ابراهيم حالي - الكتابة بحبر الروح على جناح يمامة...

نحن الراحلون إلى غدٍ أَغْبَش،
غباره ضبابٌ، وقيل
أكثر قتامة.
فلنكتب... لا لأن الكلمات تبرئ،
بل لأن الصمت أشد خيبة.
فلنكتب... بدموع الأمهات
والأرامل واليتامى،
ونكتب عن الذين أُعدموا غدرًا،
وكيف تاهت نظراتهم في الفراغ،
ولم تجد أرواحهم ظلًا ولا غمامة.
وعن سقفٍ لا يكفّ عن الانهيار،
وكيف ابتلع غبارُ الوطن أسماءهم،
كأنه يوم من أيام القيامة.
نكتب بدموع الأمهات،
حين يبرد مهدُ الطفل،
ويغيب الصوت خلف بابٍ لا يُفتح.
وعن أرضٍ لا تنجب إلا الرصاص
والموت والجوعى والثكالى
واليتامى.
نكتب بدماء الشهداء،
الذين لم يُشيَّعوا إلا بصمت الريح،
وبنظراتٍ حائرة تسأل الفراغ:
أما من شاهد؟ أما من ظل؟
أما صلاة للجنائز؟
أما من طقوس أو تميمة أو تمامة؟
فلنكتب بأنين أوجاع الزنازين،
وعن الجدران المتآمرة منذ سنين،
وكيف تُساق الأرواح في ظلامها
إلى القيامة.
حين تتكئ الأرواح على الصدأ،
ويصير الحائط رفيقًا،
أكثر وفاءً من الضوء، وأكثر عتامة.
نكتب عن صمت الجدران،
حين تتآمر مع المفاتيح،
وتنكر صوت وقع الأشباح القادمة من بعيد،
وهي تحمل الموت وتؤدي صلاة النهاية
قبل التوبة أو الاستقامة.
نكتب عن الأرواح، وهي تُساق
إلى المذابح، وإلى القبور، وإلى سجونٍ
لا تعرف الفرق بين النسيان والقيامة.
نكتب عن عيون طفلةٍ تنظر أباها
الذي لن يعود،
وتحلّق في خيالها كحمامة،
توزع على اللحى العابرة سلامًا وابتسامة،
وهي تبحث في الوجوه
عن لحية أبيها الشعثاء،
عن ثوبه المتّسخ، وعن الحكايا
التي تخبأ تحت العمامة.
فهل نحتاج إلى عرّاف، أو دجّال،
أو إلى عيون زرقاء اليمامة،
لنعرف كيف أتممنا صلاة الوطن
دون إمام،
بعد الوضوء وقبل الإقامة؟
لنواجه في فجر الحياة فرعونًا،
ويومًا أغبر من أيام يوم القيامة.
فلنكتب بحبر الروح علي جناح يمامة .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...