًا، في غاية التهذيب.
يرتدي دومًا جلبابًا أبيض مكويًا، وجهه ناصع البياض، وعيناه بلون رمادي كأن فيهما شتاءً أوروبيًا عالقًا.
لم يكن يتكلّم كثيرًا.
يُقال إن له ابنًا اسمه سامي، يعمل مهندسًا، وابنة تُدعى سعاد، متزوجة من موظف محترم في هيئة الميناء، تسكن في منطقة راقية في رشدي،
لكنهما لم يزورا الفيلا قط.
وكان جدّي عزب، رغم سنّه، فنانًا غارقًا في رسم لوحات زيتية بديعة. لا شيء يُسعده أكثر من صيد السمك من شاطئ المندرة، بماكينة وسنارة.
وكان يكلّف طارق، ابن خالتي صفية، أصغر بنات جدّي، بإحضار الطُّعم: دود يعيش تحت الطين، يعرف مكانه جيدًا.
كنت وطارق من أحفاد عزب وملك، لكنه كان أقربهم وألزمهم للفيلا، لأنه يقيم معهم في الطابق العلوي من البيت.
جدي عزب وطارق عادة ما يذهبان معًا لصيد الدنيس والشراغيش، في صمتٍ لا يقطعه سوى صوت الأمواج وصرير البكرة، ثم إلى محطة الرمل، حيث الحلبي والهريسة، يتصفحان الكتب والمجلات القديمة في الميدان الساحر.
أمّا جدّتي ملك، فكانت سيدة جميلة راقية، لكنها اجتماعية من طراز فريد.
يزورها الجيران والأقارب كل يوم، وهي كبيرة العيلة التي تحلّ مشكلات الأهل والجيران، بحكمة وابتسامة لا تخذل أحدًا.
وذات صباح، لم يأتِ عم فهمي.
ومرّ اليوم الأول، فالثاني، فالثالث...
ثم سأل جدي، بلهجة عابرة:
— هو فين الراجل ده؟
ضحكتُ، وسألته:
— مش كنت دايمًا بتشتمه؟
نظر إليّ، وقال في صوت غاضبٍ عاطفي:
— جدّتك تعبت، وشايلة الفيلا كلها على كتفها... هو كان ذراعها ورجليها.
ثم صمت، كأنما اكتشف نفسه.
أرسل جدّي من يسأل عنه، فعادوا بالخبر: عم فهمي مريض، طريح الفراش.
قال جدّي:
— ده متربّي عندنا... واحد من العيلة.
ثم أرسل طارق بسيارة خاصة إلى إدكو ليحضره.
وفي اليوم التالي، وصل فهمي، هزيلًا، شاحبًا، لكنه حين رأى الفيلا، أزهرت عيناه كأنما عانق شجرة تعرفه، أو زهرًا ابتسم له وحده.
أُعدّت له غرفة جديدة، وتولّى جدّي وجدّتي العناية به كأنه ابنهما العائد من الغياب.
وفي أحد الأيام، بينما كانت جدتي تعطيه الدواء، دخل شاب وشابة، بملامح حادّة ونظرات قلقة.
كانا سامي وسعاد.
جلسا دقائق، بالكاد سألاه عن صحّته، ثم خرجا.
في الممر، سمعتهما جدتي وهما يتهامسان بحدّة:
— لازم نلاقي له مكان... مش معقول نفضل نجي المندرة كل شوية!
— ما نقدرش نرجّعه إدكو كده... الجيران هيقولوا علينا إيه!
ثم انصرفا بسيارة، تركت خلفها غبارًا لا يكفي لمسح الغصّة من عينيّ فهمي.
عاد إلى السرير، ووجهه كأنما طُفئ نوره.
وسمعته يقول لجدّتي، وهو يشيح بنظره نحو الشباك:
— ما يحبوش يشوفوني كده... بيستعرّوا مني.
ثم أضاف بصوت مكسور:
— بعد موت أمهم، ما اتجوزتش... فضّلت أكون ليهم أب وأم... بعت الدكان وربّيتهم بإيدي...
كنت أبات جعان، عشان يناموا شبعانين.
وكل ما أشتاق لحضن، أضمّهم.
ولما كانوا يمرضوا، ما أشوفش النوم.
وأنا دلوقتي... وجع في نظرهم... جنايني غلبان... عار... أو فضيحة... نقطة الضعف اللي دايمًا بيهربوا منها.
ثم استدار إلى الحائط، وغطّى وجهه بذراعه، كأنما يخجل من دمعة تسلّلت.
وحين خفّت وطأة الألم، راح يتأمل النخل وهو يتمتم:
— هنا، في شوارع المندرة، وجمالها، لقيت روحي...
بين الرمل، والبحر والجناين،
هنا لقيت ناسي.
كان فهمي من نافذته يرى طارق وهو يدخّن خلسة في أقصى الحديقة.
وحين سنحت له الفرصة، قال له بنبرة نصح لطيفة:
— السجاير دي يا طارق... تمنها كيلو تفاح... والتفاح أفيد لك.
لكن طارق تضايق، كما كان يفعل دومًا.
كان يراه متطفلًا، يتجاوز حدوده.
مجرد جنايني لا يُفترض أن يقترب من منطقة القلب.
ورغم ذلك، في الأيام التالية، صار طارق أول من ينهض ليطمئن عليه.
ثم أخذ يتولى إعطاءه الدواء، ويجلس بجواره إذا طال عليه الليل.
وحين اشتدّ المرض، قرّر جدّي عزب إحضار أمهر الأطباء، ونقله إلى مستشفى خاص.
وفي تلك الليلة التي سبقت نقله، جلس طارق على حافة سريره، صامتًا، وعيناه معلقتان بأنفاسه.
ومات فهمي.
بكت عليه جدّتي كما تبكي الأمهات أبناءهن.
لكنّ الأكثر حزنًا كان جدّي عزب، حين خرج من غرفته بعد يومين، بصمت كثيف، وقال:
— فهمي ده ماكنش جنايني...
ده كان راجل أصيل من نوع نادر...
وفي المساء، كان طارق يسير في الحديقة، صامتًا، يده في جيبه تمسك علبة السجائر...
لكنه لم يشعل واحدة.
تتردد في ذهنه تلك الجملة القديمة:
"الجنايني... رجل الحديقة لا يُفترض أن يقترب من القلب... لكنه اقترب، ومكث."
كان دائم التذمّر منه:
— بارد... ومالوش لازمة... ويتدخل فيما لا يعنيه.
لكن الحقيقة أن الفيلا واسعة، قديمة الطراز، وحديقتها تفتح على حدائق أخرى، لا يكفيها رجل واحد.
وعم فهمي، رغم كبر سنّه، كان يأتي كل يوم من إدكو إلى المندرة، في عربة قديمة، ليعتني بالأشجار والنخل والصبّار والزهور.
خصّصت له جدّتي غرفة في الملحق، وأوكلت إليه مهام لا تنتهي.
كان نظيفًا، في غاية التهذيب.
يرتدي دومًا جلبابًا أبيض مكويًا، وجهه ناصع البياض، وعيناه بلون رمادي كأن فيهما شتاءً أوروبيًا عالقًا.
لم يكن يتكلّم كثيرًا.
يُقال إن له ابنًا اسمه سامي، يعمل مهندسًا، وابنة تُدعى سعاد، متزوجة من موظف محترم في هيئة الميناء، تسكن في منطقة راقية في رشدي،
لكنهما لم يزورا الفيلا قط.
وكان جدّي عزب، رغم سنّه، فنانًا غارقًا في رسم لوحات زيتية بديعة. لا شيء يُسعده أكثر من صيد السمك من شاطئ المندرة، بماكينة وسنارة.
وكان يكلّف طارق، ابن خالتي صفية، أصغر بنات جدّي، بإحضار الطُّعم: دود يعيش تحت الطين، يعرف مكانه جيدًا.
كنت وطارق من أحفاد عزب وملك، لكنه كان أقربهم وألزمهم للفيلا، لأنه يقيم معهم في الطابق العلوي من البيت.
جدي عزب وطارق عادة ما يذهبان معًا لصيد الدنيس والشراغيش، في صمتٍ لا يقطعه سوى صوت الأمواج وصرير البكرة، ثم إلى محطة الرمل، حيث الحلبي والهريسة، يتصفحان الكتب والمجلات القديمة في الميدان الساحر.
أمّا جدّتي ملك، فكانت سيدة جميلة راقية، لكنها اجتماعية من طراز فريد.
يزورها الجيران والأقارب كل يوم، وهي كبيرة العيلة التي تحلّ مشكلات الأهل والجيران، بحكمة وابتسامة لا تخذل أحدًا.
وذات صباح، لم يأتِ عم فهمي.
ومرّ اليوم الأول، فالثاني، فالثالث...
ثم سأل جدي، بلهجة عابرة:
— هو فين الراجل ده؟
ضحكتُ، وسألته:
— مش كنت دايمًا بتشتمه؟
نظر إليّ، وقال في صوت غاضبٍ عاطفي:
— جدّتك تعبت، وشايلة الفيلا كلها على كتفها... هو كان ذراعها ورجليها.
ثم صمت، كأنما اكتشف نفسه.
أرسل جدّي من يسأل عنه، فعادوا بالخبر: عم فهمي مريض، طريح الفراش.
قال جدّي:
— ده متربّي عندنا... واحد من العيلة.
ثم أرسل طارق بسيارة خاصة إلى إدكو ليحضره.
وفي اليوم التالي، وصل فهمي، هزيلًا، شاحبًا، لكنه حين رأى الفيلا، أزهرت عيناه كأنما عانق شجرة تعرفه، أو زهرًا ابتسم له وحده.
أُعدّت له غرفة جديدة، وتولّى جدّي وجدّتي العناية به كأنه ابنهما العائد من الغياب.
وفي أحد الأيام، بينما كانت جدتي تعطيه الدواء، دخل شاب وشابة، بملامح حادّة ونظرات قلقة.
كانا سامي وسعاد.
جلسا دقائق، بالكاد سألاه عن صحّته، ثم خرجا.
في الممر، سمعتهما جدتي وهما يتهامسان بحدّة:
— لازم نلاقي له مكان... مش معقول نفضل نجي المندرة كل شوية!
— ما نقدرش نرجّعه إدكو كده... الجيران هيقولوا علينا إيه!
ثم انصرفا بسيارة، تركت خلفها غبارًا لا يكفي لمسح الغصّة من عينيّ فهمي.
عاد إلى السرير، ووجهه كأنما طُفئ نوره.
وسمعته يقول لجدّتي، وهو يشيح بنظره نحو الشباك:
— ما يحبوش يشوفوني كده... بيستعرّوا مني.
ثم أضاف بصوت مكسور:
— بعد موت أمهم، ما اتجوزتش... فضّلت أكون ليهم أب وأم... بعت الدكان وربّيتهم بإيدي...
كنت أبات جعان، عشان يناموا شبعانين.
وكل ما أشتاق لحضن، أضمّهم.
ولما كانوا يمرضوا، ما أشوفش النوم.
وأنا دلوقتي... وجع في نظرهم... جنايني غلبان... عار... أو فضيحة... نقطة الضعف اللي دايمًا بيهربوا منها.
ثم استدار إلى الحائط، وغطّى وجهه بذراعه، كأنما يخجل من دمعة تسلّلت.
وحين خفّت وطأة الألم، راح يتأمل النخل وهو يتمتم:
— هنا، في شوارع المندرة، وجمالها، لقيت روحي...
بين الرمل، والبحر والجناين،
هنا لقيت ناسي.
كان فهمي من نافذته يرى طارق وهو يدخّن خلسة في أقصى الحديقة.
وحين سنحت له الفرصة، قال له بنبرة نصح لطيفة:
— السجاير دي يا طارق... تمنها كيلو تفاح... والتفاح أفيد لك.
لكن طارق تضايق، كما كان يفعل دومًا.
كان يراه متطفلًا، يتجاوز حدوده.
مجرد جنايني لا يُفترض أن يقترب من منطقة القلب.
ورغم ذلك، في الأيام التالية، صار طارق أول من ينهض ليطمئن عليه.
ثم أخذ يتولى إعطاءه الدواء، ويجلس بجواره إذا طال عليه الليل.
وحين اشتدّ المرض، قرّر جدّي عزب إحضار أمهر الأطباء، ونقله إلى مستشفى خاص.
وفي تلك الليلة التي سبقت نقله، جلس طارق على حافة سريره، صامتًا، وعيناه معلقتان بأنفاسه.
ومات فهمي.
بكت عليه جدّتي كما تبكي الأمهات أبناءهن.
لكنّ الأكثر حزنًا كان جدّي عزب، حين خرج من غرفته بعد يومين، بصمت كثيف، وقال:
— فهمي ده ماكنش جنايني...
ده كان راجل أصيل من نوع نادر...
وفي المساء، كان طارق يسير في الحديقة، صامتًا، يده في جيبه تمسك علبة السجائر...
لكنه لم يشعل واحدة.
تتردد في ذهنه تلك الجملة القديمة:
"الجنايني... رجل الحديقة لا يُفترض أن يقترب من القلب... لكنه اقترب، ومكث."